| مراقب الفنون والسياسى
| تاريخ التسجيل: Mar 2008 العمر: 52 المشاركات: 14,811 |
12-09-2009
| هل تضيع إسرائيل فرصة السلام هذه المرة ؟! بقلم: د. عبدالمنعم سعيد هل تضيع إسرائيل فرصة السلام هذه المرة ؟! بقلم: د. عبدالمنعم سعيد
لفترة طويلة, شاع في الفكر الغربي, وبعض الفكر العربي, أن الفلسطينيين لم يتركوا فرصة لحل قضيتهم إلا أضاعوها, وكان أبا إيبان وزير خارجية إسرائيل هو الذي صاغ العبارة ومن بعدها صارت مثلا يروي. وعادة ما كانت الأمثلة التي تذكر في هذا الصدد, تشير إلي رفض الفلسطينيين المشاركة في المؤسسات التي أقامتها سلطات الانتداب البريطانية خلال الثلاثينيات, وكان من شأنها في النهاية كما جري في مستعمرات كثيرة أن تمنح فلسطين الاستقلال بينما للفلسطينيين الأغلبية علي أرض فلسطين.
ومن بعد هذه الواقعة جاءت وقائع رفض قرار التقسيم1947, ورفض حضور مؤتمر مينا هاوس1977, ومعارضة مباحثات الحكم الذاتي قبل استشراء الاستيطان الصهيوني, والفشل في التعامل مع اتفاقيات أوسلو, خلال التسعينيات من القرن الماضي, وأخذها إلي نتيجتها المنطقية وهي إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية. وكان آخر الفرص التي حصل عليها الفلسطينيون هو ذلك التحرير الذي جري لغزة من القوات والمستوطنات الإسرائيلية في عام2005 لكي تكون القاعدة التي تنطلق منها الدولة فإذا بها تكون المقدمة لتقسيم الكيان الفلسطيني الذي لم يولد بعد!.
أسباب ذلك ومبرراته كثيرة, وهناك ما يكفي دائما من الدفوع ما يثبت أن الفرص لم تكن أبدا فرصا علي الإطلاق, بل إن المقولة ذاتها كانت واحدة من أدوات الحرب النفسية والدعائية في الصراع العربي ـ الإسرائيلي. ولكن قليلا من الاهتمام تم توجيهه للفرص التي ضيعتها إسرائيل علي نفسها علي مدي التاريخ الطويل للصراع العربي ـ الإسرائيلي, وأن ما جري حقا خلال تاريخ الصراع هو أن المسألة اليهودية تحولت من أقلية يهودية مكروهة في بلدان متعددة, إلي دولة تجمع فيها يهود ومكروهة من كل جيرانها وغالبية من دول العالم.
فقد ضاعت الفرصة علي الإسرائيليين خلال العشرينيات بعد تفاهم فيصل ـ وايزمان لكي يقيموا معا دولة مستقلة تكفل حقوق الأقليات بما فيها اليهود; وضاعت مرة أخري عام1948 عندما تم تحويل فلسطين من ملاذ لليهود المضطهدين في أوروبا إلي دولة إسرائيلية; ومرة ثالثة ضاعت الفرصة عندما سعت القوات الإسرائيلية إلي غزو أراض فلسطينية خارج قرار التقسيم بينما كانت كل الجيوش العربية تحارب من أجل تطبيق القرار!!.
بعد قيام دولة إسرائيل ظلت قائمة ضياع الفرص علي إسرائيل طويلة, فخلال محادثات الهدنة حصلت إسرائيل علي أول اعتراف من الدول العربية بقرار التقسيم فعليا, وكان ممكنا لذلك أن يبدأ خطوات حل الصراع لولا تعنت إسرائيل فيما يخص كل خطوات عودة اللاجئين. ووفقا للمؤرخين الإسرائيليين الجدد فإن إسرائيل أضاعت فرص الاتصال مع القيادة المصرية خلال الخمسينيات, وبعد حرب يونيو1967 أضاعت إسرائيل فرصة انتصارها للحصول علي السلام, لأنها قررت علي العكس أن تنتهز الفرصة من أجل التوسع.
وعندما حصلت إسرائيل علي فرصة أخري بعد تحقيق السلام مع مصر من أجل منح حكم ذاتي حقيقي للفلسطينيين يمنع الاستيطان ويضع أسس قيام الدولة الفلسطينية سرعان ما تراجعت إسرائيل. وحتي بعد حرب الخليج الثانية وعقد مؤتمر مدريد واتفاقيات أسلو أضاعت إسرائيل فرصتها الذهبية حينما حصلت علي السلام مع الأردن, والتطبيع المباشر مع عدد من الدول العربية, وغير المباشر مع عدد آخر من خلال المفاوضات متعددة الأطراف وشبكة برشلونة الأوروبية, وأخيرا عندما تم التوصل إلي شكل من أشكال الاتفاق علي السلام مع الفلسطينيين في طابا في يناير عام2001, وهي الفرصة التي ضيعتها إسرائيل عندما انتخبت حكومة متطرفة بقيادة شارون.
