النتائج 1 إلى 2 من 2
  1. #1
    master.ms غير متواجد حالياً
    مصرى صاحب مكان الصورة الرمزية master.ms
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    العمر
    57
    المشاركات
    15,549

    افتراضي عن الوطن والوطنية ... بقلم د. جابر عصفور

    عن الوطن والوطنية ... بقلم د. جابر عصفور


























    عن الوطن والوطنية





    بقلم د. جابر عصفور
    كلمة «الوطن» كلمة حديثة نسبيا فى الفكر السياسى والاجتماعى، لا يجاوز زمن صياغتها القرن التاسع عشر، من حيث هى اصطلاح أو مفهوم، تشكلت دلالاته قرينة الحروب التى أدّت إلى تقويض الإمبراطوريتين النمساوية والعثمانية، وأقامت على أنقاضهما ما أصبح يسمى بالوطن الألمانى والإيطالى واليونانى، وغيرها من الأوطان الحديثة، فى مدى السياق الذى أبرز المطالب القومية التى جمعت ما بين التشيك والسلوفاك والرومانيين والبولنديين وتبلور المفهوم بفضل الكتّاب والشعراء والدعاة السياسيين فى الصحف والكتابات التى حملت لواء الدعوة الوطنية التى أصبحت رابطة جديدة، تجذب إليها النفوس، وتشعل القلوب حماسة الانتساب إلى بقعة جغرافية بعينها لأرض واحدة، تجمع بشرا تصل ما بينهم لغة ومصالح مشتركة، فضلا عن هموم وأمانى واحدة، تتجسد بها رغبتهم فى الاستقلال عن أى كيان أكبر يذيبهم فيه، أو يلغى وحدتهم الذاتية، أو يحارب أمانيهم فى الاستقلال التام، والوحدة التى سرعان ما اتخذت الدعوة إليها اسم النزعة «الوطنية» التى أصبحت قرينة الحرية والديمقراطية وهى نزعة لا تنفصل عن التضحية بالمال والجهد والروح فى سبيل تجسيد استقلال وحرية هذا الكيان الصاعد، الواعد أبناءه بمستقبل عامر بالقيم التى رفعت الثورة الفرنسية (1789) شعاراتها: الحرية والإخاء والمساواة، وترتب على ذلك أن أصبحت «الوطنية» عقيدة من نوع جديد، هى تمجيد لكيان علائقى، أصبحت التضحية فى سبيله فرضا على كل من يعيشون فيه وبه وله فى آن، تجرى محبته فى نفوسهم مجرى الدماء فى الشرايين، والروح فى الجسد، فلا يغدو لهم واجب فى الحياة أكثر أهمية من العمل على تحقيق حريته التى تعنى استقلاله التام، وذلك بما يحقق المساواة والإخاء بين أبنائه الأحرار، والعدل بين حكامه ومحكوميه.

