مستقبل النظام السياسى فى مصر ... بقلم د.حسن نافعة
مستقبل النظام السياسى فى مصر
بقلم د.حسن نافعة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
١- بحث فى الإشكالية الراهنة
يبدو أن مصر على وشك الدخول فى حالة حراك سياسى من المتوقع أن تستمر طوال عامى ٢٠١٠ و٢٠١١، وأن تكون مختلفة كليا عن حالة الحراك التى شهدتها خلال السنوات الأخيرة والتى كانت قد بلغت ذروتها عامى ٢٠٠٥ و٢٠٠٦.
كانت حالة الحراك السابق قد بدأت فى شكل حركة احتجاجية فى مواجهة سلطة راحت تشيخ فى مواقعها ونظام حكم بدا متكلسا وعاجزا عن التكيف مع قوى سياسية واجتماعية جديدة لم يعد قادرا على استيعاب طموحاتها أو الاستجابة إلى مطالبها المشروعة فى المشاركة. لذا لم يكن غريبا أن ترفع هذه الحركة الاحتجاجية شعار «كفاية» فى مواجهة رئيس الدولة، وأن تطالب بإدخال تعديلات دستورية جذرية تستهدف إقامة نظام تعددى حقيقى يسمح بتداول فعلى للسلطة، عن طريق الاحتكام إلى انتخابات حرة نزيهة يشرف عليها قضاء مستقل وتجرى تحت رقابة فعالة لمؤسسات المجتمع المدنى على الصعيدين المحلى والدولى.
ولأن حراك الداخل تزامن مع ضغوط خارجية تطالب هى الأخرى بالإصلاح السياسى، لأسباب ودوافع مختلفة، فقد أحس النظام الحاكم وقتها بأنه بات محاصرا بين مطرقة الخارج وسندان الداخل وأصبح مضطرا لتقديم استجابة من نوع ما، غير أنها جاءت مراوغة كما كان متوقعا.
فقد وافق النظام الحاكم على إدخال تعديلات دستورية واسعة النطاق تستجيب شكلا لمطالب الإصلاح السياسى لكنها تفرغه من أى مضمون حقيقى بل وتزيد من مظاهر استبداده فى واقع الأمر!.
ولأن قوة الدفع التى تمتعت بها الحركة الاحتجاجية فى الداخل راحت تضعف بالتزامن مع الانحسار التدريجى للضغوط الخارجية، لم يكن مستغربا أن يتمكن النظام الحاكم فى النهاية من استيعاب هذه الجولة من الحراك السياسى ومن تغييرها لصالحه.
أما جولة الحراك المتوقعة قريبا فسوف تجرى فى سياق يبدو مختلفا تماما. ولأن الساحة الداخلية تبدو خالية حاليا من أى حركة احتجاجية قادرة على التأثير، فضلا عن أن الساحة الخارجية تبدو عازفة عن ممارسة أى ضغط للإسراع بعملية التحول الديمقراطى، فمن المتوقع أن يكون الحزب الحاكم نفسه هو مركز الحراك السياسى ومفجره فى المرحلة المقبلة، وهنا تكمن المفارقة!.
فمن الواضح أن التيار الملتف حول جمال مبارك بدأ يكثف من ضغوطه للإسراع بوضع اللمسات الأخيرة على مشروع التوريث. ولأن هذا التيار لم يدرك، إلا مؤخرا، أن مشروع التوريث غير قابل للتحقيق إلا فى حياة الرئيس الأب وبرضاه، فقد بدأ يلح، بل ويضغط، للحصول على موافقة الرئيس الأب على عدم خوض انتخابات الرئاسة عام ٢٠١١، وعلى أن يكون جمال هو مرشح الحزب فيها.
ولوهلة بدا هذا التيار فى عجلة من أمره لدرجة أنه لم يتردد فى الترويج لإشاعة حل مجلس الشعب وإجراء انتخابات تشريعية مبكرة تستهدف إعداد المسرح نهائيا وليكون مجلس الشعب القادم على مقاس الرئيس الجديد وجاهزاً للتعامل مع أجندته!.
ورغم أن الرئيس مبارك بدا غير متحمس لهذا الاستعجال، وربما غير مستريح له بدليل إحباطه لمناورة حل مجلس الشعب، فإنه لم يقرر فى الوقت نفسه حسم موقفه من قضية الترشح فى الانتخابات الرئاسية القادمة وترك الباب مفتوحا أمام جميع الاحتمالات.
لذا فمن المرجح أن يصبح الصراع المتوقع والمكتوم داخل الحزب الحاكم حول قضية التوريث هو المفجر لفتيل الحراك السياسى المتوقع فى المرحلة المقبلة ومحوره الرئيسى.
وأيا كان الأمر فمن الصعوبة بمكان تصور إمكانية قيام مبارك الأب بإخلاء موقعه الرئاسى قبل انتهاء فترة ولايته الحالية أو حتى إحجامه عن الترشح لفترة رئاسية جديدة عام ٢٠١١. ولأن انتخابات الرئاسة القادمة، إن جرت فى موعدها، ستتم أثناء تولى الرئيس مبارك للسلطة فليس من المتصور، عقلا، أن يقبل الرئيس، أخلاقيا، تحمل مسؤولية إجراء انتخابات رئاسية فى عهده تسفر عن تنصيب ابنه خلفا له أو يحتمل مشهد انتقال السلطة منه إلى ابنه مباشرة فى نظام جمهورى،
لذا أرجح أن يظل مبارك الأب فى موقعه كرئيس للبلاد إلى أن يقضى الله أمرا كان مفعولا، وهو السيناريو الذى يبدو على أى حال أن أغلبية الشعب تفضله إذا لم تجد أمامها من خيار آخر سوى المفاضلة بين مبارك الأب ومبارك الابن!
