| مراقب الفنون والسياسى
| تاريخ التسجيل: Mar 2008 العمر: 52 المشاركات: 14,820 |
05-09-2009
| موسم العائدين من الهروب !! بقلم: د. عبدالمنعم سعيد موسم العائدين من الهروب !! بقلم: د. عبدالمنعم سعيد
فجأة امتلأت الساحة بقصص الهاربين, فقد تصدرت تلك الجماعة عناوين الصحف وبرامج التليفزيون, لتظهر أمام الرأي العام مرة واحدة وجوه قديمة لرجال ونساء هربوا ذات يوم لأسباب مالية أو اقتصادية أو أحكام قضائية أو كل هذه الأمور مجتمعة. وللحق فقد كانت معظم الروايات مثيرة وحريفة, فالغموض الذي يحيط بقصة الهروب في كل حالة يفوق كثيرا من الخيالات, وحجم الأموال التي يجري الحديث عنها تصبح في حد ذاتها مثارا للتندر وأحاديث الشك والمؤامرة والفساد الذي يزكم الأنوف ويثقل النفوس ويرهق القلب, وبعد ذلك فإن الإقامة في الغرب, وعادة بقدر غير قليل من البحبوحة في العيش, ومع إعلام متعمد أو غير متعمد, كل هذا وزيادة يكفي لخلق حالات من اجتماع التراجيديا مع الكوميديا في آن واحد. ولا يبقي بعد ذلك في العادة إلا القدرات الصحفية علي إطلاق الأوصاف,
وربما كان تعبير المرأة الحديدية يصلح عنوانا لرواية أو أفيشا لأحد الأفلام, ولكنه ليس التعبير الوحيد والشائع, والتفاصيل دائما كانت حافلة بأنواع مختلفة من الشياطين, لخلافات وأوجاع وصراعات بين رجال الأعمال ورجال السلطة وبعض من العامة والإعلاميين الذين حاولوا الاستفادة من الطرفين, وفي كل الأحوال كان الجشع حاضرا بقوة لدي كل الأطراف.
انتشرت القصص في الصحف إذن, ومنح برنامج تلفزيوني شهير ومتميز مساحات واسعة لمن هربوا, وتسابقت برامج أخري علي المنافسة, وجاء وذهب وسطاء بحثا عن تسوية لأوضاع قديمة. ما لم يحدث في كل ذلك كان هو البحث في الظاهرة الاقتصادية والاجتماعية وربما السياسية التي سمحت بكل ذلك لأن تكرار الظاهرة ذاتها يجعلها تعبيرا عن أمراض كامنة في البنية المصرية, أكثر منها حالات انحراف قانونية.
و تشير بعض الإحصاءات إلي أن رجال الأعمال المصريـــــين الهاربين خــارج البلاد يتجـــــاوز عــــــددهم74 شخصا, يعيشون في دول مختلفة بأوروبا, وخاصة تلك التي لاتربطها بمصر اتفاقية لتبادل المجرمين, وبصفة أخص المملكة المتحدة, لدرجة أن هناك من يعتبر لندن مقرا لنادي الهاربين, بخلاف دول أخري مثل كندا وسويسرا وفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة التي لا يذهب لها إلا القلة. وقد لجأ الهاربون إلي الطرق والمسالك غير الشرعية بدلا من المنافذ الرسمية للخروج من البلاد, لأنهم مدرجون علي قوائم الممنوعين من السفر, وكان الفرار من البحر هو الوسيلة الأنسب لبعضهم, وخاصة من بوابة البحر الأحمر, بحكم امتلاك بعضهم مراكب ولنشات صغيرة خاصة تكفي لكي تحملهم إلي المنفي الاقتصادي المؤقت أو الدائم.