    ولذلك يقوم معجم الفكر السياسى الذى أعدّه روجر سكرتون (لندن 1984) بتعريف الوطن على أنه دولة مستقلة، ذات سيادة، على أرض محددة، يسكنها بشر متحدو اللغة واللهجات المتفرعة عنها تصل بينهم عادات وتقاليد مشتركة، وموروثات يجمعها تراث واحد، يغدو أساس «القانون» الذى يحدد المصالح والأمانى المشتركة التى تسهم فى تجسيد رغبة الاستقلال والسيادة على الأرض التى تغدو وطنا، تربط بين مواطنيه قيم المواطنة التى تستند إلى تاريخ واحد، قد يعلو على تعدد الأعراق فى الوطن الواحد، أو لا يفارق الوحدة العرقية التى تتجاوب والمصالح المشتركة للمواطنين، على كل المستويات التى تتأسس بها الهوية الوطنية التى هى المعادل لوحدة التاريخ والمصالح والمشاعر التى تتكون منها، وتستند إليها، النزعة الوطنية. ويؤكد سكرتون أن هذا التعريف الاجتماعى للوطن، يستلزم استناده إلى مجتمع مدنى يقصد إلى وطن دعامته حكومة قائمة على تشريعات بشرية، تستمد شرعيتها من مواطنين أحرار، وتتشكل فى مؤسسات تحددها البنى الاجتماعية للعلاقات البشرية التى تفرض ملامحها على الدولة ويعنى ذلك، أولا، التلازم الوثيق بين مفاهيم الوطن والمواطنة والوطنية والدولة المدنية على السواء، كما يشير، ثانيا، ولو على نحو ضمنى، إلى اقتران المواطنة التى تصل بين الحرية والمساواة فى الحقوق والواجبات، داخل دولة مدنية، يشارك البشر فى صنع دساتيرها التى تغدو إطارا مرجعيا لعلاقاتهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التى هى علاقات متجاوبة، تسهم فى تحديد هويتهم الثقافية التى هى، بدورها، الموجه الملازم لهويتهم الوطنية.

    وأتصور أن الوعى بالوطنية، نتيجة ذلك، هو وعى بهوية ذاتية، لا تكتمل، عادة، إلا من خلال وعى ضدى متوتر إزاء آخر، يغدو نقيضا، يدفع إلى الاستقلال عنه والتحرر منه، فالأنا الجمعية كالأنا الفردية لا يتأسس وعيها الذاتى بنفسها إلا فى علاقتها المتوترة بآخر هو غيرها الذى يقع موقع النقيض، مهما كانت الغواية التى ينطوى عليها حضوره الذى قد يجمع بين نقائض دالة، وهذه القاعدة واحدة فى جوهرها الفاعل الذى كان وراء تحديد معانى «الوطنية» فى الأقطار الغربية، قبل أن ينتقل منها إلى مصر، بفعل الوعى متعدد الأبعاد لعمليات المثاقفة، ولذلك كان من الطبيعى أن يقترن الوعى الوطنى المصرى، فى بداية تأسسه بحضور الآخر الأجنبى المتقدم، سواء من حيث الإفادة من علومه اللازمة لمجاوزة التخلف، أو ما يمكن أن يقترن به، وما سوف يظل مقترنا به من نزوع عدوانى، استعمارى، بدأ مع الحملة الفرنسية سنة 1798 وكانت البداية مع الشيخ رفاعة الطهطاوى (1801 ــ 1873) فى كتابه الأول «تخليص الإبريز فى تلخيص باريز» الذى انتهى من كتابته سنة 1830، وطبعه بعد عودته إلى مصر المحروسة فى مطبعة بولاق سنة 1834 وأهم ما فيه ما يتصل بتوابع الثورة الفرنسية وسقوط الباستيل (1789) وذلك فى السياق الذى أوصل إلى القانون الدستورى الصادر فى سنة 1830، مبنيا على أسس مدنية «لا ينكر ذوو العقول أنها من باب العدل» ويتفهم رفاعة التعديلات التى أضيفت إلى الدستور الفرنسى نتيجة أحداث 1831 التى تعاطفت مع ما قامت عليه من «قيامة الفرنساوية وطلبهم للحرية والمساواة» وحرصهم على تعديل الدستور لتقييد الملكية، وتأكيد استقلال القضاء، والارتقاء بدور النيابية، ضمانا للعدل الذى هو أساس العمران فى الأوطان.