أما فى حال خلو موقع الرئاسة لأى سبب قهرى، لا قدر الله، فستصبح البلاد كلها أمام مشكلة بالغة التعقيد سواء حدث ذلك الإخلاء قبل عام ٢٠١١ أو بعده. فمن ناحية، يستحيل على أى مرشح من خارج الحزب الوطنى أن يفوز فى الانتخابات الرئاسية القادمة ما لم يتم تعديل الدستور مرة أخرى، وهو أمر غير وارد أصلا فى الظروف الراهنة.
ولأن اختيار مرشح آخر للرئاسة من بين صفوف الهيئة العليا للحزب سيفتح الباب أمام صراعات لا أول لها ولا آخر، فمن الواضح تماما أن جمال بات هو الخيار الوحيد المتاح لشغل مقعد الرئاسة فى ظل الأوضاع القائمة حاليا.
يدرك القاصى والدانى أن نظام الحكم فى مصر لا يحتوى على أى قدر من الشفافية يسمح بمعرفة ما يجرى فى داخله، لذا ليس أمامنا كمحللين سوى استنتاج ما يدور داخل غرفه المغلقة.
وفى حدود المعلومات المتاحة حاليا يبدو أنه صراع حاد، لكنه مازال مكتوما، بدأ بالفعل داخل صفوف الحزب الحاكم بين من يتعجلون وصول جمال إلى موقع الرئاسة ومن يعتقدون أن الوقت لم ينضج بعد لخطوة من هذا النوع لاتزال تنطوى، فى اعتقادهم، على مخاطرة كبيرة. ولأنه ليس لدى الجناح المطالب بالتأنى بديل آخر سوى الانتظار، وهو ما يعنى تأجيل المشكلة وليس حلها، فضلا عن أنه يصعب على القوى والأحزاب والحركات الاجتماعية خارج الحزب الوطنى أن تقف متفرجة على ما يجرى، فمن المتوقع أن يشهد عاما ٢٠١٠ و٢٠١١ مناورات واسعة النطاق تستهدف حسم سيناريو التوريث بأقل الأضرار.
فى سياق كهذا من المتوقع أن تسبق الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها فى نوفمبر من العام القادم محاولات مستميتة لعقد صفقات مع كل الفصائل السياسية التى تبدو على استعداد لتقليص عدد النواب المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين فى مجلس الشعب القادم، وزيادة عدد ممثلى الفصائل الأخرى، كل حسب ثقله ووزنه ومدى استعداده للتعاون لضمان إخراج الانتخابات الرئاسية القادمة بطريقة تجعلها تبدو قابلة للتسويق كانتخابات طبيعية وحقيقية!.
لكنى أظن أن اللعبة باتت مكشوفة إلى الدرجة التى يصعب معها إقدام فصائل المعارضة على صفقات من هذا النوع إلا إذا كانت تنوى الانتحار سياسيا أو باتت مقتنعة تماما بأنها لم تعد تصلح سوى لأدوار الكومبارس أو الواجهة. وأظن أيضا أن انكشاف قواعد اللعبة إلى هذه الدرجة سيدفع حتما بقوى سياسية واجتماعية جديدة لتصدر المشهد السياسى فى الجولة القادمة من جولات الحراك الوشيك.
لذا نعتقد أن النظام الحاكم فى مصر دخل مفترق طرق جديداً بعد أن ضاقت الخيارات المتاحة أمامه. فلأول مرة فى تاريخ النظام السياسى المصرى يدفع الشعب دفعا للاختيار بين أمرين كلاهما مر. الأول: بقاء رئيس تجاوز الثمانين من عمره فى منصبه وإعادة انتخابه لفترة ولاية سادسة تنتهى وهو على مشارف التسعين.
والثانى: إجبار الشعب على اختيار الابن خلفا للأب بعد تجفيف كل منابع الاختيار الأخرى. الخيار الأول معناه أن الابن سيحكم البلاد من وراء ستار، فى مخالفة واضحة للدستور، والثانى معناه أن مصر باتت مجبرة على أن يحكمها رجل فى منتصف الأربعين ينتمى لنفس النظام الذى حكمها لمدة ثلاثين عاما خلت لأربعين عاما قادمة!
