| مراقب الفنون والسياسى
| تاريخ التسجيل: Mar 2008 العمر: 52 المشاركات: 14,841 |
10-10-2009
| في حضرة المهاتما غاندي .. بقلم: د. عبدالمنعم سعيد في حضرة المهاتما غاندي بقلم: د. عبدالمنعم سعيد
كان الأمر نوعا من المصادفة البحتة حينما كنت أعد العدة للكتابة عن أصول المسائل المعروضة للنقاش ـ أو السجال إذا شئت الدقة ـ العام في مصر هذه الأيام, فنصل إلي جذورها بدلا من التعامل مع أعراضها, والبحث في جوهرها بدلا من الاستسلام للهواجس والنعوت التي ضخمتها أجهزة إعلام لا تجد ما تملأ به فراغها أو لا تعرف أولوياتها وأولويات البلاد علي وجه الدقة. وفي الأسبوع الماضي كان أول البحث في الحرب والسياسة, حيث تلك العلاقة الدقيقة والحرجة ما بين استخدام العنف المسلح وأدوات السياسة الأخري لتحقيق أغراض وأهداف سياسية قومية جري التوافق عليها بين أركان الجماعة الوطنية. وعندما حل أوان البحث الثاني في قلب المعضلة أتت الأقدار بدعوة من السفير الهندي في القاهرة ـ ر. سوامناثان ـ للمشاركة في ندوة عن مدي ملاءمة فلسفة وأفكار غاندي لعالم اليوم.
انعقدت الندوة يوم الرابع من أكتوبر وفي مقــــر جامعة الدول العربيـــــة. أمـــــا المناســبة فكـــان مصدرهــــا قرار الجمعية العامـــة للأمم المتحدة في15 يونيو2007 باعتبار الثاني من أكتوبر ـ يوم ميلاد غاندي ـ يومـا عالميا لـ اللا عنف أو رفض العنف إذا شئت, للأمم حيث لا توجد ترجمة عربية سهلة للتعبيرNon-Violence.
وهكذا انعقد الحفل من نخبة بارزة, يتقدمها الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسي, والسفير الهندي في القاهرة, وعالم السياسة الدكتور علي الدين هلال, ووزير الخارجية الأسبق أحمد ماهر, وسكرتير عام حزب الوفد منير فخري عبد النور. ما جري في الندوة من آراء ومناقشات ليس هنا مكان عرضها, ولكن قضيتنا الرئيسية هنا هي كيف استطاع هذا السياسي الهندي التعامل مع قضية الاحتلال الإنجليزي لبلاده الذي استمر لقرون. فما نحن بصدده هنا في مصر خلال الأسابيع الماضية, واختطف منا الوقت والطاقة, لم يكن عما إذا كانت إسرائيل عدوا لطيفا أو مجرما, أو عما إذا كانت الدولة العبرية تهدد الأمن القومي المصري أم لا, أو عما إذا كانت القضية الفلسطينية عادلة ومشروعة أم غير ذلك, وإنما الجوهر هو الكيفية التي يتم بها التعامل مع هذا الوضع التعيس الذي جعل الاحتلال قائما, والعنف مستمرا, والتهديد حالا, والعدالـــة والمشروعيــــة مجروحــة في عالم لا نوجد فيه وحدنا.
حضور غاندي إلي هذه الساحة بفكره وفلسفته فرض علي المتحدثين حالة, حاولت أن تعبر عن أفكار الرجل بالطريقة التي تخلط بمهارات لغوية لافتة للنظر بين المهاتما أو الروح العظيمة وتشي جيفارا, أو بين القائد الهندي الذي رفض كل أشكال العنف وهوشي منه, أو بين الرجل الذي رفض العنف بكل أشكاله وطالب بالمقاومة السلمية وبين هؤلاء الذين اعتبروا العنف واستخدام القوة المسلحة الوسيلة التي لا غني عنها لمقاومة الظالمين. والحقيقة أن حضور غاندي إلي ساحتنا لم يكن أول الحضور لفكره, فقبل شهور كان الرئيس الأمريكي باراك أوباما قد جاء إلي القاهرة برسالة إلي العالم الإسلامي, قالها من تحت قبة أكبر جامعات مصر.
