| مراقب الفنون والسياسى
| تاريخ التسجيل: Mar 2008 العمر: 52 المشاركات: 14,838 |
17-08-2009
| ليست الجماعة علي صواب دائما بقلم : جابر عصفور ليست الجماعة علي صواب دائما بقلم : جابر عصفور
أشاع الفكر السلفي مبدأين خطيرين, كان, ولا يزال, لهما تأثير سلبي بالغ في الفكر العربي الإسلامي المتواصل إلي اليوم ويري المبدأ الأول أن الجماعة علي حق دائما, وأن الخروج عليها نوع من الفتنة أو الانحراف الذي لابد من استئصاله أما المبدأ الثاني فيرد الفضل للمتقدم دائما, ولا يقبل أي جديد إلا إذا كان موافقا للماضي, وكل خلف أدني من كل سلف حسب هذا المبدأ الذي يبدو فيه الزمن كما لو كان يستدير إلي الوراء, والأمم تسير إلي الأمام لكن وعيناها في قفاها, ولا جديد تحت الشمس, وما نقول إلا معادا سبقنا إليه السلف الذين ذهبوا بالفضل كله ولم يتركوا للاحقين إلا التقليد والتكرار إلي ما لا نهاية وقد ترتب علي هذين المبدأين نتائج خطيرة, أدت إلي أفول شمس الحضارة العربية وانهيارها, ولا يزال هذان المبدآن فاعلين للأسف في الفكر السلفي السائد دينيا ومدنيا يثمر عقولا لا تعرف الإبداع الخلاق للذات الفردية أو الجمعية, ولا تقبل الاختلاف أو حق الاجتهاد أو المخالفة الفكرية أو المغامرة الإبداعية التي تخرج علي السائد والمألوف وللأسف تصاعد النفوذ الضار لهذين المبدأين مع تزايد تيارات الفكر الديني المحافظ والمتطرف علي السواء وتحول المؤمنون بالمبدأين إلي سوط عذاب علي ظهور وعقول أصحاب كل فكر جديد, خصوصا أولئك الذين يؤمنون بالتحديث المادي والحداثة الفكرية والإبداعية, ويرون في كل من التحديث والحداثة سبيلا إلي صنع مستقبل أفضل لوطن متقدم, يصنع تطوره بعقول أبنائه الذين ينطوون علي مبدأ الإبداع الذاتي.
وليس أدل علي تغلغل هذين المبدأين في الفكر السلفي القديم الذي هو أصل التخلف وبذرته الأولي في الحضارة الإسلامية من هذه الأقوال والمأثورات المتناثرة في كتب الحنابلة المتأخرين, خصوصا تلك التي نقرأ فيها قدم الإسلام لا تثبت إلا علي قنطرة التسليم, الشيطان مع الواحد, الشيطان مع من يخالف الجماعة, قف حيث وقف القوم, وقل بما قالوا, وكف عما كفوا واسلك سبيل السلف الصالح, إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار, ما ازداد صاحب بدعة اجتهادا إلا ازداد عن الله عز وجل بعدا البدعة أحب إلي إبليس من المعصية, المعصية يثاب عنها, والبدعة لا يتاب منها هذه العبارات, وغيرها كثير, تحجر علي الاجتهاد الذي يعني وضع كل شيء موضع المساءلة وإلا فلا معني له, وتمتد بمعني التسليم من الدائرة الدينية إلي غيرها فيغدو التسليم لازما للفرد الذي لا يسمح له بمخالفة الجماعة في أي مجال, في الحاضر أو الماضي, وفي الحال والاستقبال, ويبدو ذلك أوضح ما يكون في الدولة التسلطية التي تفرض إجماعا زائفا حولها بالقمع, مستأصلة كل من يخرج علي هذا الاجماع, أو في المجموعة الدينية التي تتطلب من أتباعها تسليما كاملا بما يراه قادتها أو حتي المجموعات الفكرية التقليدية المهيمنة علي الفكر العربي المعاصر, تلك التي لا تسمح لأحد بالخروج علي مقولاتها المتوارثة أو مبادئها الغالية.
وأعتقد أن الهجوم الساحق علي حسن حنفي وسيد القمني هو مثال علي ذلك فكلاهما خرج علي الجماعة في دوائر الفكر الديني السائدة, وهي دوائر سلفية أميل إلي المحافظة واستئصال الخارجين علي الجماعة وعلي فكرها الديني الذي هو فكر بشري في النهاية, يمكن وضعه موضع المساءلة أو النظر إليه بمنظور تقييمي مختلف ولكن لأن الاختلاف عن الجماعة شر, والشيطان مع من يخالف الجماعة, كما أنه مع الواحد في حال بعده عن الجماعة, فإذا لابد من معاقبة المختلف, والتشنيع عليه بتهم أقلها بدعة الضلالة, كما في حالة حسن حنفي, وهو مفكر إسلامي له وزنه في العالم العربي وخارجه, وتقديره علي ألسن العقلاء والمستنيرين من رجال الدين, أو تهمة الكفر كما في حالة سيد القمني الذي لا يستوي في القيمة والمكانة مع حسن حنفي, ولكن يحسب له أنه رجل مجتهد, يقوده اجتهاده إلي الخروج الحاد علي الجماعة, وحتي لو فارقه الصواب في هذا الموضع أو ذلك فلا ينكر عليه أحد الإثابة علي الاجتهاد حتي لو أخطأ, كما تعلمنا من التقاليد السمحة للإسلام الذي يثيب المجتهد في كل الأحوال.