    وكان ذلك هو مدخل رفاعة إلى فهم الشعور الوطنى على أنه شعور التضامن الذى يجمع بين أبناء المجتمع الواحد، ويشكل أساس القوة الاجتماعية ويوضح رفاعة ذلك عندما يتحدث، فى مناهج الألباب، عن أنه إذا كان المؤمن لأخيه المؤمن كالبنيان المرصوص، فإن جميع ما يجب على المؤمن لأخيه يجب على أعضاء الوطن فى حقوق بعضهم على بعض لما بينهم من الأخوة الوطنية فضلا عن الأخوة الدينية، فيجب لمن يجمعهم وطن واحد التعاون على تحسين الوطن وتكميل نظامه، فيما يخص شرف الوطن وإعظامه وثروته وما كان يقصد إليه رفاعة بحب الوطن هو مصر على وجه التحديد، وذلك لأنه كان يرى مصر وطنا مميزا فى المكان، ومتميزا فى تاريخه المستمر الذى يبدأ من الفراعنة الذين سبقوا إلى صنع حضارة لا مثيل لها، حضارة تزخر بأمجاد تعرّف عليها، وعلى قيمتها خلال إقامته فى فرنسا، وفخره بما احتفظ به «اللوفر» من آثارها التى دفعته إلى نظم قصائد حماسية فى مدح الفراعنة، أجداده الأول، وأصل هويته الوطنية التى اكتمل وعيه بها فى فضاء الآخر، وفى مواجهته أو موازاته وكان مصدر فخره بمصر القديمة يرجع إلى جمعها بين البعد الاجتماعى والبعد الاقتصادى المزدهر، وذلك على نحو أوصله إلى الإيمان بأن مصر الحديثة يمكن أن تستعيد أمجاد مصر القديمة وتبعثها من جديد، على الأقل «لأن بنية أجسام أهل هذه الأزمان هى عين بنية أهل هذا الزمان، والقرائح واحدة» لذلك كانت «وطنية الطهطاوى» قائمة على وعى تاريخى، دفعه إلى الاعتزاز بعظمة مصر الفرعونية والاهتمام بمستقبلها، فكتب قصائد وطنية، فى الوقت الذى قيل فيه إنه ترجم «المارسيلييز»، نشيد الثورة الفرنسية الذى كتبه روچيه دى ليل، الأمر الذى يؤكد أن رفاعة كان يقصد بكلمة «وطن» معناها المرتبط بالثورة الفرنسية، وكانت كتابة الطهطاوى لقصائد فى محبة وطنه دافعا لتلميذه صالح مجدى إلى ترديد كلمات الوطن والوطنية فى شعره وقد ترك خمس عشر مزدوجة بعنوان «الوطنيات» فى ديوانه الذى يقول فيه.

    يا بـنى الأوطـان هـيا خـيّموا فـوق الثريا
    واهجروا النوم مليا واطعنوا الضد الأبيا
    واجدعوا أنف الممانع

    وكان لتطور الأحداث فى مصر، خلال سبعينيات القرن التاسع عشر، أثر كبير فى صعود مفهوم «الوطنية» وسيطرته على أذهان الطليعة، خصوصا فى سنة 1879 التى انتظم فيها الضباط المصريون الذين ضاقوا بتسلط الضباط الشراكسة وتمييزهم على أبناء البلد الذين خرجوا من صلبها، وأسس الضباط المتمردون حزبا سريا أطلقوا عليه اسم «الحزب الوطنى»، انتظم عرابى ورفاقه وعدد من المدنيين، بقيادة عرابى باشا، وأثبت هذا الحزب حضوره الفاعل إلى أن اضطر الخديو توفيق إلى الاستعانة بالإنجليز الذين أرسلوا جيشهم الذى هزم جيش عرابى، بعد أن هزمته الخيانة الداخلية، وبدأ الاحتلال البريطانى على مصر بالقبض على عرابى ورفاقه ومحاكمتهم، ونفى أغلبهم إلى جزيرة سرنديب وقد قامت الصحافة، خلال الثورة العرابية بدور بالغ الأهمية فى تأكيد معانى الوطنية التى كتب عنها عبدالله النديم (1845 ــ 1896) مسرحية بعنوان «الوطن» وفى الوقت نفسه، كان أديب إسحق (1856 ــ 1885) يشرح فى الصحف التى أصدرها، مثل صحيفتى «مصر» و«الوطن»، أفكار الثورة الفرنسية، وأسس الوطنية الثورية المتمردة على الاحتلال الذى ظل يحاربه إلى أن مات بعد سنوات قليلة من انكسار الثورة العرابية وهزيمتها التى أصابته باكتئاب، أفضى إلى الموت فى الإسكندرية التى أحبها، والتى لا يزال أحد شوارعها يحمل اسمه الذى لم يأخذ صاحبه الشامى الأصل ما يستحقه من عناية المؤرخين المصريين.