ومن بين أفكار كثيرة طرحها, جاءت واحدة منها تطالب العرب والمسلمين بتأمل مسيرة مقاومة السود في الولايات المتحدة, والتي خاضت مسيرة طويلة من العبودية وحتي وصول أول رئيس أمريكي من أصول إفريقية سوداء إلي البيت الأبيض, الذي مثل وصول المسيرة إلي غايتها من ناحية, وانتصارا أيضا لفكر الرجل الذي صاغه في حركة الحقوق المدنية مارتن لوثر كينج الذي كان أيضا من أنصار المقاومة السلمية. وللحق فإن أفكار غاندي ـ كينج لم تكن قائمة وحدها في الساحة الأمريكية, ولا الهندية أيضا, بل كانت هناك أفكار أخري تقوم علي ضرورة المواجهة المسلحة, والعنف الذي يسلب الخصم, أو الخصوم, قدراتهم وقوتهم التي تجعلهم يستمرون في تكريس أوضاع ظالمة. وفي الحالة الأمريكية كانت الفكرة المقابلة قائمة لدي مالكولم إكس, وجماعة الفهود السوداء, وغيرهم. ومن المدهش تاريخيا, أو كما يقال عن سخرية الأقدار, أن يتم اغتيال مالكولم إكس عن طريق أمريكي أسود أكثر تطرفا في استخدام العنف, تماما كما تم اغتيال غاندي من قبل هندوسي متعصب, بينما تم اغتيال لوثر كينج الذي دعا للمقاومة السلمية من قبل أمريكي متعصب أبيض.
في هذه الحالات التاريخية تم الصدام المباشر والعنيف بين الأفكار الكبري حول إستراتيجية التحرير والخلاص, وبين حالات نقية للمقاومة السلمية من جانب والمقاومة العنيفة من جانب آخر. وبقدر ما كان ذلك شاهدا تاريخيا علي مشروعية الخلاف الشديد بين الأفكار, فإنه أكد من ناحية أخري ضرورة التفاعل والاستفادة من كلتا الفكرتين, وهو ما أوضحناه في مقال الأسبوع الماضي حول تلك العلاقة الجدلية بين الحرب والسياسة والطريـــقة التـــي جري بها التطبيق علي الحالة العربية من خلال حرب أكتوبر1973 ومسيرتها السلمية حتي تحرير الأراضي المصرية المحتلة في سيناء وحتي بعض من الأراضي السورية في الجولان أيضا.
ومن الجائز أن فكر القوة ذائع بشدة في الفكر المصري والعربي, ومقولة إن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة من أكثر المقولات شيوعا وانتشارا حتي ولو كانت القوة مفهومة فقط ضمن إطارها القائم علي العنف, والقدرة علي الإيذاء, ومواجهة الآخر وفق قاعدة العين بالعين والسن بالسن. ولكن ما غاب عنا كان ذلك الجانب من القوة الذي أدركه غاندي حينما علق علي القاعدة الأخيرة بأنها سوف تحيل كل من في عالمنا إلي جماعة من العميان!. وكان ما فعله غاندي في تفكيره السياسي هو ما فعله كل المفكرين والفلاسفة في التاريخ, وهو البداية من النقص الموجود في الإنسان والذي يجعله عاصيا وساعيا إلي الخطيئة والشر, وهل هناك ما هو أكثر شرا من العنف والقتل والاحتلال والاستغلال. ولذا فإن غاية كل الأفكار العظمي من الأديان إلي المفكرين هو الوصول إلي الهداية, والارتقاء, وسيادة الأخلاق والمثل. ولذا فإن قضية غاندي ومن سار مذهبه كانت تحقيق السمو الذاتي للضحية المظلوم الواقع تحت الاحتلال فوق الجاني والمستعمر والمستغل إلي الدرجة التي تجعله يتخلي عن ظلمه وجبروته. ويتم ذلك عن طريق ثلاثة أساليب مرتبطة ببعضها:
أولها المقاومة السلمية بالرفض والمطالبة بالحق وتحمل الألم الناجم عن المواجهة ما بين عدو مسلح بكل شيء, وغاشم في كل حق, وجماعة لا يوجد لديها سوي أجساد عارية, ولكنها تملك تلك الطاقة الهائلة للإيمان بحقوقها. وربما كانت الانتفاضة الفلسطينية الأولي ـ1987 إلي1990 ـ هي أقرب الأمثلة العربية لما كان يقول به غاندي حيث كانت تلك الصورة المهيبة لمواجهة الدبابات الإسرائيلية العاتية بحجارة أطفال فلسطينيين لا يملكون سوي الإيمان بقضيتهم. ولم يمض وقت طويل حتي كان العالم يستيقظ علي قضية سكت عنها طويلا, وفي داخل إسرائيل نفسها عاد التساؤل بشدة حول أخلاقية استمرار الاحتلال, تماما كما حدث ساعة زيارة الرئيس السادات للقدس عندما وضع الإسرائيليين في العار الأخلاقي لاحتلال أراضي الغير.
