| مراقب الفنون والسياسى
| تاريخ التسجيل: Mar 2008 العمر: 52 المشاركات: 14,841 |
29-08-2009
| عندما تدخل الأصولية دولة؟ بقلم : د. عبدالمنعم سعيد عندما تدخل الأصولية دولة؟ بقلم : د. عبدالمنعم سعيد
القصة الحقيقية للسياسة في المنطقة العربية والإسلامية خلال العقود الأخيرة قامت علي التحدي الذي شكلته جماعات أصولية متنوعة التشدد والغلو للدولة الوطنية الحديثة ومؤسساتها. وبالنسبة للمؤرخين فإن البداية كانت مع سقوط الخلافة العثمانية في نظر البعض, ومع مولد جماعة الإخوان المسلمين في نظر البعض الآخر, ومع قيام دولة إسرائيل لدي البعض الثالث, أما الفريق الرابع فيري البداية في موجة العنف الديني التي شهدها الشرق الأوسط في السبعينيات, والتي شملت ما عرف بمحاولة انقلاب الكلية الفنية العسكرية, واغتيال الشيخ الذهبي وقيام الثورة الإسلامية في إيران وحتي اغتيال الرئيس أنور السادات.
ولكن ربما كانت بداية القصة أقل أهمية من جوهرها, فمنذ بداية القرن العشرين أخذت الدول العربية والإسلامية الحديثة في الظهور في شكل حركات للاستقلال عن الاستعمار, وفي شكل مؤسسات متنوعة بدأ العالم يعرفها مثل الدستور والبرلمان والوزارة والنقابة ومؤسسات المجتمع الأهلي والصناعة الحديثة والبنوك وشركات التأمين, وبالطبع كل وسائل الإعلام الحديثة من أول الصحافة المكتوبة وحتي شبكات الإنترنت. وبرغم أن هذه المؤسسات لم تعمل أبدا بنفس الكفاءة التي عملت بها في البلدان التي ولدت فيها, أو حتي بنفس الكفاءة التي عملت في بلدان العالم غير العربية والإسلامية المختلفة, فإنها ظلت العماد الذي قامت عليه الوحدات السياسية المختلفة, وكان التحدي الأساسي الذي يواجه النخب المختلفة هو دفع هذه المؤسسات لتعمل بنفس الكفاءة التي تعمل بها في البلدان الأخري.
جوهر القصة التي أثرت علي عمليات الإصلاح والتغيير وممارسة السياسات الداخلية والخارجية كان وجود تيار الإسلام السياسي, الذي مهما تعددت أبعاده واتجاهاته ودرجات الاعتدال والراديكالية فيه, فإن جوهره بقي يرفض الدولة الحديثة كليا أو جزئيا, وسعيه الدائم إلي تغيير أعمدتها أو تطويعها, وفي كل الأحوال إذابة الحدود ما بين الداخل والخارج, خاصة فيما يتعلق بالعالم الإسلامي. ومن يعد إلي الأدب السياسي للحركات الإسلامية, أو إلي التجارب الإسلامية التي تم تطبيقها بالفعل في السودان وأفغانستان وإيران وفلسطين فسوف يجد عملا دءوبا من أجل تغيير شكل الدولة ومؤسساتها المعروفة, وكسرا للحدود بين الداخل والخارج, ومناكفة وصداما مع النظام الدولي القائم.
ومادام المسلمون أمة واحدة, ـ أو هكذا ساد الاعتقاد بين أنصار هذه الحركات ـ فإن من حق كل منهم الانتقال من بلد إلي آخر, والتدخل في شئون البلاد الأخري, والسعي لتغييرها إلي الطريق القويم, ومن ثم كانت الحركات الإسلامية عادة تضم عناصر من بلدان شتي, أما حركة الإخوان المسلمين فقد أسست تنظيما دوليا خاصا بها برغم وجود تنظيم دولي آخر يضم الدول الإسلامية هو منظمة المؤتمر الإسلامي.
وقد أخذ التحدي الذي تمثله الجماعات الأصولية أشكالا مختلفة ما بين الممارسة السياسية السلمية, ودرجات مختلفة من العنف, وفي بعض الأحيان قامت استراتيجية التيار المعتدل علي فكرة إما نحن المعتدلون أو العنف, ولكن الجوهر في النهاية ظل واحدا, وهو تغيير الدولة المعاصرة التي عرفها العالم, واستبدالها بدولة أخري تعود إلي قرون سابقة أصولها.
وخلال الفترة القصيرة الماضية عاش العالم العربي والإسلامي ثلاثة تجارب جديدة لتلك المواجهة بين التيارات الإسلامية والدولة, وكلها تعطينا بعضا من المعرفة عن الآليات السياسية المستخدمة من قبل هذه التيارات من أجل تدمير الدولة وإقامة دولة أخري بديلة, أو تطويعها لكي تكون دولة أخري مختلفة عما يعرفه العالم من دول.
