| مشرفة فى منتدى مصر
| تاريخ التسجيل: Jun 2008 الدولة: بلدى المشاركات: 4,777 |
منذ 2 أسابيع
| هذا هو الإسلام
كلمات عن الأئمة الأربعة.. الإمام مالك ـ رحمه الله
بقلم:د. محمد سيد طنطاوي
شيخ الأزهــر الشريف
4
الإمام مالك بن أنس, هو ثاني الائمة الأربعة الذين كتب الله ـ تعالي ـ لمذاهبهم وفقههم الانتشار والذيوع في مشارق الأرض ومغاربها, ببركة اخلاصهم لخالقهم وحرصهم علي تبليغ العلم النافع لغيرهم, وتحملهم المشاق والمتاعب من أجل أداء التكاليف التي كلفتهم بها شريعة الإسلام التي أتاهم بها الرسول ـ عليه الصلاة والسلام.
* نشأته: وقد كانت ولادة الإمام مالك ـ رحمه الله ـ بالمدينة المنورة سنة93 هـ أي بعد مولد الإمام أبي حنيفة بثلاث عشرة سنة, وكانت وفاته بعد وفاة الإمام أبي حنيفة ـ رحمه الله ـ بتسع وعشرين سنة.
والإمام مالك هو إمام دارالهجرة, وإمام أهل الحجاز, وأحد تابعي التابعين, وإليه انتهي فقه المدينة المنورة, وفقه فقهائها السبعة, وقد قضي حياته كلها بها, لم يفارقها إلا لحج أو لعمرة, وعندما دعاه بعض الخلفاء كي يرحل إلي بغداد, فيحيا في ظلال الخلافة, وتحت ألوية الحياة الرغدة, أبي ذلك, وردد قول رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون.
ولقد بلغ من توقيره للرسول ـ صلي الله عليه وسلم ـ أنه كان يستحي أن يركب أي دابة في المدينة ويقول: إني لأستحي أن أركب دابة تطأ بحافرها أرضا يضم ترابها جسد سيدنا رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم.
* أسرته: وقد انحدر الإمام مالك من أسرة كريمة, فهو مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو..
وكان جده الثاني أبوعامر بن عمرو من أصحاب رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ الذين شهدوا معه الغزوات جميعها سوي غزوة بدر, وكان جده الأول مالك بن أبي عامر من كبار التابعين, الذين تلقوا العلم عن بعض الصحابة, وروي كثيرا من الاحاديث النبوية عن عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله وأم المؤمنين عائشة وأبي هريرة ـ رضي الله عنهم.
أما والده فكان من المحبين للعلم, ومن المشجعين لطلبه, وكان يشتغل بصناعة النبال, لكي يكتسب ما يغنيه عن سؤال الناس.
وأمه اسمها العالية بنت شريك الأزدية, وأبوه وأمه عربيان ينتسبان إلي قبيلة باليمن, وقد نشأ الإمام مالك ـ رحمه الله ـ في تلك الأسرة الكريمة التي كانت تشتغل بالحديث والفتيا التي كانت متوسطة الحال من حيث الغني إلا أنه ـ رحمه الله ـ في مستقبل حياته أنعم الله ـ تعالي ـ عليه بنعم وفيرة, فكثر المال بين يديه, فأنفقه في طاعة خالقه ـ عز وجل.
* عصره: والعصر الذي كان يعيش فيه الإمام مالك يشبه إلي حد كبير العصر الذي كان يعيش فيه الإمام أبوحنيفة فقد ولد الإمام مالك في عهد الوليد بن عبدالملك الأموي, وتوفي سنة179 هـ في عهد هارون الرشيد العباسي, وشاهد خلال حياته الصراعات والفتن والحروب خلال أربعين عاما تقريبا عاشها مع الدولة الأموية إلي أن سقطت سنة132 هـ, كما شاهد قيام الدولة العباسية ورأي ما جد في المجتمع من ثقافات عربية وفارسية وهندية, كما رأي الصراعات بين العباسيين والعلويين, ورأي حركات الخوارج, وما فيها من عنف وشجار, ورأي احتدام الجدل بين الفرق المختلفة, ورأي اختلاط الاجناس والعناصر في المجتمع الإسلامي المترامي الاطراف, من عرب وفرس وروم وهنود ورأي كيف نشأت أحداث ووقائع في مجالات تتعلق بمختلف المعاملات بين الناس.
وهذه الاحداث وتلك الوقائع لابد أنها تحتاج إلي رأي الدين وحكم الشريعة وفتوي المفتي مما جعله ـ رحمه الله ـ يرقب هذه الاحداث والوقائع ويقول رأيه فيها بكل شجاعة وحكمة واعتدال, مستدلا علي ما يقوله بكتاب الله ـ تعالي ـ وبسنة رسوله ـ صلي الله عليه وسلم ـ وبآراء من سبقه من الفقهاء, وباجتهاده النابع من عقل سليم ومن فكر قويم ومن رعاية لمصالح الناس في حدود الحق والعدل. قال فضيلة شيخنا الإمام محمد أبي زهرة ـ رحمه الله ـ وهو يتحدث عن عصر الإمام مالك ـ رحمه الله ـ ولقد قسمت حياة مالك التي بارك الله فيها قسمه تكاد تكون متساوية بين العهدين الأموي والعباسي, فقد عاش نحو أربعين سنة في العصر الأموي, ونحو ست وأربعين في العصر العباسي فهو قد بلغ أشده عندما سقطت الدولة الأموية, وكان في سن الرجولة الكاملة عندما استقر الأمر لبني العباس.
وقد تكون عقله وجسمه في العصر الأموي, لأنه بلغ فيه أشده وبلغ أربعين سنة فيه, وهذه السن كافية لتكون تفكيره وعاداته, وبلوغه مرتبة الإفادة بعد الاستفادة, والتثمير بعد التحصيل, وعلي ذلك نقول إنه في العصر المرواني كان يكون نفسه ويربيها, وفي العصر العباسي كان يكون التلاميذ ويغذيهم ويبادل الصحاب ثمرات الفكر, وما حصل من علم وحديث وسنة. | |