وثانيها الاعتماد علي الذات وإعادة صنع الإنسان مرة أخري بتحقيق الاكتمال الأخلاقي والنفسي للضحية والمظلوم من خلال رفضه الاعتماد علي الآخر, واستعداده للعمل والإنتاج. فتوازن القوة لم يختل إلا بسبب ذلك الفارق الهائل الموجود ما بين المستعمر ـ بكسر الميم الثانية ـ والمستعمر ـ بفتح الميم الثانية ـ وما بين الجاني والضحية, والظالم والمظلوم. وعندما يكون صاحب الأرض معتمدا علي الغزاة في المأكل والملبس وحتي في الملح الذي يضعه علي طعامه فإن ذلك يجعل الاستعمار حقيقة موضوعية معبرة عن حقائق التفوق والضعة, والتقدم والتخلف, والعلم والجهل, والفقر والغني. هنا فإن عملية التحرير تكتسب أبعادا أكبر بكثير من مجرد استرداد الأرض وإقامة الدول المستقلة, وإنما لا يقل أهمية عن ذلك تحرير الإنسان من ضعفه وهوانه وجهله, وهو ما جعله في الأصل عرضة لاستغلال وقهر الآخرين.
وثالثها تحرير المجتمع من استعماره واستغلاله وسيطرته وهيمنته الداخلية, فلا يجوز التحرر من الاحتلال الإنجليزي وحده في الحالة الهندية بينما يجري اضطهاد الأقلية المسلمة, أو المنبوذين, أو المرأة, أو باختصار التمييز داخل المجتمع الواحد علي أساس من الدين أو العرق أو الجنس أو أي اختلاف آخر. ولو كان غاندي بيننا اليوم لكان مناضلا في مواجهة إسرائيل, ولكنه كان سيكون مناضلا أيضا من أجل صدور قانون موحد لدور العبادة في مصر, ولتساءل مع القيادات الفلسطينية لماذا يهاجر المسيحيون الفلسطينيون من أرض فلسطين, ولطالب الجميع بالعمل من أجل مساواة المرأة بالرجل إلي الدرجة التي لا تجعلها تحتاج قانونا خاصا حتي تصل إلي المجلس التشريعي ؟!
فهل نطلب تطبيق فلسفة وأفكار غاندي علي الصراع العربي ـ الإسرائيلي؟ والإجابة حتي لا يسيء أحد فهم القصد والنية هي بالتأكيد لا, فالرجل علي نبله وسموه كان ابن زمانه ومكانه, ومن ناحية أخري فإن الرجل فشل فيما سعي إلي تحقيقه, وجاء مصرعه علي يد متعصب هندوسي وهو الذي قضي حياته يبشر باللاعنف. وجري تقسيم القارة الهندية بين الهند وباكستان, وهو الذي حاول بكل الطرق أن يوحد المسلمين والهندوس وباقي الطوائف الهندية الأخري. وبعد عقود من اتباع فلسفة الاعتماد علي الذات وجدت الهند نفسها في عام1992 متخلفة عن بقية العالم, خاصة الصين, فذهبت في اتجاه البحث عن الاعتماد المتبادل الذي يلقي بها إلي ساحة المنافسة في السوق العالمية للسلع والبضائع والخدمات والأفكار. وبعد أن كان صاحب الروح العظيمة يكره السلاح بالمطلق فإن الهند الآن ليست فقط واحدة من القوي النووية في عالمنا, بل إنها واحدة من القوي العسكرية المنافسة في المياه الزرقاء أي الكونية الساعية لكي تكون واحدة من القوي الكبري التي يحسب لها حساب.
