مزرعة لا وطن بقلم .. إبراهيم عيسي
مزرعة لا وطن
بقلم .. إبراهيم عيسي
عرفت مصر الأحزاب والتجربة التعددية منذ عام 1976 أي منذ 33عاماً، بالحروف ثلاثة وثلاثين عاماً فقط لا غير، أليست هذه مرحلة تدريجية كافية كي يقتنع السادة الحكام في مصر المتعوسة بأن يطلقوا حق تشكيل الأحزاب بدون وصاية من الحزب الحاكم ومباحث أمن الدولة وتعليمات السيد الرئيس!، وإذا كان رأي الذين يحكموننا الذي يصدعون به البلد أنه لابد من إصلاح تدريجي، أليست ثلاثون عاماً مدة كافية لأي تدريج سياسي في الدنيا، أم أن الحكم يحتاج إلي نصف قرن من الزمان كي نتدرج؟! أم أن قرن «مائة عام» مدة أفضل وترضيهم أكثر؟!، منذ 33 عاماً تعيش مصر تعددية في الأحزاب بينما لا تسمح الحكومة بإنشاء أي حزب إلا أحزاب أمناء الشرطة ومخبري أمن الدولة وصغار تافهي الحياة السياسية الذين يتحكم فيهم تليفون إدارة الأحزاب في جهاز أمن الدولة!
ومنذ عام 1982 في مصر تسمع هذا الكلام المكرر والكذوب عن الإصلاح الاقتصادي ومؤتمرات وراء أخري وسياسات انفتاح وتعليمات صندوق النقد والبنك الدولي وتعويم وتغريق الاقتصاد وتشجيع الاستثمار وكل هذا الذي يجري في حياتنا منذ 27عاماً تحت شعار ودعوي الإصلاح الاقتصادي، فأين هو هذا الزفت الإصلاح الاقتصادي؟
لا الإصلاح السياسي التدريجي حصل! ولا الإصلاح الاقتصادي أنتج، اللهم إلا أن 44 في المائة من الشعب المصري صار تحت خط الفقر!
وقد مر علي حكم الرئيس 28عاماً، ووالله لو مر عليه قرن من الزمن يحكمنا فيه الرئيس لن يتم هذا الإصلاح السياسي ولا ذلك الإصلاح الاقتصادي، ليه؟
لأن الحكم الفردي الفرعوني الشمولي لا يمكن أن ينجح.
ولأن الشعب المضروب علي ظهره المستسلم والمنافق لا يمكن أن يتقدم أبداً.
ما يجري في بلدنا يجعلك مؤمناً بأن هذا الشعب يستحق ما هو فيه وأن نعاج السياسة وخراف الحياة السياسية تمشي مثل القطيع وراء الراعي الحاكم دون أن تناقش ولا تسأل ولا تنقد ولا تعارض ولا تهاجم ولا تتمرد ولا ترفض، هل حصل ذات مرة حتي في كتاب «كليلة ودمنة» أن تمرد قطيع نعاج أو فوج من الفراخ علي سيدها ومربيها؟!، حصل فعلاً لكن في رواية أجنبية غير عربية قطعاً وهي للكاتب «جورج أورويل» بعنوان «مزرعة الحيوانات»، تمردت الحيوانات علي المزرعة وحكمتها، لكن يبدو أنه حتي حيوانات الغرب مختلفة تماماً في إحساسها بالحرية عن حيوانات النيل والفرات (هل تلاحظ الفارق بين الخنزير المصري الوسخ القذر المطلي بالزبالة وبين الخنزير الأوروبي الوردي البرَّاق المغسول والمستحمي؟!) هذه أمة صارت تمشي وحدها مهزومة مفكوكة مضروبة بين الأمم بينما هي فرحانة بنفسها جداً ومبسوطة خالص كأي مريض بجنون العظمة يعتقد أنه أعظم الأمم وأفضل الشعوب وأن العالم كله يتآمر عليه ويريد أن ينال منه ويستولي علي ثرواته ويغير دينه!، وبين جنون العظمة وجنون الاضطهاد نحيا في أيدي حكام ظلمة قرروا أن يمنحوا هذا القطيع من الخراف والماعز بصوفها ولبنها وثغائها لأولادهم حمراء مشفيِّة وعندهم ألف حق فالذي لا يجد دلعاً ولا يدلع نفسه يبقي مغفلاً والذي يجد شعوباً محنية وموطية ظهرها لازم يركب، والذي تعود من الناس أن يمسحوا حذاءه كل صباح عليه أن ينتظر أن يمسحوا حذاء عياله كل مساء!