| مراقب الفنون والسياسى
| تاريخ التسجيل: Mar 2008 العمر: 52 المشاركات: 14,805 |
15-10-2009
| عن السلف و السلفية عن السلف و السلفية بقلم : د. محمد عبد الفضيل القوصي
من يتأمل النقاش الناشب بين المهتمين بقضية السلفية.. والفكر السلفي تعتريه الدهشة حين يلحظ أن صورة السلف الحقيقية التي احتفظت بها ذاكرة الأمة, والتي هي مدار القضية قد أصابها التجريف والتشويه علي أيدي بعض أطرافها, كل علي طريقته, ولكل وجهة هو موليها, لقد أضحي مفهوم السلف عند أحد أطرافها, وهو الطرف المتدثر بعباءة التنوير والحداثة تعبيرا شائعا عن تكريس افضلية المتقدم علي المتأخر لمجرد السبق الزمني,
وتعبيرا أيضا عن ترسيخ قيمة التقليد, وغلق أبواب الاجتهاد, ومحاصرة لروح الإبداع والابتكار في جميع المجالات, الدينية منها وغير الدينية, بل أصبح مفهوم السلف لديهم هو المسئول عن انعدام الحراك الاجتماعي, وتجمد الحراك السياسي!! الخ.أما مفهوم السلف عند الطرف الآخر, المتدثر بعباءة الوقوف عند ظواهر النصوص الدينية, فقد أضحي مرادفا لتعطيل نشاط العقل أو النفور منه, وتوسيعا لدائرة التحريم, وتركيزا علي الأشكال والمظاهر إلي غير ذلك من مظاهر ضيق الأفق, والتصحر العقلي, والتحجر الوجداني.
نود في هذا الصدد أن نطرح علي نحو مجمل ـ عدة ركائز رئيسية في هذه القضية, ذات الأطراف المتشابكة:
أولا: لاجدال في أن القرون الأولي من تاريخ الأمة الاسلامية هي خير القرون كما يقرر الحديث النبوي الكريم, لكن الصحابة الأخلاء لم يظفروا بتلك الخيرية لمجرد السبق الزمني, أو تقادم العهد, بل لأنهم السابقون بالخيرات, ولأنهم الذين جاهدوا وصبروا وقاتلوا وقتلوا, فالمعيار الإيماني والأخلاقي هو مصدر الخيرية, وليس الفضل للمتقدم, فقد يكون الفضل للمتأخر, حين يسبق به جهده وعمله,
ثانيا: إن تلك الثلة من الصحابة والتابعين وتابعيهم, وهم السلف بحق لم يكونوا نماذج متكررة, متشابهة الصفات, متماثلة السمات, بل كانوا يختلفون ويتفقون, ويجتهدون في فهم النصوص وتزيلها علي واقع الحياة, ثم ينظر بعضهم في أقوال بعض, ويتعقب بعضهم أقوال بعض, لكن اجتهاداتهم لم تكن صادرة عن الميل والهوي, بل كانت اجتهادات منضبطة بالفهم العميق للكتاب والسنة, لاتنقض للاسلام عروة, ولا تعود علي الأصل بالنقض كما يقول الأصوليون, وههنا يكون حق الاجتهاد مكفولا ومتاحا ومفتوحا, أما حين يكون الأمر نقضا للثوابت واختراقا للأصول فإن الحق في الاجتهاد ينقلب إلي حق في الانقضاض!!
ثالثا: لئن كان هذا حال من يسمون بحق( السلف) فقد أتي بعدئذ علي الناس حين من الدهر: اصطنع فيه البعض لافتة براقة هي( السلفية) ادعي بها أصحابها أنهم وحدهم ـ ودون سواهم ـ ورثة السلف ثم تخيروا في شوارد الآراء ومفردات المقالات ما خيل إليهم أنه وحده رأي السلف, وأنه الحق كل الحق, أما غيره فهو الباطل كل الباطل, وامتد نطاق تلك الآراء من العقائد إلي العبادات, إلي المعاملات, والتصرفات الحياتية التي تحفل بها دنيا الناس,
وذلك كله من خلال منهج متصلب يتجمد عند ظواهر النصوص, ويعطل نشاط العقل, ويلغي وظيفة اللغة بحقيقتها ومجازها وتأويلاتها القريبة والبعيدة في فهم القرآن الكريم والسنة المطهرة في غفلة عن أن السلف أنفسهم لم يتجمدوا علي رأي واحد, بل كانوا يتمتعون بضرب من السماحة العقلية التي تتيح لبعضهم ان يصوب رأي الآخر, ويتعقبه, ويختلف معه.
رابعا: ولئن كان موقف( السلف) بحق: بريئا من التحجر والانغلاق والأحادية فإن مقال الأهرام سالف الذكر يجعل الفكر السلفي برمته, دون تفرقة بين اتجاه السلف بحق, وبين من ادعوه واحتكروه مسئولا عن محاصرة روح الابداع والابتكار, ومسئولا أيضا عن جمود الحراك الاجتماعي والسياسي, ثم يلقي المقال بسائر تبعات التخلف التي تعاني منها الأمة علي كتفي الفكر السلفي وحده دون سواه, غافلا عن مجموع العوامل التاريخية والاجتماعية والفردية التي تتشابك وتتعقدر. تري: هل غابت عن الذاكرة تلك الروح الإبداعية التي أنتجت حضارة الاسلام العلمية والعملية خلال قرون عدة كانت آراء السلف فيها ملء العيون والأسماع والعقول؟!
هل غابت عن الذاكرة تلك الروح الإبداعية التي جسدتها مدرسة الرأي في كيان الفكر الاسلامي علي يدي الامام الأعظم أبي حنيفة النعمان(80 هـ ـ150 م) وهو في طليعة السلف علما وهداية ؟!
ثم أقول أخيرا: لعل تلك الوقفات الموجزة تسهم في إزالة الغبار عن وجه طائفة السلف, التي لحقها التشويه والافتراء سواء ممن ادعوها واحتكروها, أوممن أنكروا صفاءها ونقاءها, وهي من كل ذلك براء. | |