الناس ثلاثة : عالم رباني ، ومتعلم على سبيل نجاة ، وهمج رعاع



الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين وبعد :
قال الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه : ( الناس ثلاثة عالم رباني ‘ ومتعلم على سبيل نجاة ، وهمج رعاع غوغاء أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لم يستضيئوا بنور العلم ، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق ) . أخرجه الخطيب في الفقيه والمتفقه 1 / 94



قال الإمام العلامة ابن القيم رحمه الله في شرح الأثر أعلاه :
فقوله رضي الله عنه: ( القلوب أوعية ) ، يشبه القلب بالوعاء والإناء والوادي؛ لأنه وعاء للخير والشر.
وفي بعض الآثار: إن لله في أرضه آنية - وهي القلوب - فخيرها أرقُّها وأصلبُها وأصفاها؛ فهي أواني مملوءة من الخير، وأواني مملوءة من الشر؛ كما قال بعض السلف: قلوب الأبرار تغلي بالبِّر، وقلوب الفجار تغلي بالفجور .



وقوله: ( فخيرها أوعاها ) ، يراد به أسرعها وعياً، وأكثرها وأثبتها وعياً، ويراد به أيضاً أحسنُها وعياً فيكون حُسن الوعي الذي هو إيعاء لما يقال له في قلبه هو سرعته وكثرته وثباته .
ولما كان القلب وعاءا والأذن مدخل ذلك الوعاء وبابه كان حصول العلم موقوفا على حسن الاستماع، وعقل القلب هو ضبط ما وصل إلى القلب وإمساكه حتى لا يتفلت منه ...
فخير القلوب ما كان واعيا للخير ضابطا له، وليس كالقلب القاسي الذي لا يقبله؛ فهذا قلبٌ حجري، ولا كالمائع الأخرق الذي يقبل ولكن لا يحفظ ولا يضبط،فتفهيم الأول كالرسم في الحَجَر، وتفهيم الثاني كالرسم على الماء، بل خيرُ القلوب ما كان لينا صلبا يقبلُ بلينه ما ينطبع فيه، ويحفظ صورته بصلابته فهذا تفهيمه كالرسم في الشمع .



وقوله : الناس ثلاثة ... هذا تقسيم خاص للناس وهو الواقع ..
فالأول: العالم الرباني ويدخل فيه من تكون نفسه متحركة في طلب الكمال ساعية في إدراكه .
والثاني: هو المتعلم على سبيل النجاة .
الثالث: وهو الهمج الرعاع .
فالأول: هو الواصل ، والثاني: هو الطالب، والثالث : هو المحروم .



القسم الأول : العالم الرباني : قال سعيد بن جبير: هو الفقيه العليم الحكيم .. ولا يوصف العالم بكونه ربانيا حتى يكون عاملا بعمله معلما له .


والقسم الثاني: متعلم على سبيل نجاة؛ أي: قاصداً بعلمه النجاة، وهو المخلص في تعلمه، المتعلم ما ينفعه،العامل بما علمه.
فلا يكون المتعلم على سبيل نجاة إلا بهذه الأمور الثلاثة؛ فإنه إن تعلم ما يضره ولا ينفعه لم يكن على سبيل نجاة، وإن تعلم ما ينتفع به لا للنجاة ؛ فكذلك ، وإن تعلمه ولم يعمل به لم يحصل له النجاة، ولهذا وصفه بكونه على السبيل أي: على الطريق التي تنجيه؛ أي: مفتش متطلع على سبيل نجاته، فهذا في الدرجة الثانية وليس ممن تعلمه ليمارى به السفهاء أو يجارى به العلماء أو يصرف وجوه الناس إليه فإن هذا من أهل النار كما جاء في الحديث ... فهؤلاء ليس فيهم من هو على سبيل نجاة، بل على سبيل الهلكة نعوذ بالله من الخذلان .



