المنتدى الحالى: مقالات صحفية ,الموضوع الحالي: هيبة القضاء فى المحكمة... , المنتدى الرئيسي: السياسة و الاخبار, نبذة من الموضوع: هيبة القضاء فى المحكمة
بقلم نعم الباز ٤/ ١١/ ٢٠٠٩
محكمة!!! تلك (الزعقة)، التى ينطق بها الحاجب، تلك الكلمة المهيبة ...
بقلم نعم الباز ٤/ ١١/ ٢٠٠٩
محكمة!!! تلك (الزعقة)، التى ينطق بها الحاجب، تلك الكلمة المهيبة وكلمة «العدل أساس الملك» تعلو هامة القُضاة.. وظهور الكراسى فخيمة نظيفة، والمنصة من الخشب الماهوجنى، الغنى اللمعان.. وتدخل هيئة المحكمة مهيبة عظيمة ويعم الهدوء المكان.. ويبدأ القاضى بعد إعلان القضية فى سؤال المتهمين والشهود..
فى جو من الهدوء والسكينة.. هذا ما رأيناه فى الأفلام.. أما الحقيقة فهناك شىء آخر تماماً: حجرة ضيقة قذارتها تُناسب قذارة القاهرة والجيزة هذه الأيام، الشبابيك تستقبل الشتاء بزجاج مكسور تنعطف كسوره على كسرة نفس النساء (فنحن فى محكمة الأسرة)، أما عن الجدران ومنصة المحكمة وخلفية القُضاة فحدث ولا حرج. ويمتلئ الصف الأول بالمحامين بأروابهم، التى كأنها ديكور فإما ضيقة يرتديها المحامى بالعافية أو فضفاضة تتدلى على الكتفين فى عدم عدالة بين الجسم والروب.
وخارج المحكمة يقف البشر نساء ورجالاً، الذى أسعده الحظ جاء من التاسعة ووجد مكاناً على المقهى وعلى اتصال دائم بالمحامى بالموبايل واتصال آخر بالمحامى الصغير (لأن الكبير مشغول)، والمحامى الصغير على اتصال بالمحمول بسكرتير الجلسة ليعرف هل هو محظوظ لدخوله الرول أم أن القضية لن تدخل الرول هذه المرة.. أما عن النساء فحدث ولا حرج.
- أصل حضرتك يعنى قضية النفقة متأجلة.. أصل جوزى فى شركة بيقبض ألف وخمسمائة جنيه، لكن له ناس هناك جابوا له ورق إن ماهيته «متين جنيه» بس.. تصورى؟!
- لأن.. أنا معايا تلات عيال وجوزى اتجوز علىَّ واحدة شغالة فى الخليج شافت له شغل هناك وراح وراها.. وسابنى أنا والأولاد.. ودخت السبع دُوخات على الطلاق وجبت عنوانه.. لكن بقالى تلات سنين لايصة.. لا طلاق ولا نفقة.
- تصدقى يا حاجة قاعدة هنا بقالى ٧ ساعات.. وقالوا لىَّ تعالى الساعة ٨ الصبح، جيت تسعة وأنا على ملاوشى والساعة دلوقتى أربعة.. وبنتى مستنية عند بواب المدرسة وابنى روح مع ابن الجيران ولا كلوا ولا شربوا.. والمحامى قاللى جوزك طلبك فى الطاعة علشان طلبت الطلاق.
المحكمة فى شقة فى عمارة لا هيبة قضاء ولا احترام للمتقاضين والشارع يملؤه المرتزقة بالقضايا من محامين ومنادى سيارات مأجر الشارع بالمتر وقهوجية وموظفين ودوسيهات تملأ الأروقة وجدع اللى يعرف دوسيهه من دوسيه غيره.
هنا فى هذا المكان سقط العدل عن الجميع.. عن القُضاة الذين لا يجدون مكاناً آمناً هادئاً يفكرون فيه ويسألون ويدرسون.. إن القاضى محتاج إلى الانفراد بالقضية أوراقاً وبشراً وشهوداً.. إن مهمة القاضى مهمة فى غاية الصعوبة، ومن يأت إلى محكمة الأسرة فى إمبابة (يلوص لوصة الأطرش فى الزفة)، من له قضية يحدث له نوع من الزهق ويتمنى الخلاص بالموت من هذا المكان، الذى لا هو سوق ولا هو يحمل بارقة أمل بالتوصل لأى حل.
كان رثائى للقُضاة أعظم بكثير من رثائى للناس.. إن العدالة هنا (يتيمة) لا أب ولا أم لها هى فقط فى قلب القاضى الذى إذا نظر إلى يمينه وجد حائطاً قذراً خرباً وإذا نظر يساره وجد صاحب حق بائساً فقد الأمل فى العدالة أما إذا ارتفعت عينا القاضى إلى السقف فالأتربة والعنكبوت الذى علق بأذرع المروحة يطفئ أى جذوة للعمل فى صدر القاضى.
إن إضرابات القُضاة حول عدم التدخل فى هيبة القضاء لا تساوى أى شىء لو فكر القُضاة هنا فى عمل وقفة احتجاجية من أجل تغيير هذه الأماكن القذرة، التى لا تساعد العقل على التفكير وتجعل من القاضى إنساناً يقهر نفسه لتخرج منه العدالة فى هذا المُناخ الشديد السوء، وسوف يقول قارئ: ماما نعم لم تذهب للعشوائيات فى الدويقة ومصر القديمة وبطن البقرة..
ذهبت ووجدت ناساً سُعداء بحياتهم ويقيمون الأفراح وحفلات السبوع والطهور ويرقصون فى سعادة اللحظة ويفرحون.. ولكن ليس مطلوباً منهم الوصول إلى قلب العدل فى هذه الأماكن، التى أقل ما تحمله لهم هو الشعور بالإحباط وكراهية الحياة..
ليس مطلوباً من سكان العشوائيات أن يتفحصوا أوراقاً حملت من الظلم الكثير وتحتاج إلى صفاء ذهن ليكتشف القُضاة ألاعيب وأكاذيب الإنسان من أجل قهر إنسان آخر، رجلاً كان أو امرأة، مطلوب من القُضاة أن يحموا الصغار من سطوة الآباء واستعمالهم الصغار فى قهر غيرهم.
هل نسمع عن إضراب القُضاة من أجل تغيير المبانى والأماكن بحيث تصبح ساحة من أجل التوصل للعدالة ومُناخاً يسمح للقاضى بأن يكون حاملاً للاحترام الذى لابد أن يمكنه من التوصل للعدالة؟