    ويصعب أن نغفل الدور الذى قام به الإمام محمد عبده فى هذا السياق، مندفعا مع إرهاصات الثورة العرابية، فكتب فى الوقائع المصرية عن وجوب التفانى فى حب الوطن والذود عنه، وانتقل من المعنى القديم المحدود للوطن الذى يشير إلى المسكن إلى المعنى الأحدث الذى يشير إلى الأمة، مؤكدا أن الصلة التى تصل بين الوطن وساكنيه صلة منوطة بأهداف الشرف الذاتى، فهو يغير عليه ويذود عنه، كما يذود المرء عن والده الذى ينتمى إليه، فحب المصرى لوطنه واجب لا سبيل إلى التقصير فيه. ولا ينسى محمد عبده الرد على الذين اتهموا المصريين بأنهم ألفوا الذل وتعودوا عليه، وأنهم لن يستقل لهم رأى، ولن يهتدوا إلى سبل الحرية. والواقع أن أهل الغرب جميعا تعودوا الظلم الذى تعوده المصريون، ولكن ذلك لم يمنعهم من الثورة على المستبدين، والتمرد على الظلم، باذلين أرواحهم فداء حرية أوطانهم التى نالوها بما بذلوا فى سبيلها، فاستبدلوا الحرية بالعبودية، وتقدم الوطن بتخلفه. ويبدو أن الشيخ محمد عبده كان يمد بهذه الكلمات بصره إلى ما يمكن أن يفعله الحزب الوطنى الذى شارك فيه الضباط الأحرار، أمثال عرابى وأقرانه من الذين ثاروا على الخديو توفيق، مطالبين أن يعيش المصريون أحرارا فى وطنهم متمتعين بالمساواة مع غيرهم فى الحقوق والواجبات.

    ومن المؤكد أن الاحتلال البريطانى لم يستطع أن يستأصل النزعة الوطنية من النفوس التى انطوت على لهيبها الذى لم ينقطع، مؤكدا تواصل روح المقاومة للاستعمار الذى فرضته الخيانة ولذلك كان قادة المقاومة يتتابعون، يضيف اللاحق إلى السابق ما يبقى على شعلة الوطنية حية فى نفوس أبناء الوطن الذى أصبح يطلب من أبنائه التضحية فى سبيل حريته واستقلاله.