والسؤال: كيف تحول مشروع للنهضة المصرية العربية فجرته ثورة أسست لنظام جمهورى لأول مرة فى تاريخ مصر الحديثة إلى مشروع للتوريث؟. وكيف ستتصرف المعارضة أمام هذا المأزق. هذا ما سنحاول أن نلقى عليه الضوء فى سلسلة المقالات القادمة والتى أرجو أن تنجح فى فتح حوار مجتمعى جاد حول مستقبل نظام الحكم فى مصر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ
2- من مشروع للنهضة إلى مشروع للتوريث
انتهينا في مقال الأسبوع الماضي، الذي خصصناه للتعرف على طبيعة الإشكالية التي يواجهها نظام الحكم في مصر في المرحلة الراهنة، إلى أن هذا النظام وصل إلى مفترق جديد للطرق بعد أن قام بسد كل منافذ تداول السلطة ولم يترك للشعب سوى الاختيار بين بديلين كلاهما مر: التجديد لرئيس تجاوز الثمانين من عمره لفترة ولاية سادسة تنتهي وهو على مشارف التسعين، أو تنصيب نجله في حال ما إذا قرر الأب عدم الترشح في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
كما أوضحنا أن مبارك الابن سيحكم البلاد في كلتا الحالتين، إما من وراء ستار ولمدة لا يعلمها إلا الله في حال الخيار الأول، وإما رسمياً ولمدة قد تصل إلى أربعين عاماً مقبلة في حال الخيار الثاني! ولأنه يصعب تصور أن تقبل مصر العميقة بأي من هذين الخيارين، فمن المتوقع أن تشهد الحياة السياسية في مصر حراكا من نوع جديد يصعب التنبؤ بما قد يسفر عنه في نهاية المطاف، مما يتطلب من النخبة أن تبحث معا عن خيارات أخرى، وهو ما يفرض على القوى الوطنية:
1- أن تتفق أولا فيما بينها على تشخيص دقيق للأسباب التي أدت إلى تحول مشروع النهضة والتحديث الذي أطلقته ثورة يوليو إلى مشروع للجمود والتوريث،
2- استخلاص الدروس الصحيحة مما جرى كي لا تقع في الأخطاء السابقة نفسها.
في هذا السياق، نحاول في مقال اليوم أن نقدم اجتهادنا الخاص للإجابة عن السؤال المطروح، آملين أن يسهم في فتح الباب أمام حوار مجتمعي يمكن أن تتبلور من خلاله خيارات وبدائل تشكل أساسا صالحا لبناء نظام جديد للحكم، أكثر قدرة وفاعلية على مواجهة تحديات المرحلة الراهنة، وهي كثيرة ومتشعبة.
إن نظرة واحدة على ما جرى في مصر منذ عام 1952 تكفي لاستخلاص نتيجتين على جانب كبير من الأهمية:
الأولى: أن الأهداف والسياسات التي ينتهجها نظام الحكم في مصر في المرحلة الراهنة تتناقض كلياً مع الأهداف والسياسات التي سعت ثورة يوليو لتحقيقها في سنواتها الأولى، خاصة خلال الخمسينيات والستينيات.
الثانية: أن بنية النظام السياسي التي أرستها ثورة يوليو، والتي اتسمت بتركيز السلطات في يد شخص الرئيس وإدارة الدولة من خلال أجهزة الأمن والجهاز البيروقراطي، لم تتغير في جوهرها حتى بعد تغير شكل النظام من الأحادية إلى التعددية.
فالمتأمل للأدوار والوظائف التي تقوم بها الأحزاب في النظام السياسي لثورة يوليو منذ نشأته حتى الآن لن يعثر على أي فرق جوهري بين الأدوار والوظائف التي قامت بها هيئة التحرير والاتحاد القومي والاتحاد الاشتراكي في الخمسينيات والستينيات وبين الدور الذي يقوم به الحزب الوطني حالياً.
وهنا تتجلى مظاهر مفارقة كبرى: فكيف لنظام تمتع بمثل هذا الثبات والاستمرارية في أساليب الحكم، أن يحدث مثل هذا الكم من التغير والقطيعة في سياساته على الصعيدين الداخلي والخارجي؟ وليس لدينا تفسير لهذه المفارقة سوى تغير نوعية الأشخاص الذين تعاقبوا على رئاسة الدولة. وفي هذا السياق علينا أن ننتبه إلى:
1- أن الشعب المصري لم يشارك قط في عملية اختيار الرؤساء الذين تعاقبوا على حكمه منذ 1952 حتى الآن. فالرئيس عبدالناصر حملته دبابة إلى سلطة سعى إليها لتغيير واقع ثار عليه، أما السادات ومبارك فقد وصلا إلى السلطة بمصادفة الأقدار، وباختيار شخصي من «الرؤساء السابقين»، يفتقد أي وضوح في المعايير.
2- اختلاف بيّن في أنماط القيادة بين الرؤساء الثلاثة يصل إلى حد التناقض رغم خروجهم جميعا من صفوف المؤسسة العسكرية. فالرئيس عبدالناصر، مؤسس حركة الضباط الأحرار، كان زعيما كاريزميا، والرئيس السادات، الذي مارس العمل السياسي منذ نعومة أظفاره، كان مغامراً جسوراً، أما الرئيس مبارك، الذي لم يمارس العمل السياسي في حياته قط، فشغل موقع القيادة بضمير الموظف المسؤول.
3- النهاية المفاجئة والحزينة لعبدالناصر والسادات بعد فترة قصيرة من صدمة سياسية عنيفة. فالزعيم الكاريزمي انهار تحت وطأة المرض والجهد بعد فترة من هزيمة 67، والرئيس المغامر مات مغتالاً بنيران جنوده بعد فترة قصيرة من زيارة القدس وإبرام معاهدة «السلام» مع إسرائيل. أما فترة حكم الرئيس مبارك، التي تجاوزت حتى الآن مجموع فترتي حكم عبدالناصر والسادات معاً، فلم تشهد قرارات حاسمة من أي نوع.
لم تخضع هذه المراحل والأنماط القيادية الثلاث، للأسف، لعملية تقييم موضوعي من جانب النخبة السياسية والفكرية التي اتسمت أحكامها بمسحة أيديولوجية وذاتية حيث انشغلت معظم فصائلها بتوجيه النقد إلى الرئيس الراحل وكيل المديح إلى الرئيس الحي، وكثيراً ما لعبت الاعتبارات الأيديولوجية دورا أساسيا في تحويل الرؤساء إلى ملائكة أو شياطين. وفي غمرة هذا التخندق الفكري والسياسي نسى كثيرون أن رؤساء الدول - زعماء كاريزميين كانوا أو قادة مغامرين أو موظفين بيروقراطيين- ينتمون جميعا إلى سلالة البشر ومن ثم يخطئون ويصيبون.