المنهج المصري في التعامل مع الظاهرة لا يزال متوقفا عند اتجاهين: الاتجاه الرئيسي للتعامل مع الهاربين بالأموال خارج مصر يؤكد محورية المسلك الأمني, الذي يشمل الطرق القانونية والإجراءات البوليسية ضدهم. بعبارة أخري, يدعو هذا الاتجاه إلي الاستمرار في ملاحقة هؤلاء الهاربين إلي الخارج والتنسيق مع الانتربول الدولي, من خلال ما يسمي بالنشرة الحمراء, وهي عبارة عن نشرة تتضمن صور الهاربين يقوم الانتربول بتوزيعها علي غالبية الدول التي تحتضنهم, بهدف القبض عليهم, وترحيلهم لمصر لتنفيذ العقوبات والأحكام القضائية الصادرة ضدهم, أو عبر استعادة بعضهم عبر اتفاقية المعاملة بالمثل. وقد يصل الأمر إلي التعاون مع بعض الهيئات غير الرسمية لاستعادتهم, وهو ما اتضح في فترات سابقة عندما تعاقدت الحكومة مع شركات خاصة لمتابعة الهاربين بأموال البنوك خارج مصر, وتم إبلاغ الوحدة الخاصة بمكافحة غسل الأموال في الأمم المتحدة لمتابعتهم وملاحقتهم.
أما الاتجاه الأخر فيدعو إلي عودة الهاربين وتوفيق أوضاعهم وجدولة ديونهم وإعادة محاكمتهم مرة ثانية بما يؤدي لاستعادة حقوق الدولة والأفراد معا من ناحية, وبدء حياة جديدة في الوطن الأم من ناحية أخري, لاسيما مع صدور بيان مؤخرا عن البنك المركزي المصري يشير إلي أن جملة الأموال التي استولي عليها رجال أعمال بلغت ما يقرب من240 مليار جنيه, وبرغم أن إمكانية ردها كاملة يعتريها صعوبة فإنه يمكن استرداد جزء كبير منها. ويتلاقي هذا الطرح مع رؤي غالبية رجال الأعمال الهاربين, والتي تشير إلي إن السبب الأساسي لتعثرهم هو الأشخاص القائمون علي الاستثمار في وقت خروجهم من البلاد, وهو ما برز في حوارات صحفية ومقابلات تلفزيونية لهم مع صحفيين وإعلاميين خلال الفترة القصيرة الماضية, وهو ما يتطلب وجود تفاهمات معهم. كما أن قانون البنوك الجديد ساهم في عودة آخرين كانوا هاربين, حيث أتاح لهم حفظ القضية في حالة سداد المديونية, وإن كانت المشكلة لا تتعلق بمبلغ الدين وإنما تتعلق بالفائدة التي تضاف إلي أصل الدين.
وما يهمنا هنا ليس سلامة هذا الاتجاه أو ذاك, وإنما الرجوع إلي أصل القضية, وهو أن ما كان من انحراف نجم أساسا عن خلل جسيم في البنيان الاقتصادي في البلاد سمح بظهور هذه الحالات. فقضية' المرأة الحديدية' لا تحكي قصتها فقط وإنما قصة الإسكان في مصر والذي قام ولا يزال علي أسس اقتصادية معوجة حينما استولت الدولة علي عملية الإسكان في مصر سواء من خلال البناء المباشر أو تقدير القيمة الإيجارية للوحدات السكنية. ولما كانت موارد الدولة قاصرة عن بناء منزل لكل مواطن يحتاجه, ولما كان قانونها للإيجارات يخرج فعليا المساكن من السوق الاقتصادية كأصل من الأصول بل يؤدي إلي تآكل قيمتها وتدهورها, فقد كان طبيعيا أن تنشأ أزمة حادة في السكن تسمح لطائفة من أصحاب النوايا السيئة والفاسدين في استغلال الأزمة لتحقيق مكاسب مالية طائلة. ولو أن سوق الإسكان في مصر كانت مفتوحة وحرة ـ ولو لا تفتح دائما الباب للشيطان, وإنما تعطينا القدرة علي الفهم في إطار مقارن ـ لكان من المستحيل ظهور المرأة الحديدية أو غيرها, وهم الذين اعتمدوا علي الحاجات الماسة للناس حتي ينتزعوا منهم أموالا طائلة.