ولكن برغم ذلك كله فإن القضية ليست عما إذا كانت مجموعة من الأفكار قد نجحت أو فشلت في مجال محدد, ولكن مدي ملاءمتها لقضية وظروف بعينها. فمهما تكن القوة مهمة في إطار الصراعات الإقليمية التي تهمنا, فإنه لا توجد قضية قدر الصراع العربي ـ الإسرائيلي يجري فيها الصراع الأخلاقي والنفسي والفكري وحتي الديني بين العرب والإسرائيليين. ولا توجد قضية مثل القضية الفلسطينية تمت فيها الخسارة الكبري ـ جزئيا علي الأقل ـ عندما تخلي المثقفون والمفكرون عن أدوارهم في المواجهة الأخلاقية والفكرية, ونعم السياسية, مع الطرف الآخر. وبشكل من الأشكال بدا لأصحاب الفكر العرب, وباستثناءات قليلة مثل إدوارد سعيد ـ رحمه الله ـ أن لقاءاتهم مع بعضهم البعض, واستنكارهم الجوهر اللا أخلاقي للدولة الإسرائيلية عندما تقوم بالعدوان أو الاستيطان أو الاحتلال, هو في حد ذاته كاف لإثبات عدالة القضية. وفي هذا ظهر هؤلاء مثل جيش قرر الانتصار من خلال المناورات العسكرية التي يقيمها فوق أراضيه بين فرق زرقاء وحمراء, تكون نهايتها دائما انتصار الطرف الذي له اللون المميز لجيش الدولة.
والفارق هنا أن الجيوش تعرف أن مثل هذه المناورات والتدريبات تجري استعدادا ليوم موعود, تكون فيه المواجهة قائمة وحارة ودامية علي الأرض المراد تحريرها, كما حدث في تلك الأيام العظيمة لحرب أكتوبر1973. ولم يكن ممكنا للرئيس أنور السادات أن يذهب إلي القدس إلا ورأسه مرفوعا نتيجة الحرب الوطنية, ولكنه من جانب آخر لم يكن يستطيع بعد أن سقط من سقط من الشهداء أن يترك دماءهم تذهب سدي دون ترجمة علي أرض الواقع تحرر الأرض والعرض معا. أما أصحابنا من المثقفين الذين قرروا أن الحرب تبدأ وتنتهي مع بداية المقال ونقطة نهايته, أو عند بداية البرنامج التليفزيوني أو المؤتمر الحزبي أو الندوة السنوية التي تذكر بقيام إسرائيل ووعد بلفور والنكسة والنكبة, ولحظة نهايتها, وبعدها يعود الجميع إلي بيوتهم بعد أن استراحت القلوب والضمائر, فإنهم حال ذلك لا يحررون أرضا ولا يردون كرامة.
ومهما قيل عن مدي نجاح فلسفة الاعتماد علي الذات التي نادي بها غاندي فإن جوهرها أعمق من مجرد حرمان المستعمر والظالم من قدرته علي الاستغلال والتحكم, وإنما الأهم من ذلك هو ما تضعه لأصحابها من قدرة علي الانضباط وحث علي الإنتاج, ومواجهة الطرف الآخر كأنداد ليس فقط فيما يخص أرضا محتلة, أو سعيا إلي استقلال دولة, وإنما خلق هذه الحالة من الثقة بالنفس, ورفض الدونية الثقافية والتقنية. وربما كانت الهند قد تأخرت عن أقرانها في آسيا في عملية التنمية, ولكنها عندما عادت كان لديها ما يكفي من القاعدة العلمية, والقدرة النفسية علي عبور قضايا كبري, مثل النزاع مع الصين وباكستان لكي تجعل لنفسها دورا اقتصاديا عالميا كان آخرون قد سبقوها إليه. فهل نتذكر ذلك أيضا وسط النقاش والسجال الدائر الآن, ونجعل واحدة من أصول المسائل, أن آخرين سبقونا كثيرا وآن أوان اللحاق بهم؟!.الحديث عن ذلك يطول!!. | |