وبالطبع فإن الغرض من هذا العرض للفرص الضائعة ليس هو تسجيلها, أو البكاء علي أطلالها, وإنما التنويه بأن هناك فرصة حالية كبيرة متاحة من أجل السلام والتسوية للصراع تقوم علي وجود إدارة أمريكية مستعدة لبذل جهد رئاسي يحشد الجهود الدولية والإقليمية من أجل إنهاء الصراع العربي ـ الإسرائيلي; بالإضافة إلي أنه لم يحدث أن تمتعت إسرائيل بذلك القدر من الهدوء علي جميع جبهاتها حتي تلك التي يوجد فيها حزب الله وحماس; ولم يحدث أن حصلت إسرائيل علي فرصة للتنمية الاقتصادية والازدهار المادي كما حصلت عليه هذه الأيام.
وما لا يقل أهمية عن ذلك أن الدول العربية قدمت مبادرة شاملة لحل الصراع لا تكفل فقط إنهاء حالة الحرب مع إسرائيل وإنما التعايش والتطبيع معها في ظل نظام إقليمي آمن; وخلال الشهور الماضية تعددت الإشارات من دول عربية عدة تعبر عن استعدادها لتقديم العديد من مبادرات حسن النية, في الوقت الذي أبقت فيه القاهرة خطوطا مفتوحة كثيرة مع إسرائيل لكي تنتهز هذه الأخيرة الفرصة المتاحة لها.
كل ذلك يقطع بأن هناك فرصة حقيقية أمام إسرائيل لحل الصراع العربي- الإسرائيلي يجعل المنطقة تتعايش مع وجودها من ناحية, ويجعلها جزءا من الإقليم من ناحية أخري, ويعطي شعبها الفرصة لكي يمارس حياته الطبيعية من ناحية ثالثة; مقابل انسحابها من الأراضي العربية المحتلة في يونيو1967, والقبول بقيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية. والحقيقة أن إسرائيل يمكنها تحقيق مكاسب طائلة من تحقيق تسوية عادلة للقضية الفلسطينية تضاف إلي ما سبق.
أولها: تقليص حدة الكراهية وإنهاء حالة التشكيك في شرعية الوجود التي تحيط بإسرائيل من كل جانب علي مدي أكثر من ستة عقود, لاسيما من جانب قطاعات عريضة من الرأي العام في المنطقة العربية, بما في ذلك الدول التي وقعت معها إسرائيل معاهدات سلام مثل مصر والأردن, فحتي الآن, ما زالت العلاقات علي المستوي الشعبي بين هذه الدول وإسرائيل باردة, نتيجة غياب الثقة المتبادلة, واستنادا إلي الخبرة التاريخية, بل إنه الرأي العام الشعبي يعود في بعض المراحل لوضع إسرائيل السابق في خانة العدو, وتحديدا في فترات اشتعال المواجهات المسلحة بين إسرائيل وأطراف عربية, وهو ما برز في حرب لبنان يوليو2006, وحرب غزة ديسمبر2008 ـ يناير2009, مع حزب الله وحركة حماس علي الترتيب.
ثانيها, أن السلام يمكن أن يمثل بداية جيدة لإقامة تعاون اقتصادي فعال في منطقة الشرق الأوسط يعود بآثار إيجابية علي الاقتصاد الإسرائيلي.
ثالثها, أن إقامة سلام مع الفلسطينيين, سوف يخصم حتما من وجاهة الأسانيد ومنطقية المبررات التي ترتكز عليها الفصائل المسلحة, وعلي رأسها حماس والجهاد الإسلامي في استمرار مواجهة إسرائيل, ويضعف نفوذ القوي الراديكالية والأصولية التي تتخذ من التعنت الإسرائيلي لعملية السلام مبررا لاستمرار التمسك بسياستها المتشددة. فالتملص من السلام وتجاهل حقوق الشعب الفلسطيني يولد في كثير من الأحيان حركات عنيفة وفوضوية مثل الانتفاضات الجماهيرية والعمليات الانتحارية, علي نحو يمكن أن يدفع المنطقة للانزلاق نحو حالة من العنف والعنف المضاد.