ولمن لم يلاحظ فإنه مع بعض التعديلات في قوانين الناء, وفتح الأبواب للتحديد الحر للإيجارات الجديدة, فإن ذلك كان كافيا باختفاء الظاهرة تقريبا من الحياة الاقتصادية للبلاد.
وبنفس الطريقة ينطبق الأمر علي شركات توظيف الأموال التي بدأ بعضها من خلال تكوين تراكم مالي هائل من خلال التجارة في العملة وتحويلاتها من الداخل إلي الخارج والعكس بسبب تقييد قيمة الجنيه المصري في صلته بالعملات الأجنبية ثم زيادة الأمر سوءا بوضع عدة أسعار للعملات الأجنبية خلقت حالة من الفوضي المالية التي لا مثيل لها في بلد آخر. هذا الخلل الاقتصادي الذي استمر حتي عام1991 هو الذي سمح لهذه الشركات المشئومة في الظهور خاصة بعد أن جري تقييد أسعار الفائدة, وعجز الجهاز المصرفي عن التعامل مع التضخم المتزايد بشدة, ومن ثم بات الجمهور المصري جاهزا لكل' نصاب' علي استعداد لتعويضه من أموال الآخرين عن الخسارة التي يتعرض لها في البنوك. ومن هنا جاءت واحدة من أكبر الكبائر في الحياة الاقتصادية المصرية حينما ظهرت شركات الريان والسعد والشريف وبدر وكل من سمي أسماء إسلامية براقة لكي يغري البسطاء بالغني ودخول الجنة في نفس الوقت من خلال الاستثمار الحلال حتي ظهرت أكبر عملية نصب اقتصادي وديني عززتها فتاوي فقهاء وآراء أصحاب قوائم خاصة.
أزمة الإسكان وأزمة العملة كانت عناوين ضخمة لأزمة عجز كبيرة في النظام الاقتصادي الذي كان جامدا ومغلقا وعاجزا عن الاستجابة للحاجات الأساسية للسكان نجم عنها اختناقات متوالية في السلع الأساسية سواء كانت الدجاج أو حديد التسليح أو الأسمنت وفي بعض الأحيان ياميش رمضان. وكانت النتيجة قائمة من الذين حاولوا الاستفادة من هذا العجز الحكومي عن طريق سلع فاسدة أو متلاعب في أسعارها. وإذا كانت هدي عبد المنعم أو المرأة الحديدية هي عنوان أزمة الإسكان, وأشرف السعد هو عنوان أزمة العملة وتوظيف الأموال, فإن توفيق عبد الحي كان هو عنوان السلع الفاسدة.
ولكن ربما كان أخطر أشكال الخلل ناجما عن إدارة الدولة للطبقة الرأسمالية بالطريقة التي أرادت بها من قبل إدارة الطبقة الاشتراكية أو جماعة العمال والفلاحين والبيروقراطية. ودون الدخول في كثير من التفاصيل التاريخية, فمع عقد السبعينيات بات واضحا أن التطبيق العربي للاشتراكية لم يكن ناجحا, وأن هناك حاجة ماسة لتغيير المسارات الاقتصادية والسياسية للبلاد. ولكن الدولة التي اعتادت السيطرة السياسية والاقتصادية لم تكن مستعدة للتخلي عن أسباب قوتها وسيطرتها علي الحكم والمجتمع, ومن ثم سارت في اتجاه إنشاء اقتصاد السوق عن طريق بيروقراطية الدولة. وقد جاءت الفكرة أو الإلهام من فهم خاطئ لحقيقة التجربة الآسيوية في النمو خاصة في كوريا الجنوبية وماليزيا والتي قامت علي انتقاء الدولة لعدد من الرأسماليين أو العائلات الرأسمالية ثم تحفيزها علي الاستثمار في مجالات معينة من خلال سياسات مالية وائتمانية مواتية أو مغرية.