ما لم تنتبه إليه النخبة هنا، أن البشر مهما كانت قدراتهم ومواهبهم قابلون لارتكاب أخطاء يمكن أن تكون قاتلة وكارثية، إن هي تركت دون تقويم. ولأن الرؤساء الثلاثة الذين تعاقبوا على حكم مصر تمتعوا بسلطات مطلقة دون رقيب أو حسيب ولم يخضعوا لمساءلة من أي نوع فقد ارتكب كل بطريقته أخطاء عظيمة.
فلو كان ينطوي على آليات تسمح بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة لبحث ملابسات الانفصال السوري عن مصر في عهد عبدالناصر، أو لبحث أسباب حدوث الثغرة في عهد السادات، أو لبحث أي من قضايا الفساد التي لا تحصى ولا تعد في عهد الرئيس مبارك، لكان بوسع مصر أن تتلافي وقوع كوارث كثيرة في الماضي ولأمكنها تجنب وقوع كوارث أعظم تنتظرها في المستقبل، إن استمرت الأمور على ما هي عليه.
ربما التمس البعض أعذارا للرئيس عبدالناصر حين أقدم على حل الأحزاب وقام بتركيز كل السلطات في يديه في مرحلة اقتضت القيام بعملية تطهير سياسي واسعة النطاق اقتضتها ضرورات حماية الثورة في سنواتها الأولى، لكن عبدالناصر أهدر فرصة ثمينة لبناء نظام سياسي ديمقراطي أكثر فاعلية عقب الانتصار السياسي العظيم الذي تحقق في 56.
وربما التمس البعض أعذارا للرئيس السادات حين تردد في المضي قدما نحو إرساء أسس صحيحة لبناء نظام ديمقراطي حقيقي قبل أن يستكمل تحرير الأرض المحتلة، ومع ذلك فلا جدال في أن الرئيس السادات أهدر فرصة ثمينة لإحداث تحول ديمقراطي حقيقيعقب الإنجاز الكبير الذي تحقق في حرب أكتوبر 73.
ولأن فترة حكم كل من الرئيس عبدالناصر والرئيس السادات اتسمت بتحديات هائلة تطلبت قرارات على جانب كبير من الخطورة، فإن عملية التماس الأعذار قد تكون مبررة بشكل أو بآخر، وهو ما لا ينطبق بتاتا على فترة حكم مبارك.
فمصر لم تخُض في عهده - ولأول مرة في تاريخها المعاصر - حروبا من أي نوع، وتدفقت عليها خلال فترة حكمه موارد من كل حدب وصوب ولم تغلق القناة وأُسقطت لها ديون كثيرة وجلبت لها العمالة المهاجرة مليارات الدولارات في سنوات الوفرة النفطية. لذا كان من المفترض أن تشهد فترة حكمه، التي طالت لأكثر من ربع قرن، انطلاقة غير مسبوقة، لتصبح مصر دولة إقليمية كبرى، وهو ما لم يحدث.
التضحيات التي قدمتها مصر في عبدالناصر لتقيم نظاما جمهوريا يحقق الاستقلال السياسي ويقود الأمة العربية نحو الوحدة، والتضحيات التي قدمتها مصر في عهد السادات لتحرير سيناء وتوفير أجواء السلام كان يمكن - وبصرف النظر عن أي خلافات أيديولوجية مع نهج هذا الزعيم أو ذاك - أن تعطى لمصر الكثير، غير أن حفنة صغيرة من النخبة سرقت تضحيات شعب لايزال قطاع كبير منه يعيش في القبور والعشوائيات ويحصل على خدمات تعليمية تتدهور باستمرار.
وها هي هذه الحفنة نفسها تحاول اليوم تكريس مكاسبها من خلال مشروع للتوريث يمكن، إذا ما نجح، أن يضرب آمال الشعب المصري في أي نهضة مستقبلية. فكيف ظهر مشروع التوريث هذا، وما احتمالات نجاحه؟ هذا ما سنتناوله في الأسبوع المقبل بإذن الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــ
٣- مشروع التوريث: وهم أم حقيقة؟
توقفنا فى مقال الأسبوع الماضى عند أسباب تحول ثورة يوليو من مشروع للنهضة والتحديث فى عهد عبدالناصر، إلى مشروع للجمود والتوريث فى عهد مبارك، وطرحنا فى ختامه تساؤلا حول كيفية ظهور مشروع لتوريث السلطة فى مصر. ولأن رجال لجنة السياسات فى الحزب الوطنى ينكرون من الأساس وجود مثل هذا المشروع، ويعتبرون كل ما يتردد حوله مجرد «وهم» اختلقته المعارضة وصدّقته، فربما يكون من الملائم أن نتفق أولا على معنى «التوريث».
من المعروف أن السلطة لا تورث إلا فى النظم الملكية، ولأن دستور جمهورية مصر العربية مازال، حتى إشعار آخر، يعتبر نظامها السياسى جمهوريا، وبالتالى يحق للشعب أن يختار رئيسه بنفسه، غير أن النظم الجمهورية ليست كلها نظما ديمقراطية بالضرورة، حيث تحولت الانتخابات أو «الاستفتاءات» فى العديد منها إلى عملية صورية بحتة لا تعكس نتائجها الإرادة الحقيقية للشعوب، بل إن درجة الاستبداد فى بعضها وصل حدا جعل تداول السلطة فيها يبدو محصورا داخل نطاق أسرة أو عائلة بعينها، وهو ما حدث مؤخرا فى دول كثيرة، منها على سبيل المثال لا الحصر: كوريا الشمالية، وسوريا، وبعض جمهوريات آسيا الوسطى وغيرها.