إن أعمال العنف ستظل مرشحة للاستمرار أو التصاعد, وهو ما أثبتته خبرات السنوات السابقة, مادام لا يجد الفلسطينيون خيارا آخر سوي الاستمرار في مقاومة الاحتلال, وخير برهان علي ذلك أن حركة فتح جددت التزامها خلال مؤتمرها العام الأخير بمقاومة الاحتلال الإسرائيلي بكافة السبل الممكنة, كما أنه لا يمكن المراهنة علي استمرار الهدوء الراهن في قطاغ غزة مادام تدهور الأوضاع مستمرا في القطاع نتيجة للحصار من ناحية, ولتعثر التسوية السياسية من ناحية أخري. كما أنه لا يمكن المراهنة علي اتجاه حماس التدريجي نحو الاعتدال مالم يرتبط ذلك بحل سياسي شامل, وإلا انفتح الباب لظهور تيارات أكثر تشددا من حماس بكثير, وهو ما بينته المواجهة الأخيرة بين حماس والجماعة السلفية المرتبطة بالقاعدة.
ورابعها, أن إقامة سلام مع الدول العربية يمكن أن يقلص من نفوذ بعض القوي التي تعتبرها إسرائيل مهددة لوجودها مثل إيران, والتي تعتمد في تدعيم نفوذها الإقليمي علي إقامة علاقات مع عدد من القوي الراديكالية في الإقليم, والتي تغطي طموحاتها الإقليمية والنووية بستار مواجهة إسرائيل.
ولكن يبدو ـ علي الجانب الآخر ـ أن إسرائيل سوف تضيع هذه الفرصة كما ضيعت فرصا أخري من قبل, ويعود ذلك إلي عاملين مترابطين: واحد منهما مرتبط بفهم اللحظة الراهنة, والآخر يرتبط بالنتائج المترتبة علي هذا الفهم. ففيما يتعلق بفهم اللحظة الراهنة, وحسب الوصف الذي سمعته أثناء زيارتي الأخيرة إلي واشنطن من صديق أمريكي يعمل في أحد مراكز الدراسات النافذة, حيث قال: إن هناك شعورا بالاسترخاء في إسرائيل, وأنهم هناك لا يشعرون حاليا بوجود أي تهديد من غزة أو الضفة, وبالتالي ليس لديهم دافع حقيقي للتفاوض,
وهو نفس ما كان يقال من جانبهم خلال' أيام التهديدات' فقد سمعنا وقتها مرارا أن الطرف الفلسطيني يمارس العنف, وأنه ليس مستعدا للجلوس كشريك علي مائدة المفاوضات, فماذا تريد إسرائيل.. هدوءا أم عنفا؟. مثل هذا المنطق المقلوب كان كثيرا وراء الفرص الضائعة, فحينما تكون الأمور هادئة يستبعد السلام لأن الأمور لم تعد ملحة, أما إذا كانت مستعرة بالصدام يستبعد السلام أيضا لأن الوقت زمن حرب. هذه الحجة تستخدم بنفس الطريقة التي تستخدم بها الحجة المتعلقة بميزان القوي, فإذا كان الميزان مختلا قيل أنه لا يمكن التفاوض وقت الاحتلال, أما إذا كان الميزان معتدلا فإن الحجة أنه لا يوجد ما يدعو إلي المساومة مادامت أن الموازين تتعدل ويمكن الانتصار في المواجهة!.
أما فيما يتعلق بالعامل الثاني فهو المتعلق بسلوك الحكومة الإسرائيلية الراهنة, والتي لم تأل جهدا من أجل تقويض اللحظة الراهنة من خلال عملية استيطان نشطة وعدوانية. فرغم الجهود التي تبذلها الإدارة الأمريكية بممارسة الضغوط المستمرة علي إسرائيل بغية إقناعها بتجميد نشاطها الاستيطاني لتمهيد الطريق أمام المضي قدما في عملية السلام في الشرق الأوسط, فإن إسرائيل ما زالت متعنتة في هذا الملف الشائك, حيث تكشفت نية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نيتانياهو في بناء5970 وحدة سكنية في القدس والضفة الغربية, من بينها نحو700 سيتم إقرارها في الفترة المقبلة, قبل أن يدخل قرار تجميد الاستيطان حيز التنفيذ.
