| مراقب الفنون والسياسى
| تاريخ التسجيل: Mar 2008 العمر: 52 المشاركات: 14,819 |
13-10-2009
| مصر والطب والزمن القديم بقلم : د. لطفي عبدالوهاب مصر والطب والزمن القديم بقلم : د. لطفي عبدالوهاب
المحاولة التي أقدم عليها في هذا الحديث لا تدور حول مضمون العلاج والشفاء في مصر في العصر القديم, وانما استهدف من ورائها قدرا من التعرف علي الموقع الذي كان يشغله هذا المضمون في العصر المذكور, وربما يتضح مغزي هذا التعرف اذا ما استعدنا الي أذهاننا ما مررنا به خلال السنوات الأخيرة حين وجدنا أنفسنا, أكثر من مرة, نفكر في ظاهرة الانتشار الوبائي وما يمكن أن يترتب عليه من خسائر في الأرواح وغير الأرواح, مما يؤثر سلبا علي المجتمع بطريقة أو بأخري, ولعل أبرز ما يثيره هذا الوضع
هو أن ما قمنا به كدولة أو كإدارة حتي الآن لا يكاد يتخطي بعض الإجراءات الوقائية, انتظارا لما يمكن أن تسفر عنه بعض الاتصالات والاتفاقات مع الجهات الطبية الخارجية, قبل أن نتمكن من التعامل مع صميم الوضع الذي نحن بصدد مواجهته ـ وهو أمر يتناقض مع القدرات الهائلة التي وصل إليها عدد غير قليل من علمائنا في مجال الطب بإمكاناتهم الفردية, ولست هنا بسبيل البحث الذي يكمن وراء هذا التناقض, ولكن ربما كان من المفيد أن نستعرض, في اشارات سريعة, بعض جوانب من تجربتنا الطبية القديمة, قد تذكرنا بما كان لدينا من مقومات وما قمنا به من إنجازات في هذا المجال ومن ثم تدعم البعد الزماني أو التاريخي من الكيان الذي نعيشه.
وأحد هذه الجوانب هو انتشار المعرفة والممارسة الطبية في المجتمع المصري القديم أكثر من انتشاره في غيره من المجتمعات ـ وهو أمر لا يتأتي إلا اذا كان المصريون يتعاملون مع مقومات بيئتهم بشكل أكثر جدية وخصوصية مما كان عليه الأمر في تلك المجتمعات, انتفاعا بما كان يمكن أن تقدمه تلك البيئة, وفيما يخص البعد المكاني للبيئة نجد هوميروس, الشاعر الذي يفترض أن تنسب إليه ملحمة الأوديسة(بين القرن الثاني عشر والقرن التاسع ق.م) يدفع بهذه الحقيقة الي المستوي الاسطوري فيذكر لنا في الأنشودة الرابعة من الملحمة ان أرض مصر تنتج أكبر قدر من العقاقير التي تمزج بطريقة معينة فيؤدي استخدامها الي الشفاء, وتمزج بطريقة أخري فتؤدي الي الهلاك, ولذلك فكل المصريين أطباء, وهم يفوقون كل البشر في المعرفة( الطبية) لأنهم من سلالة إله الشفاء.
فإذا انتقلنا الي البيئة الاجتماعية لمسنا نفس التعامل بما كان ينطوي عليه من الجدية ذاتها, وهنا نجد أن طقوس الدفن في المجتمع المصري القديم تتضمن طقس التحنيط, وقد كان من مراحل هذا الطقس شق بطن المتوفي لاستخراج الأعضاء الداخلية ومعالجتها حتي تقاوم الاندثار, علي أن هذا لم يكن نهاية المطاف بالنسبة للمصريين, وإنما كان البداية الأولي لعلم الجراحة الذي تطور بعد ذلك ليشمل عمليات جراحية وصلت الي قدر فائق من الدقة, وبوسعنا أن ندرك مدي ما يعنيه ذلك, علي سبيل المقارنة مع مجتمع آخر, اذا عرفنا أن أرسطو, أحد كبار العلماء والمفكرين في المجتمع اليوناني في القرن الرابع ق.م, ذكر في كتابه عن الحيوان أن أحدا لا يعرف شيئا عن تكوين جسم الإنسان غير السطح الخارجي لجلده, كما يؤكد هذا المعني أن الفكرة السائدة لدي أطباء اليونان آنذاك هي أن الشرايين والأوردة الموجودة في جسم الإنسان مليئة بالهواء( وليس بالدماء)!
والمجال الآخر الذي أود أن أذكره في سياق موضوعنا الحالي هو قدم الكتابات الطبية المصرية, ومن ثم سبقها لغيرها بشكل يلفت النظر, وفي هذا الصدد فإن لدينا مخطوطا من القرن السادس والعشرين ق.م, يتحدث عن دواء لسقوط الشعر, كما أن لدينا كتابات طبية أخري, وإن كانت تنتمي الي وقت متأخر عن ذلك, إلا أن أهل التخصص يؤكدون, بناء علي شواهد لغوية من حيث النحو وتركيب الجمل, منسوخة عن أصول ترجع الي نفس القرن المذكور, فإذا أدخلنا في اعتبارنا أن المجتمع المصري كان من بين أقدم المجتمعات التي عرفت الكتابة, يصبح في مقدورنا أن نقول إن بعضا من الكتابات الطبية المصرية القديمة قد تشكل أقدم الكتابات التي سطرت في مجال الطب علي الاطلاق, وبالفعل فإن أهل التخصص يعرفون عددا من هذه الكتابات, ومن بينها, علي سبيل المثال, المبحث المطول الذي كتب ضمن بردية ايبرز المحفوظة في مكتبة جامعة ليبتزج بألمانيا والذي يدور حول القلب برلين الصغيرة والذي يعتبر أقدم ما كتب عن أمراض الأطفال حتي الآن.
وأختم حديثي عن موقع الطب المصري في العصر القديم بإشارة الي صفة ثالثة( من بين صفات أخري غيرها) اتسمت بها الممارسة الطبية في المجتمع المصري القديم وتميزت بها عما كان سائدا في المجتمعات الأخري ـ ألا وهي صفة التخصص, ولعل خير من يحدثنا في هذا السياق هو المؤرخ اليوناني هيرودوت, الذي زار مصر في أواسط القرن الخامس ق.م, ضمن جولة علمية مطولة قام بها وهو بصدد التأريخ لمنطقة الشرق الأدني وبلاد اليونان والتعريف بها, ولنسمع إليه وهو يتحدث عما لفت نظره في مصر مقارنة بالمجتمعات الأخري التي زارها آنذاك إن ممارسة الطب موزعة بينهم( المصريين), بحيث يختص كل طبيب بمعالجة نوع واحد من الأمراض, فالبلد( مصر) ملئ بالأطباء, بعضهم مختص بأمراض العيون, والبعض بأمراض الأسنان, وآخرون بالأمراض الباطنية, وغيرهم بالأمراض الخفية, وأتصور أنه يقصد بهذه الأخيرة أمراض الأعصاب أو الاضطرابات الجسدية الناجمة عن اضطرابات نفسيةpsychosomatic. وتبقي كلمة أخيرة: إن كيان أي مجتمع هو محصلة إنجازاته
وإن أهم ما في هذه الانجازات هو استمرار التعرف عليها, وفي حالتنا فإن الذي نفتقده في أغلب الأحوال ليس هو التخصص, بل إدارة التخصص. | |