لذا لم يتردد فقهاء النظم السياسية فى إطلاق وصف «الجمهوريات الوراثية» على هذا الشكل الحديث نسبيا من أشكال النظم السياسية. وعندما بدأت ظاهرة جمال مبارك تطفو على سطح الحياة السياسية فى مصر، وكثُر الحديث عن خلافته المؤكدة لوالده، أصبح نظام مصر السياسى مرشحا للانضمام إلى قافلة «الجمهوريات الوراثية» فى العالم. وفى سياق كهذا كان من الطبيعى أن يكثر الحديث عن «مشروع التوريث» لوصف ما يجرى هناك، فكيف ظهر مشروع التوريث هذا؟
فى تقديرى أن «ظاهرة جمال مبارك»، التى ترتب على ظهورها انضمام النظام السياسى المصرى إلى قافلة «الجمهوريات الوراثية»، ليست سوى إفراز مباشر وطبيعى لنوعين من التحولات طرآ على بنية النظام السياسى فى مصر خلال السنوات العشر أو الخمس عشرة الأخيرة:
الأول: يتعلق بتحولات طرأت على شخصية الرئيس مبارك نفسه، فـ«مبارك» الذى ألفناه فى سنوات ولايته الأولى وسمعناه يتحدث عن «الكفن الذى ليس له جيوب»، ويعبر عن «قناعته بضرورة تحديد الفترة الرئاسية بولاية واحدة أو ولايتين على أكثر تقدير»، ليس هو مبارك الذى نشاهده اليوم، والذى ظل فى السلطة لخمس ولايات متتالية حتى الآن ومازال يصر على «البقاء فى موقعه طالما بقى فيه عرق ينبض»، ولا يجد حرجا فى القول إنه «لم يعثر فى مصر كلها على شخص يصلح نائبا له»، و»لم يفاتح ابنه جمال فى أمر ترشحه للرئاسة»!. ولا يتسع المقام هنا لتحليل أسباب التحول فى شخصية مبارك، الذى يبدو الآن مختلفا بالمطلق عن مبارك الذى كنا قد تفاءلنا به فى الثمانينيات!.
الثانى: يتعلق بتحولات طرأت على البيئة الاقتصادية والاجتماعية المحيطة، التى أفرزت طبقة من «رجال المال والأعمال» ليس لها نظير فى تاريخ مصر الحديث.
فقد استطاعت هذه الطبقة الجديدة محدودة العدد، والتى تشكلت من خليط من «أغنياء المعونة الأمريكية»، ووكلاء الشركات الدولية، والمضاربين فى الأسواق العقارية وفى أسواق المال والبورصات المحلية والأجنبية، أن تجمع ثروات هائلة تقدر بمئات المليارات من الدولارات فى فترة وجيزة لا تتجاوز عقدين من الزمان، بدأت مع القبول بروشتة البنك والصندوق للإصلاح الهيكلى فى بداية التسعينيات، ووصلت ذروتها مع قرار تعويم الجنيه المصرى وربطه بالدولار فى بداية الألفية الثالثة.
ولأن هذه الطبقة، التى أدركت عمق التداخل العضوى بين مصالحها ومصالح النظام الحاكم، كانت لا تزال تشعر فى الوقت نفسه بقلق عميق من بقايا نظام ظل يدار لفترة طويلة من خلال الاقتصاد المخطط، فقد كان من الطبيعى أن تبذل كل ما فى وسعها للبحث عن رمز ليبرالى من داخل النظام تلتف حوله، وحين عثرت على ضالتها فى شخص جمال مبارك لم يكن من الصعب عليها أن تنسج حوله مشروعا للمستقبل بدا مكتمل العناصر:
- فالابن الأصغر لرئيس الدولة، الذى أصبح بحكم تكوينه العلمى والمهنى أحد رموز الطبقة الجديدة والمرشحين الكبار لتمثيلها والتحدث باسمها، بدا جاهزا ومستعدا لعمل عام بدا طموحه بشأنه مطلقا بلا حدود أو سقوف.
- والطبقة الجديدة ، التى كانت قد بدأت تسيطر تدريجيا على معظم مقدرات مصر الاقتصادية، تعرف القادم الجديد عن قرب، وتثق فيه، وتبدو على أتم استعداد لوضع إمكانياتها تحت تصرفه وتقديمه للرأى العام على أفضل صورة ممكنة.
- وسيدة مصر الأولى، المنخرطة بعمق فى العمل العام على جميع الأصعدة المحلية والإقليمية والعالمية، تبدو مقتنعة بقدرات ومواهب ابنها الأصغر، ولا تحتاج لإلحاح كبير للموافقة على منحه كل ما يحتاج من فرص للوصول إلى أقصى مدى يمكن أن تحمله إليه طموحاته، ولتذليل أى عقبات قد تعترض طريقه، بما فى ذلك احتمال ممانعة أو عدم تحمس الرئيس الأب!.
- والنخبة المصرية تبدو، كعادتها دائما، مكتظة بالعناصر الجاهزة لتلبية الطلبات السياسية، وتفصيل العباءات الأيديولوجية التى يحتاجها كل «فكر جديد»!.