القسم الثالث : المحروم المعرض؛ فلا عالم، ولا متعلم، بل همج رعاع،والهمج من الناس حمقاؤهم وجهلتهم، وأصله من ( الهمج ) جمع ( همجة ) وهو ذباب صغيركالبعوض يسقط على وجوه الغنم والدواب وأعينها فشبه همج الناس به، ومعناه سوء التدبير في أمر المعيشة .
وقوله : ( أتباع كل ناعق ) أي: من صاح بهم ودعاهم تبعوه، سواء دعاهم إلى هدى أو إلى ضلال، فإنهم لا علم لهم بالذي يدعون إليه أحقٌّ هو أم باطل؟ فهم مستجيبون لدعوته، وهؤلاء من أضر الخلق على الأديان، فإنهم الأكثرون عدداً، الأقلون عند الله قدراً، وهم حطب كل فتنة، بهم توقد ويشب ضرامها فإنها يعتزلها أولو الدين، ويتولاها الهمج الرعاع .
وسمى داعيهم ناعقاً تشبيها لهم بالأنعام التي ينعق بها الراعي فتذهب معه أين ذهب!
وهذا الذي وصفهم به أمير المؤمنين هو من عدم علمهم وظلمة قلوبهم، فليس لهم نور ولا بصيرة يفرقون بها بين الحق والباطل، بل الكل عندهم سواء .



وقوله رضي الله عنه : ( يميلون مع كل ريح ) ، وفي رواية : مع كل صائح شبّه عقولهم الضعيفة بالغُصن الضعيف، وشبه الأهواء والآراء بالرياح، والغصن يميل مع الريح حيث مالت، وعقول هؤلاء تميل مع كل هوى وكلِّ داعٍ، ولو كانت عقولاً كاملة كانت كالشجرة الكبيرة التي لا تتلاعب بها الرياح .



وقوله رضي الله عنه: ( لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق ) ، بيّن السبب الذي جعلهم بتلك المثابة؛ وهو أنه لم يحصل لهم من العلم نور يفرقون به بين الحق والباطل ..
فإذا عدم القلب هذا النور صار بمنزلة الحيران الذي لا يدري أين يذهب! فهو لحيرته وجهله بطريق مقصوده يؤم كل صوت يسمعه، ولم يسكن قلوبهم من العلم ما تمتنع به من دعاةِ الباطل، فإن الحق متى استقر في القلب قوي به وامتنع مما يضره ويهلكه، ولهذا سمى الله الحجة العلمية سلطانا .



فالعبد يؤتى من ظلمة بصيرته ومن ضعف قلبه، فإذا استقر فيه العلم النافع استنارت بصيرته ، وقوى قلبه ، وهذان الأصلان هما قطب السعادة اعني العلم والقوة ، وهؤلاء ليسوا من أهل البصائر الذين استضاؤا بنور العلم،ولا لجئوا إلى عالم مستبصر فقلدوه، ولا متبعين لمستبصر، فإن الرجل إما أن يكون بصيراً أو أعمى متمسكا ببصير يقوده، أو أعمى يسير بلا قائد . مختصر من كتاب مفتاح دار السعادة 2 / 403 – 416


وقال أبو بكرالخطيب رحمه الله : هذا حديث حسن من أحسن الأحاديث معنى ، وأشرفها لفظا ، وتقسيم أمير المؤمنين للناس في أوله تقسيم في غاية الصحة ، ونهاية السداد ؛ لان الإنسان لايخلو من أحد الأقسام التي ذكرها مع كمال العقل وإزاحة العلل؛ إما أن يكون عالماً،أو متعلماً، أو مغفلاً للعلم وطلبه ، ليس بعالم ولا طالب له.


فالعالم الرباني :هوالذي لا زيادة على فضله لفاضل، ولا منزلة فوق منزلته لمجتهد، وقد دخل في الوصف له بأنه رباني ، وصفه بالصفات التي يقتضيها العلم لأهله، ويمنع وصفه بما خالفها .
ومعنى الرباني في اللغة: الرفيع الدرجة في العلم، العالي المنزلة فيه، قال ابن الأعرابي: إذا كان الرجل عالماً عاملاً معلماً قيل له هذا رباني، فإن خرم عن خصلة منها لم نقل له رباني .



وأما المتعلم على سبيل النجاة :فهو الطالب بتعلمه والقاصد به نجاته؛ من التفريط في تضييع الفروض الواجبة عليه،والرغبة بنفسه عن أحمالها واطراحها، والأنفة من مجانسة البهائم، ثم قال: وقد نفى بعض المتقدمين عن الناس : من لم يكن من أهل العلم .


وأما القسم الثالث: فهم المهملون لأنفسهم الراضون بالمنزلة الدنية والحال الخسيسة التي هي في الحضيض الأسقط، والهبوط الأسفل، التي لا منزلة بعدها في الجهل، ولا دونها في السقوط، وما أحسن ما شبههم بالهمج الرعاع، وبه يشبه دناة الناس وأراذلهم، والرعاع: المتبدد المتفرق، وللناعق: الصائح؛ وهو في هذا الموضع الراعي يقال نعق الراعي بالغنم ينعق إذا صاح بها ...