| مراقب الفنون والسياسى
| تاريخ التسجيل: Mar 2008 العمر: 52 المشاركات: 14,820 |
06-10-2009
| ليس باليونسكو نصلح أحوال العالم .. بقلم: د. حمدي حسن أبوالعينين ليس باليونسكو
نصلح أحوال العالم بقلم: د. حمدي حسن أبوالعينين
قبل نحو شهرين, وفي هذا المكان قلت: إنني لن أحزن كثيرا لو أن فاروق حسني خسر معركته في اليونسكو, فلاتزال مهام كثيرة تنتظره في مصر, ومنذ أسبوعين كنت أتصور أن يعود الوزير فاروق حسني بعد انتهاء معركة اختيار الأمين العام للمنظمة الدولية للتربية والثقافة والعلوم, راضيا بالأداء المشرف, والنتيجة التي تحققت, فقد منحه نصف أعضاء المجلس التنفيذي تقريبا الثقة والأصوات, لكنني فوجئت بالرجل الذي كان بارع الأداء طوال مراحل التصويت وقد استبد به الغضب في القاهرة فوضع علي لسانه من التصريحات ما أصاب كثيرين بالدهشة, ومنح خصومه الفرصة لتأكيد عدم صلاحية الرجل لذلك المنصب الدولي الرفيع, فهو لم يحتمل الخسارة في عمل من أعمال الديمقراطية فأعلن الحرب علي الجميع. يبدو أن الوزير ذهب إلي باريس ولديه شعور بالفوز اليقين, ولم يقف علي حقيقة المغزي وراء الأصوات التي حصل عليها في الجولات قبل الأخيرة, فالقوي التي ناهضت ترشيحه فيما يبدو اكتفت بالضغوط حتي حدود إزاحته عن المنصب, ولم يستمع الوزير جيدا للعديد من الأصوات التي حذرت من النتيجة في القاهرة قبل بدء جولات الترشيح.
الأصوات الأربعة التي رجحت كفة المرشحة البلغارية للمنصب الدولي الرفيع ليست سببا ثقافيا أو عقلانيا أو سياسيا أو عمليا لإشعال الحرب بين الشمال والجنوب, ولتعميق شعور المصريين بالهزيمة والحرمان من النصر, ولشن حرب ثقافية ضد إسرائيل, وليست مبررا لبعث الحديث عن العنصرية في العالم, والترويج لفكر المؤامرة, وللوقيعة بين أوباما وإدارته السياسية في واشنطن, فهذه الكلمات وغيرها مما حملته تصريحات فاروق حسني منذ أن عاد من باريس لم يتطرق أحد إلي أي خطأ يحتمل أن يكون قد شاب جهود الترشيح والترويج والتربيط أيضا من جانبنا, فقط أردنا القول إننا فعلنا كل شيء علي الوجه الأكمل, لكننا كنا ضحية العنصرية والمؤامرة وحقد الشمال علي الجنوب. لم نعترف بحقيقة أن المسافة بين الجهد والهدف تحتمل ارتكاب بعض الأخطاء ولابد من المراجعة
بدأ فاروق حسني مسلسل تصريحاته بالكشف عن نصيحة أسداها إليه الرئيس مبارك بعد عودته بص لشغلك وارمي ورا ضهرك, وهي نصيحة تنطوي علي رؤية واقعية, وحكمة بالغة لم ينتفع بها الوزير الغاضب, وسوف يضطر لها ولو بعد حين.
رئيس مجلس الوزراء قال له بعد عودته: كسبناك في مصر, كمل مشروعاتك العظيمة, لكن الوزير الفنان استدعي شخصيته العنيدة, وأشعل الحرب علي الجميع, وعلي اليونسكو من القاهرة بتصريحات لن تجدي شيئا, فالذين صوتوا لمصلحته قالوا كلمتهم وانتهي الأمر, ولن يدخلوا الحروب التي بشر بها الوزير في القاهرة ضد الشمال والصهيونية العالمية, ولن يتركوا المنظمة الدولية ليلحقوا بمشروع وزارته الذي يريده أن يكون بديلا عن دور اليونسكو.
تصريحات وزير الثقافة بعد العودة غاضبة ومأزومة فامتلأت بالمتناقضات والغرائب, وربما كان أكثرها إثارة للدهشة القول بتسييس الانتخابات أي خضوعها للاعتبارات السياسية. منظمة ثقافية دولية تابعة للأمم المتحدة تحصل علي ميزانيتها من الحكومات وتمارس عملها في ظل نظام سياسي دولي ونريدها منظمة خيرية تقدم أعمالها لشعوب الأرض قربي إلي الله واحتسابا عليهم. والأغرب أن المرشح المصري نفسه كان في كل الأصوات التي حصل عليها خاضعا للاعتبارات السياسية. لماذا ننكر الآن مصالح الدول وحقها في اختيار المرشح الذي يحقق لها تلك المصالح؟ ولماذا ننكر الآن تعارض المصالح وتعارض الاختيارات بين الدول؟ لا أعتقد أن هذا الكلام الذي جاء علي لسان فاروق حسني يعبر عن معتقداته الحقيقية, ربما أراد بهذا الكلام تبرير ما انتهت إليه المعركة, واستكمالا لتسويق نظرية المؤامرة بين دوائر الرأي العام المصري.