وهكذا، ومع اكتمال مجمل العناصر اللازمة لإطلاق جمال فى سوق السياسة المصرية، بدأ «مشروع التوريث» يتجسد واقعا على الأرض من خلال المراحل المحددة التالية:
المرحلة الأولى: بدأت بتأسيس جمعية «جيل المستقبل» عام ١٩٩٨، بعد أن استقر الأمر على أن يكون المجتمع المدنى هو المنصة التى ينطلق منها جمال لممارسة دوره المرسوم، غير أن ذلك لم يمنع جهات رسمية بعينها، كجامعة القاهرة مثلا، من تقديم العون والنصيحة حيث قدمت للجمعية مقرا دائما داخل حرمها المكتظ.
المرحلة الثانية: شهدت بداية انخراط جمال فى العمل الحزبى. وكان البعض قد اقترح أن يقوم جمال بتأسيس حزب خاص يحمل اسم «حزب المستقبل»، ربما فى سياق تصور يستهدف تحويل النظام المصرى إلى نظام ثنائى الحزبية على النمط الأمريكى، غير أنه سرعان ما تم العدول عن هذه الفكرة، وهكذا تقرر انضمام جمال مبارك إلى الحزب الوطنى لأول مرة عام ٢٠٠٠.
المرحلة الثالثة: شهدت تكليف وزراء بأعينهم بمهمة ترتيب لقاءات خاصة بين جمال وعناصر مختارة من النخبة استهدفت أمرين، الأول: التعرف مباشرة على ما يدور فى ذهن النخبة من أفكار لتنشيط الحياة السياسية فى مصر وتجديد دمائها، والثانى: انتقاء من يراه جمال صالحا من هذه العناصر للعمل إلى جانبه فى «لجنة سياسات» تقرر تشكيلها داخل الحزب الحاكم وإسناد رئاستها له. وكان هذا بداية انطلاق حركة إصلاح الحزب الحاكم من داخله، وإطلاق «الفكر الجديد».
المرحلة الرابعة: شهدت إجراء تعديلات دستورية سمحت بانتخاب رئيس الجمهورية، وقاد جمال مبارك بنفسه الحملة الانتخابية للرئيس الوالد عام ٢٠٠٥، وكان يفترض أن تكون هذه المرحلة، التى شهدت أيضا تعيين جمال أمينا مساعدا، ثم ضمه للهيئة العليا للحزب الحاكم، هى المرحلة قبل الأخيرة فى سلسلة مشروع التوريث الذى كان من المتوقع أن يصل إلى خط النهاية حين يخلو منصب الرئيس ويقرر الحزب الحاكم ترشيح جمال فى الانتخابات التالية، سواء تمت عام ٢٠١١ أو قبل ذلك!
ويتضح من هذا السرد أن «مشروع توريث السلطة» فى مصر، وبصرف النظر عما إذا كان التخطيط له قد تم عبر مراحل محددة سلفا منذ بداية ظهور جمال على الساحة، أم أن كل مرحلة قادت تلقائيا للمرحلة التى تليها، هو مشروع حقيقى قائم على الأرض. لذا فالقول إنه وهم لا وجود له إلا فى خيال المعارضة المريض، كما يدعى رجال لجنة السياسات، هو قول لا يحترم عقل الشعب المصرى.
وأياً كان الأمر، فهناك فرق كبير بين وجود مشروع لتوريث السلطة فى مصر وقابليته للتحقق على الأرض وفقا لنفس السيناريو، والمراحل المخطط لها سلفا. ولأننى أعتقد أن مشروعاً كهذا يحمل فى طياته عناصر فنائه بالضرورة، فأنا أتنبأ له بفشل ذريع، وهذا ما سأحاول شرحه تفصيلاً فى مقال الأسبوع المقبل بإذن الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ
٤- مشروع التوريث: أخطر مصادر تهديد الأمن الوطنى
خلصنا فى مقال الأسبوع الماضى إلى أن ما يقال عن «توريث السلطة» فى مصر ليس مجرد «وهم اخترعته المعارضة وصدقته»، كما يدعى أعضاء لجنة السياسات فى الحزب الحاكم، بل مشروع حقيقى تبنته قوى سياسية واجتماعية نافذة تسعى لترجمته واقعاً على الأرض، من خلال خطة متدرجة يفترض أن تصل إلى غايتها بتمكين جمال من خلافة والده فى موعد لا يتجاوز نهاية الولاية الخامسة، أى فى أكتوبر ٢٠١١ على أكثر تقدير.
غير أننا أكدنا فى ختام المقال ذاته أن وجود مشروع للتوريث تتبناه قوى نافذة تصر على تنفيذه، لا يعنى أن نجاحه بات مضمونا بالضرورة، لذا فقد توقعنا إخفاقه ووعدنا بتخصيص مقال اليوم لمناقشة الأسباب التى تدعونا لترجيح كفة فشله.
وقبل الخوض فى مناقشة هذه الأسباب ربما يكون من المفيد هنا إعادة تذكير القراء بأننا حرصنا منذ البداية على عدم تشخيص قضية التوريث، فالأمر المطروح للنقاش فى كل ما كتبته متعلقاً بهذه القضية، لا يدور حول مدى أهلية جمال مبارك لتولى منصب الرئاسة، وإنما حول مدى مواءمة النظام السياسى الذى أفرز ظاهرة التوريث لإدارة الدولة المصرية فى الحاضر والمستقبل.
