| مراقب الفنون والسياسى
| تاريخ التسجيل: Mar 2008 العمر: 52 المشاركات: 14,820 |
02-08-2009
| فضل النيل علي مصر وفضلها عليه بقلم : د. طه عبد العليم فضل النيل علي مصر وفضلها عليه بقلم : د. طه عبد العليم
قيل وبحق: إن المصريين أجهل الناس بمصر! وليس أوضح وأسوأ من الجهل التاريخي بأفضال حضارة مصر سوي الجهل الجغرافي بأصول نهر النيل, وهو عار علي أمة بادرت بصنع التاريخ في فجر الحضارة وطوعت الجغرافيا في قلب العالم. ولعل كتاب حضارة مصر أرض الكنانة للدكتور سليمان حزين من روائع الفكر المبدع في مجال المعرفة والتعريف بجغرافية وتاريخ مصر والنيل, ومن ثم وجبت قراءته علي المصريين وخصوصا شبابهم.
ويلخص عالمنا الجغرافي الموسوعي العظيم في كتابه المذكور نتائج بحوثه الرصينة, التي استغرقت ما يزيد علي نصف قرن من الزمان, وقدمت اسهاما رائدا في كشف فضل النيل في تكوين مصر, وتسجيل فضل مصر في إبداع الحضارة. وكما سجل حزين بكلماته: إن نسبة فضل التكوين الأول للتراب المصري ترد إلي مصدره الطبيعي وهو نهر النيل العظيم. ولكن إعداد هذا التراب وهذه الأرض وتهيئتها لأن تكون بيئة صالحة لقيام الحضارة البشرية التي نعرفها, ثم استغلال تلك البيئة واستدرار خيرها والحفاظ عليها وتنميتها علي مر الزمن.. كل ذلك إنما كان من عمل الإنسان المصري!
وقد كان أجداد المصريين يعيشون علي سطح الهضاب المحيطة بالوادي قبل معرفة الزراعة والاستقرار. وعندما بدأ عصر الزراعة كان طبيعيا أن يستقر الأجداد أول ما يستقرون علي الحافة الخارجية للوادي والدلتا حين كانت المستنقعات لا يزال تغطيهما بعد أن بدأ الجفاف التدريجي يصيب الصحراء إثر نهاية العصر المطير. وبين حوالي8000 ق.م. وحوالي5500 ق.م. كان النيل نهرا عاتيا يفيض بغير انتظام, ويحول مجراه أو مجاريه من جانب لآخر علي غير هدي, ويجرف التربة ثم يرسبها بغير انتظام أيضا, وتغطي المجاري المائية والبحيرات والبراري معظم قاعه خلال جزء كبير من العام, بحيث لا يمكن أن يكون القاع صالحا لغير حياة صيد الماء أو جمع الثمار والالتقاط في فترة انخفاض الفيضان. وبعبارة أخري كان النهر سيد مجراه المطلق وسيد الطبيعة والإنسان معا. بحيث لا يمكن أن تقوم في مجراه أو دلتاه حياه مستقرة تمهد للحضارة التاريخية التالية.
وبين الألفية السادسة والألفية الرابعة قبل الميلاد, في عصر ما قبل الأسرات الفرعونية, بدأ المصريون ينزلون بالتدريج إلي قاع الوادي وبعض جهات الدلتا, ويتخيرون المواقع العالية نسبيا للاستقرار. لكن استقرارهم كان مؤقتا وغير دائم طالما لم يجرؤا بعد علي مغالبة النهر الجامح, الذي يهدد فيضانه الحياة علي ضفتي النهر كل عام. ثم بدأ المصريون يقيمون بالتدريج بعض الكومات الصناعية من أتربة الأرض فوق البقاع العالية حتي يقيمون قراهم فوقها, أو حاولوا الاستقرار قرب مجري النهر إذا نجحوا في إقامة بعض الجسور حوله. وبدأت بعض الجماعات تحاول اقامة جسور طولية وعرضية تقسم قاع الوادي إلي حيضان تجري المياه إليها عن طريق قنوات محفورة, وتصرف منها إلي مجري النهر ثانية بعد ترسيب ما فيها من طمي الفيضان.
وعلي هذا النحو بدأ الإنسان المصري في عصر ما قبل الأسرات يستعمر الوادي ودلتاه, ويضبط جريان مياه الفيضان, بل ويحكم ضبط مجري النهر ذاته, ويحصره بين الجسور والشطوط الجانبية, بكفاحه الدءوب المتصل والمنظم في صورة تعاونية متكاملة. والواقع أنه حين بدأت الموارد المائية للنيل الشمالي تجف حدث تطور جوهري في حياة النيل بوصول مياه منابعه الجنوبية متكاملة: أولها منبع حبشي فصلي ولكنه غزير المياه وفير الطمي, وثانيها منبع استوائي قليل المياه ولكنه دائم الجريان. وكان لهذا أثر كبير في تركز حياة المصريين في وادي النيل, لأن قلة الأمطار لما حل من جفاف تدريجي أدت إلي ضيق مجال العيش أمامهم, وتضاءلت مواردهم سواء من جمع والتقاط الثمار أم من صيد واقتناص الحيوان.