    هكذا، تكتسب النزعة الوطنية طابعا لا يخلو من رومانسية فى كتابات الزعيم مصطفى كامل (1874 ــ 1908) وخطبه، فنسمع ما قاله من خطبة فى حديقة الأزبكية سنة 1897 «إن الوطنية هى أشرف الروابط للأفراد، والأساس المتين الذى تبنى عليه الدول القوية والممالك الشامخة وكل ما ترونه فى أوروبا من آثار العمران والمدنية ما هو إلا ثمار الوطنية» ولا ينسى مصطفى كامل أن يتعرض فى خطبه إلى أشد القضايا حساسية، وهى مشكلة العلاقة بين الوطنية والدين، فيقول فى خطبة له فى الإسكندرية سنة 1900«قد يظن بعض الناس أن الدين ينافى الوطنية، أو أن الدعوة إلى الدين ليست من الوطنية فى شىء ولكنى أرى أن الدين والوطنية توأمان متلازمان، وأن الرجل الذى يتمكن الدين من فؤاده يحب وطنه حبا صادقا، ويفديه بروحه وما تملك يداه» ويلقى مصطفى كامل خطبته الأخيرة فى مدينة الإسكندرية سنة 1907، وهى أقرب إلى خطبة الوداع التى تصل فيها العاطفة الوطنية إلى ذروتها الشعرية، خصوصا حين نسمع أقاويل من قبيل «بلادى بلادى لك حبى وفؤادى لك حياتى ووجودى لك دمى ونفسى لك عقلى ولسانى لك لبى وجنانى فأنت الحياة، ولا حياة إلا بك يا مصر» ونسمع أيضا فى الخطبة نفسها «يقول الجهلاء والفقراء فى الإدراك إنى متهور فى حبها وهل يستطيع مصرى أن لا يتهور فى حب مصر» إنه مهما أحبها فلا يبلغ الدرجة التى يدعوه إليها جمالها وجلالها وتاريخها والعظمة اللائقة بها ألا أيها اللائمون انظروها وتأملوها وطوفوها، واقرأوا صحف ماضيها، واسألوا الزائرين لها من أطراف الأرض هل خلق الله وطنا أعلى مقاما، وأسمى شأنا، وأجمل طبيعة، وأجل آثارا، وأغنى تربة، وأصفى سماء، وأعذب ماء، وأدعى للحب والشغف، من هذا الوطن العزيز.

    اسألوا العالم كله يجبكم بصوت واحد «إن مصر جنة الدنيا، وإن شعبا يسكنها ويتوارثها لأكرم الشعوب إذا أعزها، وأكبر جناية عليها وعلى نفسه إذا تسامح فى حقها وسلم أزمتها للأجنبى» «إنى لو لم أولد مصريا لوددت أن أكون مصريا».
    بمثل هذه العبارات الحماسية الشعرية كان مصطفى كامل يلهب حماسة الجماهير بكلماته التى يجيد إلقاءها، فقد كان خطيبا نادر المثال، له حضور بالغ التأثير على الجماهير لصدقه، ولأن كلماته كانت تصدر عن قلبه، فى طاقة كانت تأكله كأنها النار التى تلتهم جسده وصدره، فمات شابا يافعا، وهو لم يكمل عامه الرابع والثلاثين، فأدمى موته القلوب كلها، وصدق أحمد شوقى الشاعر حين رثاه بقوله.

    يا صب مصر ويا شهيد غرامها هذا ثرى مصر فنم بأمان

    ولا غرابة فى أن يحفظ أبناء جيلى كلماته، وأن يجعل سيد درويش من كلماته أغنية ظلت تتردد طوال الأيام المتلهبة لثورة 1919 وتتواصل إلى أيامنا لتغدو أقرب إلى النشيد القومى، ولم تتوقف النزعة الرومانسية الحماسية التى أضفاها مصطفى كامل على النزعة الوطنية، فقد استمرت بعده، وتواصلت عند من خلفوه فى رئاسة الحزب الوطنى وأولهم محمد فريد الذى أسلم رئاسة الحزب بعد وفاته الشيخ عبدالعزيز جاويش وقد تحول الثلاثة إلى أبطال لم يرهبهم السجن بسبب ما كتبوه تقديما لديوان الشاعر على الغاياتى الذى ظهر سنة 1910، بعد وفاة مصطفى كامل بعامين وكان الديوان بعنوان « وطنيتى» وتفيض قصائده بالحماسة والثورة وحب الوطن وتقديسه، ومثال ذلك قصيدة «طيف الوطنية» التى تمضى على النحو التالى.