في عالم السياسة بوجه عام الكلام شيء والفعل شيء آخر, وتاريخ اليونسكو يقدم أفضل الأمثلة في هذا المجال. في سنوات الثمانينيات تزعمت تلك المنظمة في ظل قيادة مختار أمبو حركة المعارضة ضد النظام الإعلامي العالمي الجديد التي نادت به الولايات المتحدة وعدد من دول أوروبا الغربية. كانت دول العالم الثالث ودول عدم الانحياز بدعم سوفيتي تمثل معسكر المعارضة, لكنها كانت معارضة تستند إلي بلاغة لفظية, وعبارات رنانة ملأوا بها الدنيا آنذاك دون أي تهديد حقيقي للنظام الذي نادت به القوي الغربية, واضطرت القوي المعارضة إلي الموافقة علي حلول وسط لإرضاء تلك القوي, وفي النهاية لم تستطع دول العالم الثالث الالتزام بما نادت ودافعت عنه في اليونسكو في مواجهة هيمنة القوي الكبري علي تدفق المعلومات في العالم.
للأسف أثارت تصريحات الوزير بعد عودته موجة من التفكير المغلوط بين عدد من الكتاب والمثقفين في مصر وخارجها. انساق بعضهم وراء حديث التسييس والتآمر لجبر خاطر الوزير ومساندته في الأزمة التي اصطنعها, وكان أولي بهم تقديم التهنئة له علي أدائه وثقة من صوتوا له وانتهت القصة. بل إن كاتبا مصري الأصل يكاتب صحفا عربية نسف القضية من أساسها حين أنكر علي المصريين مساعيهم لرئاسة تلك المنظمات الدولية التي اعتبرها ملاجئ للأيتام, وجبر خواطر الفقراء من الدكتور بطرس غالي إلي الدكتور البرادعي إلي فاروق حسني, وتساءل في جرأة نادرة عن فائدة واحدة سبق وأن عادت علي العرب من اليونسكو! آخرون من القوميين العرب رأوها معركة للغرب ضد العرب, وأن المرشح المصري خسر المعركة بسبب انتمائه العربي, ووجدوها فرصة للنيل من العرب الذين بدأوا التأقلم مع الواقع العالمي الجديد بما يفرضه من تنكر كامل للعروبة علي حد زعمهم, بل إن فريقا ثالثا رآها فرصة للتشفي في الأنظمة السياسية العربية التي ارتمت في أحضان الغرب وهو يكره الإسلام والمسلمين, ولا بديل عن المواجهة حماية للدين والدنيا معا.
تداعيات ما بعد انتهاء معركة اليونسكو تمثل تجليات العقلية القبلية التي تسيطر علينا تفكيرا وسلوكا, فقد اختارت القبيلة, وهذا يكفي, ومن لا يتفق مع رأي القبيلة فهو مارق مطرود من رحمتها ورعايتها ويستحق عقابها, كثيرا ما نظن أننا قطعنا علي دروب الموضوعية وفقه الواقع خطوات حتي تأتينا أزمة فنكتشف أن تحت الثياب الأنيقة والكلمات البليغة قبلية مسيطرة تعوقنا عن أن نتفاعل مع العالم الذي يربط التفكير بالمصالح.
لم ينتبه أحد إلي أزمة حقيقية كادت أن تهدد بالتصدع والانقسام والشلل منظمة اليونسكو إذا تولي فاروق حسني منصب مديرها العام في ظل مواقف القوي الكبري من ترشيحه, فلو أن بعض الأصوات أفلتت من المرشحة البلغارية وانضمت للمرشح المصري ليصل إلي منصب المدير العام وهو محاط بعداء الدول التي تتحمل أكثر من ثلثي ميزانية المنظمة, وقتها سوف يواجه الرجل ضغوطا لا يستطيع تحملها, وفشلا لن يمكنه تجنبه ليجد نفسه في النهاية وحيدا يمارس أعمالا إدارية في مكتبه الأنيق في باريس, وحينها سوف نتجرع مصريين وعربا مرارة الفشل الحقيقي حين نتهم بأننا لا نصلح لقيادة مثل تلك المنظمات.
سيادة الوزير كنت مرشحا لمنصب أؤكد مرة أخري أنه سياسي, وفي عالم السياسية ليست هناك عداوات دائمة أو صداقات قائمة, وهناك مصالح دائمة, وتقتضي مصالحنا أن ننسي تلك المعركة بحلوها ومرها, وأن نتطلع إلي الكثير من المهام المنتظرة في بلد ليس في أرضها أعز من إرثها الثقافي والحضاري, فليس باليونسكو تنصلح أحوال العالم. | |