وكم كنت أرجو لو لم تصدر دار الإفتاء البيان الذي أذاعته في تكفير سيد القمني, اعتمادا علي بعض أقوال منتزعة من كتبه, فالمفتي الجليل يعرف قبل غيره أن النصوص يمكن أن تؤدي نقيض معناها لو انتزعت من سياقاتها, علي طريقة السكوت بعد ولا تقربوا الصلاة وعنف لهجة البيان حول كفر المقتبسات يدل علي عدم قراءة النصوص في سياقاتها, أو تأويلها بأكثر الأساليب حرفية وتشددا وإساءة ظن وما كان يضير دار الإفتاء لو تدارست كتب سيد القمني كلها, وأبانت ما بها من عوار, لكن مهما كان العوار فهو لا يدعو إلي التكفير الصريح, ويتجاهل حق المجتهد الذي يثاب علي اجتهاده مهما كانت نتيجة الاجتهاد ولا أزال أدعو الذين لهم اعتراضات كثيرة علي اجتهادات سيد القمني, وأنا واحد منهم, إلي أن يقرأوا كتبه كاملة, ويردوا علي ما فيها بالطريقة العقلانية الهادئة التي رد بها جمال الأفغاني علي شبلي شميل فيما كتبه في الرد علي الدهريين, أو ما كتبه الشيخ الجليل محمد فريد وجدي ردا علي ما ذهب إليه إسماعيل مظهر في مقال لماذا أنا ملحد وكان محمد فريد وجدي رئيس تحرير مجلة الأزهر في ذلك الوقت سنة.1936 وفي مثل هذه الأحوال, يكون الرد علي الاجتهاد بالاجتهاد, فيثري الفكر الإسلامي ويقوي, وتزدهر تياراته العقلانية التي هي أقدر علي الإضافة الخلاقة لهذا الفكر ودفعه إلي مسايرة العصر واستيعاب روح التقدم, فالإسلام دين العلم والمدنية حسب شعار الإمام محمد عبده, والتفكير فريضة إسلامية فيما عنون العقاد أحد كتبه, وتقدم العلم كالمدنية لا يبدأ إلا بالتفكير الذي يعني الاختلاف, والاختلاف يعني, بدوره, عدم موافقة الجماعة في كل الأحوال ولن ننسي أن الخروج علي الجماعة الذي أنتج روح الإبداع الساخر في شعر أبي نواس, والناقد في شعر المتنبي وقبله أبو تمام, فضلا عن الشاعر المفكر الذي يحتل قمة ساحقة في تراثنا, أعني أبا العلاء المعري, وهو الذي أنتج أهم مبادئ الفكر الاعتزالي والفلسفي, ابتداء من الكندي إلي ابن رشد, الضوء الأخير في توهج الحضارة العربية وكان الأساس عند هؤلاء جميعا رفض مبدأ الإجماع الذي أذاعه الفكر السلفي قديما وقد ذهب إلي ذلك أمثال إبراهيم النظام أستاذ الجاحظ العظيم وجابر بن حيان, وأبو حيان التوحيدي الذي نقرأ في مقابساته الحق لا يصير حقا بكثرة معتقديه, ولا يستحيل باطلا بقلة منتحليه, كما نقرأ عند ابن النفيس الحق حق في نفسه, لا لقول الناس له.
ولا يخامرني الشك في أن المحرك الأول للإبداع في أي مجال هي المخالفة التي تبدأ بوضع كل ما هو سابق موضع المساءلة, والبدء من حيث انتهي السابقون لا علي سبيل التقليد, بل علي سبيل الإضافة التي تقيس دائما علي ممكنات المستقبل الأفضل, غير عابئة في حركتها بآراء الجماعة, أو ما هو قائم ولولا ذلك ما تخلق الجديد الخلاق, دائما, في كل فكر ديني أو مدني, وفي كل إبداع, فالتطور الخلاق للأمة مرهون بروح الشك والتجريب والسعي إلي اكتشاف الآفاق التي تظل, دائما, في حاجة إلي الكشف ولذلك فمن الضروري أن نتحدث عن ضرورة وجود صحوة إسلامية, شريطة أن تكون صحوة عقلانية, تبدأ من التيارات العقلانية في التراث الإسلامي, وتضيف إليها حسب مقتضيات العصر, وهذا ما فعله الإمام محمد عبده الذي بدأ من حيث انتهي المعتزلة وأضاف إليهم, كما يفعل الشيخ أحمد الطيب والدكتور أحمد كمال أبو المجد وعبد المعطي بيومي ومحمود زقزوق, وغيرهم من القلة التي تعمل جاهدة لصد طوفان التطرف السلفي وتيارات التعصب التي تبدأ من الإخوان المسلمين ولا تنتهي بجبهة علماء الأزهر الذين سبق لهم تكفير حسن حنفي لولا دفاع العقلاء المستنيرين من أهل الأزهر عنه والمستقبل المظلم مرهون بانتصار الفكر السلفي الجامد, أما المستقبل المشرق فلا سبيل إليه إلا تيارات العقل والعلم والتجريب في ظل سلطة سياسية لا تفرض الإجماع وترعي التعدد والتنوع والاختلاف بوصفها من شروط المواطنة الحقة. | |