    فى سلام اللـيل حاربت المـناما فسـلاما أيـها الطـــيف ســلاما
    مرحـبا بالـزائر السـارى إلــى مضـجع الحب يحيـى المســتهاما
    لسـت أشكـو الهجر من فاتـنة تشـتكى مــثلى ولوعــا وصـياما
    نـحن صـنوان قضــينا حــقبة فى ربوع النيل نســتدرى النمـامـا
    نبــصر الفيـض بمصر جـــاريا بـيد أن القــوم يشــكون الأوامــا
    وعــداة ملكـــوا الأمــــر ولــم يحفظوا للشعب فى حق زمامـا
    وولاة أقســـموا أن يســـجدوا كــلما رام العـدا منـهـم مــراما

    وقد كان صدور الديوان بمثابة تحد لولاة الأمر، خصوصا أنه حمل تقديم محمد فريد وعبدالعزيز جاويش، فصودر الكتاب عند ظهوره فى يوليو سنة 1910، فيما أنقل عن المرحوم محمد حسين فى كتابه «الاتجاهات الوطنية فى الأدب المعاصر»، وأحيل شاعر «وطنيتى» وكاتبا مقدمته إلى محكمة الجنايات متهمين بالتحريض على ارتكاب الجرائم وإهانة الهيئات الحكومية وكان محمد فريد فى أوروبا، فتأجلت محاكمته إلى ما بعد العودة، ونجح الغاياتى فى الهروب إلى سويسرا، فحوكم غيابيا، وصدر ضده الحكم بالحبس سنة مع الشغل أما عبدالعزيز جاويش فقد حكم عليه بالحبس ثلاثة شهور مع النفاذ، ونفذ فيه الحكم، وحوكم محمد فريد بعد عودته وصدر ضده حكم بالحبس ستة شهور مع النفاذ وكان ذلك كله طبيعيا فى زمن كان الحديث فيه عن الوطنية تهمة فى وطن محتل، تهمة زاد من حدتها ما كتبه محمد فريد عن تأثير الشعر فى تربية الأمم، وعن نشيد المارسيلييز الذى لم تخل مقدمة الشاعر من ذكر حكاية النشيد بالتفصيل، وتأكيده دور الشعر فى تجسيد معانى الحرية والإخاء والمساواة، غير غافل الحديث عن استبداد الحكام الذين لابد أن تنالهم ثورة الشعب وتقضى عليهم وظل الديوان مصادرا، لا تستطيع الناس مطالعته إلى أن انتصرت ثورة 1919، ووقعت مصر معاهدة الشرف والاستقلال (1936) فخرج الديوان إلى النور فى طبعة جديدة سنة 1938.

