
19-04-2009
|
 | | مراقب الفنون والسياسى
______________
| | | | | |
0900 وإدمان القمار والميسر .. بقلم : د.عبدالهادي مصباح 0900 وإدمان القمار والميسر .. بقلم : د.عبدالهادي مصباح 0900 وإدمان القمار والميسر .. بقلم : د.عبدالهادي مصباح
حاولت أن أبحث عن الأشياء المشتركة في الآية الكريمة يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه, والأنصاب هي عبارة عن حجارة كانت توضع عند الكعبة ليعبدها الناس, أما الأزلام فهي الأقداح التي كانت تضرب قبل السفر من أجل اتخاذ القرار, وكانت عبارة عن ثلاثة أقداح: واحد مكتوب عليه: أمرني ربي, والآخر مكتوب عليه نهاني ربي, أما الثالث فغير مكتوب عليه شيء, وإذا كان الثالث من نصيب من يضرب الأقداح, فعليه إعادة استشارة الآلهة مرة أخري, وهو نفس ما يقوم به بعض العرافين في زماننا هذا, والرجس ـ كما يفسره فضيلة الإمام الراحل الجليل محمد متولي الشعراوي ـ هو الشيء الرديء الخبيث المستقذر, والاجتناب أن يعطي المجتنب( بكسر النون) المجتنب منه( بفتح النون) جانبا, أي يبتعد عن مكان وجوده, وذلك سدا لكل الذرائع التي يمكن أن تؤدي إلي ارتكاب المعصية, وهذا أشد من التحريم الذي يكفي ألا تتناوله فقط, فلحم الخنزير حرام, ولكن الإنسان لا يأثم في حالة وجوده في مطعم يأكل فيه شخص آخر لحم الخنزير, ولكنه يأثم إذا إن كان موجودا في مكان يقدم الخمر,
أو في كازينو للعب القمار, حتي لو لم يكن يشرب أو يلعب, ويكفي أن الحق جل وعلا عندما تكلم عن القمة العقائدية ـ وهي التوحيد ـ قال سبحانه وتعالي فاجتنبوا الرجس من الأوثان, أي أنه لا ينبغي أن يوجد في مكان به أوثان, ومن هذا نخلص إلي أن الاجتناب أشد من التحريم.
والشئ الذي يمكن أن تشترك فيه كل هذه المحرمات هو أنها تعطل العقل, الذي فضل الله به الإنسان علي سائر الكائنات, وتطمس فيه ملكة الاختيار بين البدائل من خلال إعمال العقل السليم, بعد التماس الأسباب, ودراسة المقدمات, فإن لم تقو أسبابك علي الوصول إلي ما تصبو إليه, فالجأ إلي المسبب أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء, ولنناقش الموضوع بشكل أكثر تفصيلا من الناحية العلمية, فكلنا يعرف أن الدخول تحت سيطرة هذه المحرمات, سوف يؤدي إلي إدمانها, والدخول لا يحدث إلا بقرار إرادي بحت, وبمحض اختيار الشخص, وميله إلي التجربة, وهو يظن أنه أقوي من أن يقع تحت طائلة الإدمان, وأنه يستطيع أن يملك زمام نفسه, وهذا هو أول الأبواب التي يدخل منها الشيطان, لكي يقنعك بالدخول من البوابة, ولكن ماذا بعد الدخول؟
الخمر, ومثله الميسر, يحدث تأثيرا ورد فعل علي الشخص المجرب غير المعتاد عليه, وبالتالي سوف يتأثر الجهاز العصبي المركزي, نتيجة إفراز موصلات عصبية, مثل مادة الدوبامين, وهي المادة المسئولة عن السرور والانبساط, وكذلك النورإبينفرين, فيشعر المجرب بسعادة وانطلاق وإثارة في بداية التجربة, تماما مثلما يحدث مع بقية المواد المسببة للإدمان من مخدرات, ومنشطات ومهدئات, وغيرها, ومع تكرار التجربة يدخل الشخص إلي مرحلة الاعتياد, ثم بعد ذلك يدخل إلي مرحلة الاعتماد النفسي والجسدي علي هذه المادة, أو هذا السلوك, والذي يسبب البعد عنها أعراضا للانسحاب نفسية وجسدية, تحتاج إلي علاج نفسي متخصص, وإذا كان هذا الكلام منطقيا ومفهوما بالنسبة للخمر, وما شابهها من مخدرات ومهدئات ومنشطات وغيرها, فهل يمكن أن يكون هذا هو نفس ما يحدث بالنسبة للعب القمار, أو الميسر, من الناحية العلمية؟
والإجابة تثبت لنا أن ما يفعله القمار أو الميسر بالجهاز العصبي والمخ من الناحية العلمية, وهو نفس ما يحدثه الخمر وبقية المواد المسببة للإدمان, فلعب الميسر يبدأ بالتجربة التي تشعر المقامر بلذة معينة وإثارة, خاصة إذا اقترنت في بعض الأحيان بالمكسب, نتيجة إفراز مادة الدوبامين في المخ, وهي نفس المادة التي تفرز مع شرب الخمر والمخدرات, وغيرها من المكيفات التي تسبب الإدمان, وهذه هي المرحلة الأولي من مرض إدمان القمار ويستمر الشخص في اللعب بهذه الطريقة معتقدا أنها مجرد تسلية, لفترة تتراوح من3 ـ5 سنوات, وخلال هذه الفترة ربما يكسب الشخص مرة أو مرات عديدة, تجعله يشعر بأنه أذكي من الآخرين, وأنه يستطيع أن يكون مقامرا محترفا يكسب الآخرين بسهولة, والدخول في هذه المرحلة ربما يأخذ أشكالا مختلفة مثل لعب الورق أو الكوتشينة, أو المراهنة علي الألعاب المختلفة مثل سباق الخيل,