وقد بلغ عدد البيوت التي تطلب إسرائيل الاستمرار في بنائها في الضفة الغربية بدعوي أن البناء فيها قد بدأ منذ شهور أو سنوات, نحو2500 وحدة. وإضافة إلي هذه البيوت هناك670 بيتا ينوي نتنياهو إقرار خطط بشأنها في غضون الأيام المقبلة. وبهذا, يصبح مجموع الوحدات السكنية المعدة لاستمرار البناء فيها3170 وحدة سكنية في الضفة الغربية وحدها, ويضاف لها نحو2800 وحدة سكنية مخطط بنائها في القدس, بعضها في طور البناء المتقدم وبعضها الآخر في طور التخطيط والإقرار.
المدهش في الأمر أن الحكومة الإسرائيلية كثيرا ما تلوم الدول العربية والسلطة الوطنية الفلسطينية أنها لا تعد شعوبها للسلام, بينما تؤدي كلمات وسلوكيات الحكومة الإسرائيلية إلي تعبئة الرأي العام الإسرائيلي تجاه نسف الفرصة المتاحة. فالمتابع لاتجاهات الإسرائيليين سوف يجد أن الرأي العام الإسرائيلي يتجه نحو اليمين المتشدد الرافض لقيام دولة فلسطينية, وهو ما ينعكس طرديا مع التوجه الرسمي الإسرائيلي تجاه عملية السلام مع الفلسطينيين.
وقد أظهر استطلاع للرأي نشرت نتائجه صحيفة جيروزاليم بوست في28 أغسطس2009 أن غالبية الإسرائيليين اليهود تعارض تجميد الاستيطان ولو مؤقتا. وعارض50% من المستطلعين, وجميعهم من المواطنين اليهود(80% من الإسرائيليين) تجميد أعمال البناء العام في إطار اتفاق مع واشنطن. فيما أيده40% منهم ولم يبد9% رأيا. كما كشف استطلاع رأي آخر نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت في10 أغسطس2009 أن غالبية الإسرائيليين يؤيدون سياسة حكومة بنيامين نيتانياهو التي تشجع استمرار عمليات البناء في المستوطنات. ويكشف الاستطلاع الذي أعده مركز الحرب والسلام في جامعة تل أبيب أن66% من الإسرائيليين يؤيدون البناء في مدينة القدس لأنها تشكل, بقسميها حسب رأيهم, عاصمة دولة إسرائيل, بينما عارضه27% أغلبهم من اليسار الإسرائيلي.
إن كل هذه التوجهات علي مناوأتها للسلام يمكن تغييرها إذا ما وجدت القيادة الإسرائيلية الشجاعة التي تعرف متي تنتهز الفرص كما فعل مناحيم بيجين عام1979 عند توقيع معاهدة السلام مع مصر. في ذلك الوقت لم تكن توجهات الرأي العام الإسرائيلي مشجعة علي السلام, بل وكان فيها من كان يدعو للاستيطان في سيناء, ولكن العقل غلب في النهاية, والفرصة وجدت من ينتهزها وعاشت مصر وإسرائيل في سلام علي مدي الثلاثين عاما الماضية. وغدا سوف يأتي رئيس الوزراء الإسرائيلي نيتانياهو إلي مصر, ومن الطبيعي أن عملية السلام سوف تكون موضوع الحديث, ومبادرة الرئيس أوباما المقبلة سوف تكون مجال البحث.
ولكن من عاشوا تجربة الصراع العربي ـ الإسرائيلي منذ بدايته يعلمون أنه لا سلام مع الاستيطان خاصة بعد أن تقلصت الأرض الفلسطينية إلي ما لا يمكن تقليصه بعد ذلك. ومنذ فشل مباحثات كامب دافيد في صيف عام2000 حدثت الانتفاضة الفلسطينية الثانية(2000 ـ2004) وكانت مسلحة هذه المرة, ثم جرت حرب إسرائيل مع حزب الله في صيف2006, وأخيرا جرت حرب إسرائيل في غزة مع مطلع العام الحالي. وفي كل هذه الحروب والمواجهات لم يكن هناك حل عسكري للصراع من الجانبين, وعندما أقامت إسرائيل الأسوار حفر الفلسطينيون الأرض تحتها, وقذفوا بالصواريخ من فوقها. وربما فشل الفلسطينيون في تحقيق أهدافهم, ولكنهم من ناحية أخري جعلوا الحياة الإسرائيلية لا تطاق, ومع استمرار الصراع أصبحت منطقة الشرق الأوسط كلها مرتعا للتطرف والراديكالية بكافة أشكالها.
السيد نيتانياهو: الأحوال هادئة كما لم تهدأ منذ وقت طويل, والفرصة متاحة كما لم تتح منذ زمن بعيد, فلا تضيعها هذه المرة لإن كل شعوب المنطقة بما فيها الشعب الإسرائيلي سوف تدفع ثمنا غاليا. هذه مذكرة للتاريخ؟!. | |