صحيح أن «التوريث» ظلّ هو الوسيلة المتبعة لانتقال السلطة منذ نشأة النظام السياسى لثورة يوليو حتى الآن، غير أن النمط الذى ساد فى عهدى عبدالناصر والسادات، ألا وهو نمط «التوريث بالاختيار»، من خلال قيام الرئيس الحاكم باختيار نائب له يصبح بالضرورة هو الرئيس القادم، يختلف اختلافاً كبيراً من حيث الشكل والمضمون عن النمط الذى يجرى الإعداد له حاليا فى عهد مبارك ولم يدخل بعد حيز التنفيذ، ألا وهو نمط «التوريث بالدم» من خلال نقل السلطة من الأب إلى الابن.
ورغم أن كلا النمطين يعتبر معاديا لأبسط قواعد الديمقراطية، فإن تحول نظام ثورة يوليو من نمط التوريث بالاختيار إلى نمط التوريث بالدم يعد انتكاسة كبرى، لأنه ينسف أسس النظام الجمهورى أيضا، وليس فقط أسس النظام الديمقراطى.
لقد أتيحت أمام الرئيس مبارك، بعكس سلفيه الراحلين، ولأول مرة فى تاريخ الجمهورية، فرصة تاريخية حقيقية لإحداث تحول ديمقراطى سلمى فى النظام، وتمكين الشعب المصرى من اختيار رئيسه، ولم يكن ذلك يتطلب منه أكثر من إلغاء «قوانين سيئة السمعة» صدرت فى أواخر عهد السادات، بالعودة إلى النص الدستورى الأصلى الذى يقيد فترة الرئاسة بولايتين متتاليتين، وتنشيط الحياة السياسية بإطلاق حرية تشكيل الأحزاب دون قيود.
وقد أمل كثيرون، وأنا واحد منهم، فى أن يشرع الرئيس مبارك فى تنفيذ البرنامج الإصلاحى هذا عقب تمكنه من استعادة طابا، وعودة الجامعة العربية إلى مقرها بالقاهرة قبل نهاية الثمانينيات، غير أن الرئيس خيب كل التوقعات وسار فى اتجاه معاكس لما سبق أن أوحى به خطابه السياسى فى بداية عهده، بل وفى اتجاه معاكس للتقاليد الجمهورية نفسها التى حرص سلفاه على احترامها، وهو ما بدا واضحا من سلوك الرئيس تجاه مسألتين محوريتين، الأولى: إصراره على عدم تعيين نائب له بحجة عدم العثور على شخص تتوافر فيه الصفات المطلوبة،
والثانية: موافقته على قيام نجله بممارسة دور سياسى راح يكبر تدريجياً إلى أن أصبح بمثابة النائب غير الرسمى لرئيس الجمهورية.
ولأن جمال كان قد بلغ بالكاد سن الثامنة عشرة حين تولى والده رئاسة الدولة فى أعقاب حادث اغتيال مروع أطاح بسلفه، فلم يكن بوسع أحد أن يربط بين هاتين المسألتين فى وقت مبكر، لذا تعين الانتظار حتى نهاية التسعينيات قبل أن تبدأ معالم مشروع التوريث فى الانكشاف تباعا على النحو الذى شرحناه تفصيلا فى مقال الأسبوع الماضى.
لم يتوقع أحد بالطبع أن يكشف النظام عن كل أوراقه، ومن ثم حاول التمويه على خطط التوريث، وسعى لإخفاء نواياه بشأنها تحت عباءة شعارات فضفاضة من قبيل: «التحديث»، و«الإصلاح»، و«الفكر الجديد»... إلخ.
لذا لم يكن غريبا أن تختلف السياسات التى انتهجها النظام لتحويل مشروع التوريث إلى واقع على الأرض عن تلك التى اعتادها قبل الإطلاق الرسمى لهذا المشروع، وهو ما انعكس بوضوح على ساحات ثلاث تم اختيارها بعناية، الأولى: ساحة الحزب الحاكم، التى وقع عليها الاختيار كمنصة إطلاق لمشروع التوريث، والثانية: ساحة قطاع المال والأعمال، التى وقع عليها الاختيار كرافعة للترويج الداخلى للمشروع، والساحة الدولية، التى وقع عليها الاختيار لتذليل العقبات الخارجية التى قد تعرقل مساره.
غير أن بوسع الفاحص المدقق لما جرى طوال السنوات العشر الماضية أن يكتشف بسهولة أن السياسات التى تم انتهاجها على هذه الأصعدة الثلاثة حملت فى طياتها بذور فناء مشروع التوريث من أساسه.
فعلى صعيد العمل الحزبى: جرت محاولة لتبرير الهبوط المفاجئ لجمال مبارك بالباراشوت على الحزب الحاكم بالرغبة فى «ضخ دماء جديدة» فى شرايين الحزب على أمل تنشيطه وإخراجه من حالة التكلس أو الترهل التى أصابته، وتقديم «فكر جديد» أكثر قدرة على التعامل مع المستجدات المحلية والإقليمية والدولية.
غير أن الذين خططوا لإطلاق مشروع التوريث وفق هذا التصور، لم يفطنوا إلى مجموعة من الحقائق، أولاها: أن الذين سيهرولون للتحلق حول جمال مبارك فى لجنة السياسات لن يفعلوا ذلك إعجابا بقيادته لتيار فكرى يؤمنون به، أو لمدرسة سياسية ينتمون إليها، وإنما لسبب واحد ووحيد وهو أنه ابن رئيس الدولة والحزب الحاكم، والمرشح القادم صاحب الحظ الأوفر للرئاسة.