وهكذا فإن مجموعات مثل هيونداي ودايو وكيا وسامسونج وقلة غيرها كانت هي في النهاية التي قامت ببناء كوريا الجنوبية كما نعرفها اليوم, وكان المطلوب خلق ما يوازيها داخل التربة المصرية, ولكن علي الطريقة المصرية أيضا. ففي حالة كوريا علي سبيل المثال كان القرار الاستثماري رأسماليا خالصا راجعا إلي تحليل ظروف السوق والطلب المحلي والعالمي; أما في الحالة المصرية فقد كانت الدولة لا تقتنع بمثل هذه الحرية للقرار الاستثماري, وكانت تريد دوما منشآت ظاهرة, وشواهد من الأسمنت المسلح تظهر في الصحف ومحطات التليفزيون, وطالما كانت هي التي ستضغط علي بنوك القطاع العام لمنح قروض بلا حساب فقد كان علي المستثمر أن ينفذ ما تقول به جماعة من البيروقراطيين. وبينما كانت الحرية مفتوحة في الحالة الكورية للتحالف إلي أقصي مدي مع الرأسمالية العالمية للنهل من أسواقها وتكنولوجياتها, كان الحال في مصر متحفظا علي ذلك, علي الأقل حتي القرارات الإصلاحية التي جرت خلال السنوات الأربع الماضية. وكانت النتيجة في النهاية معروفة وهي أن المستثمرين صاروا متعثرين في تسديد الديون, ومع تراكم الفوائد انتهي الأمر إلي الهروب.
وكان للعلاقة مع الدولة وجه آخر حينما أرست بالأمر المباشر عمليات إنشائية واسعة النطاق علي عدد من رجال الأعمال طالبة منهم الإنجاز في أوقات قياسية أو سياسية, ثم بعد ذلك عجزت الدولة عن السداد, في الوقت الذي كانت فيه البنوك تضغط من أجل الحصول علي ديونها. وبينما كان ممكنا القبض والمحاكمة علي رجل الأعمال الذي لا يسدد ديونه, فلم يكن أحد يمكنه القبض علي البيروقراطية ومحاكمتها, وكانت النتيجة عجزا وإفلاسا وهربا في النهاية. وفي وقت من الأوقات خاصة عند نهاية التسعينيات كانت الدولة مدينة للقطاع الخاص بعشرات المليارات من الجنيهات, بينما كان هذا القطاع مهددا بالسجن نتيجة قروض حصل عليها من أجل المشاركة في مشروعات لم يخترها ولم يحدد موعد تنفيذها.
ولحسن الحظ أن كثيرا من هذه الأوضاع قد جري تعديلها خلال عملية الإصلاح الجارية, ولكن بعضا منها لا يزال قائما ومسمما لمناخ الاستثمار, وللعلاقة بين الدولة والمستثمر منذ بداية إنشاء الشركة وتسجيلها, وحتي عملية تصفيتها إذا لزم الأمر. وباختصار, فإن عمليات الدخول والخروج من السوق لا تزال فيها من التعقيدات ما يكفي لكي يهرب عدد غير قليل من المصريين بحثا عن عمل, أو بحثا عن استثمار, وهو ما يخلق تلك الحالة من التوتر المفسدة للمناخ الاستثماري حتي ولو كانت لا تدفع المستثمرين إلي الهرب, فإنها تدفعهم إلي نوع من الإضراب الاستثماري, فكما هو معروف أن العمال يتوقفون عن العمل عندما يضربون أما المستثمرون فإن إضرابهم يعني إما التوقف عن الاستثمار أو التباطؤ فيه.
وبالتأكيد فإن هناك الكثير مما يقال حول مسألة العائدين من الهروب بما فيها من نميمة, ولكن ما هو أهم من الإثارة يقع في دائرة اتخاذ القرارات الاقتصادية الكافية التي تمنع الفساد والهرب وتعطي الفرصة لاستثمارات جديدة. فإذا كان صحيحا أننا علي طريق الخروج من الأزمة الاقتصادية, فإن القضية الملحة الآن هي كيف نستعد ونعمل من أجل استعادة معدلات النمو العالية السابقة, وفي أقصر مدة ممكنة. تلك هي القضية التي يجب أن توضع كل القضايا في إطارها. | |