بل إن الحيوان ذاته أخذ يهجر مناطق المراعي المتضائلة إلي حافات الوادي وقاعه حيث يجري الماء وتعيش النباتات معتمدة علي مياه النهر أكثر من اعتمادها علي تساقط الأمطار, فانحصر مجال تنقل المصريين علي طول مجري الوادي أو في بعض أرجاء دلتاه. وكان هذا أول دور تركزت فيه الحياة البشرية, وبدأ طور جديد في الحضارة عندما تعلم الإنسان استنبات النبات وتربية الحيوان في مصر.
وقد جمع نهر النيل, في مصر علي الأقل, بين ظاهرتين متناقضتين ومترابطتان. أولاهما, أنه من أحدث أنهار العالم الكبري تكوينا, وثانيتهما أن واديه كان مهدا لحضارة لأعرق الحضارات. وتمثل مراحل تطور الوادي ودورات تكوينه سبيل التفهم الوحيد لمقومات الحياة البشرية, التي استقرت قبل التاريخ وفي مطلعه, بعد أن وجدت بيئتها الصالحة فنمت ثم استمرت. فقد كان للنيل الفضل الأسبق في حفر مجراه إلي البحر المتوسط عبر النطاق الصحراوي في واديه الأدني, ثم بدأ يردم ما حفره بالتدريج, فملأ قاعه وبعض جوانبه بطبقات من الحصي والحصباء والرمال الخشنة. وبعد ذلك أخذت روافد النيل الحبشية تتجه بمياهها نحو الشمال وتبلغ الوادي الأدني, لتلقي علي سطح قاعه الرملي والحصاوي طبقة من الطمي.
وكلما ارتفع سطح البحر زاد الإرساب والتحول من دورة نحت وتعميق إلي دورة ردم وإرساب في الدلتا ومصر الوسطي. ثم تراجعت نحو الجنوب دورة النحت ليعمق النهر مجراه ويزيل الجنادل والشلالات في النوبة, ثم أخذت تمتد نحو الجنوب حتي بلغت أقصي الصعيد دورة الإرساب التي ظهرت في الدلتا في أعقاب دورة النحت. وقد انطوي تاريخ تكوين نهر النيل لاسيما في القسم الأدني من واديه علي تنظيم وتتابع متسق, كان جعل البيئة الطبيعية المصرية صالحة لأن تقوم فيها حضارة مستقرة. فالوادي نفسه قد حفر في هضبة مستوية, ثم ردم برواسب جلبتها أمطار العصر المطير غطت الطبقات الخليجية الملحة التي توجد في قاع الوادي.
حيث لم تكن لنهر العطبرة إذ ذاك شدة الانحدار وقوة النحت التي تمتاز بها منابعه الآن فقد اقتصر جريان النيل في الشمال علي المياه التي تأتيه من الصحراء الشرقية والنوبة وما جاورها أثناء معظم العصر المطير فأتت منها رواسب من مواد خشنة أو حصباوية كونت المدرجات الجانبية وملأت قاع الوادي, وكانت بمثابة البطانة لما جاء بعدها من رواسب الحبشة الدقيقة بعد أن اتصلت بنهر النيل الأدني لترسب في الطبقات العليا من التربة المصرية. وكان لهذا التتابع في الرواسب قيمته العظمي في تكوين التربة المصرية, إذ تعتبر الطبقات الخشنة في القاع بمثابة المصفاة التي تتشرب المياه وتجري بها تحت سطح الماء حتي تبلغ البحر, وأما الطبقة العليا من التربة فتكونت من رواسب الحبشة الغرينية الناعمة وغير المسامية.
ولو أن التتابع انعكس لتعذر انصراف المياه الجوفية من التربة نظرا لعدم مسامية طبقات الطمي, ولانتهي ذلك إلي تكوين المستنقعات علي السطح وإضعاف صلاحية الأرض للزراعة والاستقرار. وكان نزول السكان في عصور ما قبل التاريخ إلي وادي النيل نقطة تحول خطير في حياة مصر والمصريين, حيث بدأ الأخيرون يقيمون أسباب الحياة المستقرة والحضارة الزراعية حين ارتبطت حياتهم بقطع معينة من الأرض, وحلت الوحدة الإقليمية محل الوحدة القبلية, ثم يوحد المصريون الصعيد والدلتا, لتظهر الي الناس أول أمة وأول دولة قومية مركزية مع انبلاج فجر التاريخ المكتوب. ولولا أن الإنسان المصري قد كبح جماح النهر, بل وألجمه كما تلجم الفرس العاتية, لما قامت مصر بصورتها التي مهدت لقيام الحضارة.
ومن هنا يقول حزين مخالفا هيردوت إن مصر الحضارة ليست هبة النيل.. بقدر ما هي هبة الإنسان المصري للحضارة الإنسانية والتاريخ البشري, أو هي في الحقيقة ثمرة جهاد الإنسان المصري في بيئة صالحة. فالزراعة في مصر لم تكن منذ بدايتها زراعة بدائية, كتلك التي تعتمد علي الأمطار, وإنما زراعة هندسية تعتمد علي تنظيم جريان النهر, فبرزت فيها براعة المصري في أن يستنبت الزرع ويربي الضرع ويقيم المدنية والحضارة, وهذا فضل مصر علي النيل, وهو ما عليها مواصلته بتعزيز التنمية المشتركة. | |