وثانيتها: أن إصلاح حزب حاكم جاء به رئيسه وهو فى السلطة، ولم يأت هو برئيسه إلى السلطة، لا يتأتى من خلال عملية جراحية لزرع ابن للرئيس داخل جسد حزب حاكم، وإنما من خلال تنشيط الحياة الحزبية خارجه، بالتصريح لمنافسين أقوياء جدد بالنزول إلى الساحة. ولذلك لم تسفر عملية الهبوط المفاجئ بالباراشوت إلا عن نتيجتين،
الأولى: تمكين القادم الجديد من السيطرة على الحزب من داخله، وإحلال كوادر جديدة تدين له بالولاء الشخصى محل الكوادر التقليدية أو «الحرس القديم».
الثانية: تمكين الحزب من الهيمنة على آليات عمل السلطتين التنفيذية والتشريعية، وتحييد السلطة القضائية أو إفسادها من داخلها إن هى رفضت الخضوع، من أجل تهيئة المسرح لإخراج عملية التوريث بأفضل «حُلّة ديمقراطية» ممكنة!.
غير أن الطريقة التى أدار بها الحزب الحاكم «الجديد» انتخابات الرئاسة، ثم معركة التعديلات الدستورية التى أعقبتها لم تقنع الشعب إلا بشىء واحد فقط، وهو أن الإصلاح المطلوب هو فقط كل ما يمكن أن يدفع بجمال نحو موقع الرئاسة!.وعلى صعيد المال والأعمال: بدا واضحاً منذ البداية أن طبقة رجال الأعمال الجدد، خاصة أولئك الذين ترتبط مصالحهم ارتباطاً عضوياً بالدولة، وكانوا أول من اكتشف جمال وزين له طريق السلطة، لابد أن يكونوا هم أحرص الناس على مشروع التوريث، وأكثرهم استعدادا لتحمل تبعاته.
وفى هذا السياق بدأت أكبر وأضخم عملية خلط للأوراق بين المال والسياسة فى تاريخ مصر، وتاهت الحدود بين الاثنين، لذا لم يكن من قبيل المصادفة أن تشهد السنوات العشر الماضية، التى بدأت مع انطلاق مشروع التوريث، أكبر وأسرع عملية خصخصة وبيع أراض، وأكثرها فساداً فى تاريخ مصر. غير أن الأقدار تدخلت فى النهاية لتكشف- من خلال سلسلة من الحوادث الدامية، ربما كان أهمها حادث العبارة، ثم مقتل المطربة اللبنانية سوزان تميم- عمق التداخل بين المال والسياسة من خلال حبل الفساد السُّرى، الذى بدا واضحاً أنه يربط بينهما عضويا.
وفى هذا السياق كان من الطبيعى أن تتحول هذه الشريحة من رجال الأعمال من سند داعم إلى عبء فى نظر الشعب، بعد أن تبين أن مشروع التوريث هو ذاته مشروع لعودة رأس المال للهيمنة على الحكم.
وعلى الصعيد الخارجى: بدا واضحاً لمهندسى التوريث أن مشروعهم، الذى لا يحظى بأى تأييد داخلى، لا يستطيع أن يمرّ دون دعم خارجى واضح. لذا فقد بنوا تصورهم لسياسة مصر الخارجية فى مرحلة ما بعد ظهور مشروع التوريث على أساس السعى لاسترضاء إسرائيل والولايات المتحدة بكل الوسائل والسبل الممكنة، والعمل على تجنب الدخول فى صدام مع أى منهما مهما كانت الظروف. ولأنه كان بوسع هاتين الدولتين أن تدركا بسهولة مدى حاجة النظام المصرى لدعم مشروع التوريث، فلم تترددا فى أن تمارسا فى مواجهته كل أنواع الابتزاز المتخيلة.
وفى تقديرى أنه يصعب تفسير العديد من المواقف التى اتخذتها السياسة الخارجية المصرية فى الآونة الأخيرة ما لم ندخل عنصر التوريث فى الاعتبار، وأظن أن بوسع أى باحث مدقق أن يثبت بسهولة أن مواقف السياسة الخارجية المصرية فى السنوات العشر الأخيرة، خاصة خلال الحرب الأمريكية على العراق عام ٢٠٠٣، والحربين الإسرائيليتين على لبنان عام ٢٠٠٦ وعلى قطاع غزة فى ديسمبر ٢٠٠٨- يناير ٢٠٠٩، عكست حجم الابتزاز الذى مُورس على سياسة مصر الخارجية، وأن الرضوخ لهذا الابتزاز ألحق ضررا فادحا بمصالح مصر الوطنية، ناهيك عن مصالحها القومية العليا.
فى سياق كهذا يبدو واضحاً أن نجاح مشروع التوريث سيؤدى حتما إلى نتائج بالغة السلبية، أهمها:
١- قطع الطريق أمام التحول الديمقراطى ولمدة أربعين سنة مقبلة على الأقل.
٢- هيمنة رأس المال على الحكم بكل ما يمكن أن تنطوى عليه هذه الهيمنة من فساد.
٣- إلحاق الضرر بأمن مصر الوطنى، وهو أخطر ما فى الأمر.
وأظن أنه آن الأوان لكى يستخلص النظام الحاكم دروساً وعبراً مما جرى لفاروق حسنى فى انتخابات اليونسكو الأخيرة!.لهذه الأسباب كلها أعتقد أن الشعب يرفض تماماً مشروع التوريث، لكن هل يستطيع منعه؟ هذا هو ما سنحاول الإجابة عنه فى مقال الأسبوع المقبل.