أو مراهنات مباريات الكرة كما في الخارج, أو من خلال ماكينات اللعب التي توجد في كازينوهات لعب القمار, وفي رأيي الشخصي المتواضع من خلال مسابقات0900 والمكالمات التليفونية التي تعد بجوائز مغرية ومكسب سهل وسريع دون أي مجهود, وتزيد فرصة المكسب كلما زاد اتصال الشخص, والتي أصبحت سمة مميزة في معظم وسائل الإعلام في الفترة الأخيرة, والكارثة أن بعضها يحتوي علي أفكار مدمرة وهدامة يمكن أن تؤثر علي عقول ونفوس أبنائنا مثل ذلك الإعلان الذي يتفنن خلاله في إيجاد وسيلة لقتل زوجته, فمرة يفتح لها أنبوبة الغاز, ومرة يضعها في صندوق ويرمي بها في البحر.. إلي آخر تلك الحيل الإجرامية, وتنتهي المسابقة بقوله: بس للأسف مامتتش لواحد من3 أسباب, وعلي المشاهد الهمام أن يخمن ليكتشف كيف يصنع الجريمة الكاملة لكي يكسب المسابقة التي أصبح القتل فيها شيئا عاديا لا يستوقفنا ولا يفزعنا.
ونعود إلي المقامر الذي ينتقل بعد ذلك إلي المرحلة الثانية التي تسمي مرحلة الخسارة, وربما يستمر فيها لفترة تصل إلي خمس سنوات أخري, وخلالها تزداد خسارة المقامر, وكلما زادت خسارته, زاد عناده, وإصراره علي اللعب للتعويض من خلال مراهنات ومبالغ أكبر, وفي هذه المرحلة تكون خسارته أكبر بكثير من مكسبه, فيبدأ في الاقتراض والاستدانة, من أجل اللعب والتعويض, ولكنه علي الرغم من ذلك, يحاول أن يبدو متماسكا, ومحافظا علي مظهره, وموقفه المالي أمام الناس, من خلال المزيد من الكذب المنظم, واختلاق الأعذار, والتظاهر بأنه لا يخسر, وإذا حدث فلا تهمه الخسارة, ويستمر في الاقتراض والخسارة, حتي يدخل في المرحلة الثالثة وهي مرحلة اليأس التي تستمر حسب شخصية المقامر, وقدرته علي التحمل, والبيئة التي يعيش فيها, والظـروف والأشخاص المحيطين به, وخلال هذه المرحلة يصبح القمار هو كل ما يشغل بال المقامر, والذي يعيش يومه يفكر فيه, ويدبر من أجل لعبه, ويقضي ليله لاعبا له, ويفقد تماما السيطرة علي نفسه تجاه لعب القمار, وتنتابه مشاعر الألم والحزن الشديد إذا فكر, مجرد تفكير, في ألا يلعب,
وفي هذه المرحلة تصبح كل حياته عبارة عن أكاذيب وأعذار, سواء في العمل, أو في المنزل, أو مع العملاء إلخ, فتحدث له كوارث في العمل, وتتركه زوجته وأولاده, بعد أن يفيض بهم الكيل من الوعود التي يخلفها دوما للإقلاع عن هذا الداء اللعين, وربما يمد يده ليسرق من أجل أن يستكمل اللعب والمراهنة, أملا في تعويض الخسائر التي لحقت به, وعلي الرغم من كل ذلك, إلا أنه يغضب كثيرا إذا أبدي أحد من الناس عدم الثقة فيه أو في كلامه ووعوده, علي الرغم من تكرار كذبه وخداعه من قبل, ويستمر المدمن في هذه المرحلة يحب عائلته, وأصدقاءه, وربما عمله, ولكنه يحب القمار أكثر منهم جميعا, فهو الشيء الوحيد الذي أصبح يتحكم في كل هؤلاء, بما فيهم نفسه, وقد يصل به الأمر إلي أن يقامر علي زوجته, وهو لا يعترف أنه مدمن أو مريض, لكي يذهب إلي طبيب متخصص من أجل العلاج السليم, إلا أنه قد يلجأ إلي ذلك ظاهريا من أجل إرضاء من حوله من عائلته, أو للحصول علي المال, أو لاستعادة ثقة الناس فيه, ثم يعود لدائه الوبيل مرة أخري.
أما المرحلة الرابعة والأخيرة فهي مرحلة فقدان الأمل بشكل نهائي, وخلال هذه المرحلة يحدث للمقامر كل شيء سيئ يمكن أن يحدث له, فينتابه اليأس, بحيث يصبح عنده الموت والحياة سواء, وفي حالات كثيرة ربما يقترف إثم الانتحار, أو ربما ينتهي به الحال في السجون نتيجة أعماله وجرائمه التي يرتكبها بسبب القمار ومن أجله, وتنتابه حالة من الاكتئاب الشديد الذي يجعله فاقدا لكل أمل في الشفاء أو الخروج من كل هذه الكوارث. |