    وكانت غنائيات مصطفى كامل الوطنية الصوت المعبر عن الحزب الوطنى ولكن هذا الحزب كان يواجهه فى ساحة النضال الوطنى «حزب الأمة» الذى كان أحمد لطفى السيد الذى يسبق مصطفى كامل فى الميلاد بعامين مفكره الأول، وكان اتجاهه العملى المرتبط بالدفاع عن أصحاب المصالح الحقيقية، فضلا عن نزعته العقلانية الهادئة، تجعله النقيض المضاد لمصطفى كامل فى فهمه النزعة الوطنية، والخصم السياسى الذى كان يرفض اتجاهه القائم على الولاء للخلافة العثمانية، ولذلك استبدل أحمد لطفى السيد برومانسية مصطفى كامل نزعة وضعية، تؤكد الحضور المدنى للوطن من حيث هو تجمع بشرى يسمح لجميع القاطنين فيه من مسلمين ومسيحيين ويهود، أن ينصهروا معا فى هيئة حاكمة واحدة، تجمعها المصالح المشتركة بالمعنى النفعى بالدرجة الأولى ولم يكن «الوطن» شيئا يُعشق فى فكر أحمد لطفى السيد، كما لم تكن الوطنية اندفاعا عاطفيا، يتخبط على غير هدى من المنطق السليم والتفكير الهادئ المتزن، ولا ينبغى أن تنبنى الوطنية على الأسس التى لا سبيل إلى تحقيقها، فالأحرى بالمصرى أن يفكر فى نفسه أولا، وفى مصلحته قبل كل شىء، وهى مصلحة يتفق فيها سائر المصريين على اختلاف نحلهم ومذاهبهم. ويؤكد أحمد لطفى السيد أن أهل الوطن الواحد لا يكونون أمة إلا إذا ضاقت الفروق بين أفرادهم واتسعت دائرة المشابهات والسبيل إلى ذلك هو النظر إلى الوطن بوصفه مركز المصلحة العامة لجماعة متضامنة، تشعر بحاجتها إلى التعاون فى دفع المضار وجلب المنافع والأساس فى ذلك ليس دينيا، فالمصلحة يمكن أن تجمع بين أديان مختلفة، فالدين لله والوطن للجميع ولا فاصل بين الدوائر الدلالية للنزعة الوطنية، فى هذا السياق، والفكر الليبرالى بعامة والعقلانى منه بخاصة وهو فكر يؤسس الصفة المدنية لا الدينية للوطن، ويفصل هذه عن تلك، على النقيض مما فعل مصطفى كامل، أو ممن دعوا إلى الرابطة الإسلامية من الذين تحمسوا لإحياء الخلافة العثمانية بعد سقوطها.
    ويبدو أن ثورة 1919 ورثت الثنائية الضدية التى ميّزت مثقفى حزب الأمة، وأبرزهم أحمد لطفى السيد ومحمد حسين هيكل عن غيرهما من الذين انطووا على الثورية الرومانسية التى تجسدت فى أفكار مصطفى كامل الذى ظل حريصا على الحبل الموصول بينه والخلافة وعندما تغيرت الأحوال، وقامت الحرب العالمية الأولى (1914 ــ 1918) وأعلنت الحماية البريطانية على مصر، غابت دولة الخلافة (تركيا) عن المشهد لكن بقيت الرومانسية الثورية لوطنية ممصطفى كامل ماثلة فى حدِّية النزعة الوطنية الثورية التى جعلت مصر فوق الجميع، رافعة شعار الدين لله والوطن للجميع، جنبا إلى جنب الشعار الحدِّى: الاستقلال التام أو الموت الزؤام، وذلك فى السياق المغاير للثورة التى سرعان ما انقسم صانعوها الأول إلى متشددين ومعتدلين، فى ثنائية باعدت بين حزب الأحرار الدستوريين، وريث حزب الأمة، وحزب الوفد الذى ظلت قياداته مستمدة نزعتها الحدِّية من شخصية القائد المتشدد فى قضية الاستقلال التام.






  2. #2
    fati_fleur غير متواجد حالياً
    الصورة الرمزية fati_fleur
    تاريخ التسجيل
    Aug 2008
    الدولة
    أجمل مكــــــــان
    المشاركات
    6,043

    افتراضي رد: عن الوطن والوطنية ... بقلم د. جابر عصفور





معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. بل الفضل للمتأخر بقلم جابر عصفور
    بواسطة master.ms في المنتدى مقالات صحفية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 28-09-2009, 11:03 AM
  2. نفرتــاري وأخواتهــا بقلم : جابر عصفور
    بواسطة master.ms في المنتدى مقالات صحفية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 18-05-2009, 09:44 AM
  3. الهوية الثقافية واللغة ... بقلم : جابر عصفور
    بواسطة master.ms في المنتدى مقالات صحفية
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 23-04-2009, 07:19 AM
  4. الهوية الثقافية واللغة بقلم : جابر عصفور
    بواسطة master.ms في المنتدى مقالات صحفية
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 23-04-2009, 07:13 AM
  5. وسطية الطيب صالح ... بقلم : جابر عصفور
    بواسطة master.ms في المنتدى مقالات صحفية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 09-03-2009, 12:34 AM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

مواقع النشر (المفضلة)

مواقع النشر (المفضلة)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
جميع الحقوق محفوظه لمنتديات مصر 2013