حركة بوكو حرام طالبان نيجيريا أو أفريقيا, ولدت عام2003 في نيجيريا, ومعناها بلغة الهاوسا الشائعة في نيجريا تحريم التعليم الغربي. ويتزعم الحركة الداعية محمد يوسف, والذي أسس قاعدة عرفت باسم أفغانستان في أطراف مدينة كانام في ولاية بوتشي, ضمت إلي جانب النيجيريين بالطبع عناصر من الدول الإفريقية المجاورة أبرزهم التشاديون. ويعتقد أعضاء الحركة أن نيجيريا جاهزة للثورة' الإسلامية', فانخرطوا طوال السنوات الست الماضية في أنشطة دعوية وسياسية مسلحة انتهت قبل أسابيع قليلة بمواجهات دامية ضد القوات الحكومية, وهي المواجهات التي خلفت أكثر من600 قتيل, فضلا عن مقتل محمد يوسف زعيم الحركة.
وما بين نشأة الحركة ونهايتها فإنها سعت إلي إقامة مجتمع يطبق الشريعة بصورة حرفية علي نمط حركة طالبان في أفغانستان بعد أن تبنت أيديولوجية تكفيرية لا تقبل الحلول الوسط, فكل من يخالف الحركة وأفكارها اعتبر مرتدا يستحق القتل. وكما هي العادة في مثل هذه الحركات فقد بدأت بالانفصال عن المجتمع الذي تتهمه بالكفر والفسوق, والهجرة إلي مجتمع جديد يقوم علي التعاليم الإسلامية النقية, وإقامة الصلاة في مساجد منفصلة وإطلاق اللحي وارتداء أغطية حمراء وسوداء, ورفض بعض المسلمات مثل أن الأرض كروية وأن المطر ناتج عن البخار, حيث نجح زعيم الحركة في إقناع أنصاره بأن كل ذلك من صنع الله فقط, وليس للطبيعة دور فيه.
واستغلت الحركة الظروف المعيشية الصعبة التي يواجهها المجتمع النيجيري(140 مليون نسمة ينتمون لـ200 عرقية), فضلا عن انتشار الفقر والبطالة من أجل اجتذاب عناصر شابة إليها. ومع ذلك فإن الحركة لم تسع إلي إقامة مجتمع أكثر عدالة أو يكون أكثر كفاءة وقدرة علي التنمية الاقتصادية والاجتماعية, وإنما عمدت إلي هز الاستقرار من خلال شن هجمات بقنابل المولوتوف والمناجل علي مراكز الشرطة ومنشآت حكومية. وعلي خلفية قيام قوات الشرطة باعتقال زعيمها, قامت الحركة بتنظيم احتجاج ضخم في26 يوليو الماضي في ولاية بوتشي, بحجة رفض نظام التعليم الغربي في المدارس والمطالبة بالتوسع في تطبيق الشريعة, وسرعان ما اتسعت المواجهات لأربع ولايات أخري حتي انتهي الأمر إلي ما انتهي إليه.
القاعدة والحوثيون في اليمن هم الأكثر شهرة في العالم العربي الآن, وقد أتي تحركهم علي خلفية ثلاثة تحديات تواجه اليمن: الأول, ينطلق من تنظيم القاعدة الذي وجد في اليمن بيئة خصبة بعد الضربات الموجعة التي تعرض لها في العديد من أنحاء العالم لاسيما في العراق وأفغانستان. والثاني, من قبل جماعة الحوثيين في محافظة صعدة وجبالها. والثالث, ما يسمي بـالحراك الجنوبي الذي يتمثل في مطالب شعبية بالانفصال عن اليمن الشمالي, ويلقي دعما من جانب تنظيم القاعدة والحوثيين رغم الاختلاف الأيديولوجي فيما بينهم.
وبالنسبة لنشاط تنظيم القاعدة, فقد عاد إلي الظهور مرة أخري في اليمن, ساعيا إلي إقامة إمارة إسلامية هناك بعد الضربات التي تعرض لها في العراق وأفغانستان, كما قام بتنفيذ عمليات قتل واختطاف عديدة في الفترة الماضية, كان منها قتل ثلاثة أطباء أمريكيين وإصابة رابع بجروح في هجوم نفذه مسلح علي مستشفي للكنيســــة المعمدانيــــة فـــي جنــــوب صنعاء في30 ديسمبر2002, وفي18 مارس2003 قتل أمريكي وكندي ويمني بالرصاص, وأصيب كندي آخر بجروح في شرق صنعاء, كما قتل ثمانية سياح إسبان وسائقان يمنيان وأصيب تسعة أشخاص بجروح في انفجار سيارة مفخخة في2 يوليو2007.
وهكذا استمرت حوادث القتل والخطف للسائحين والأجانب حتي مست العمليات التي قام بها التنظيم ـ وفقا لمصادر متعددة ـ سيادة الدولة اليمنية في أكثر من مناسبة: الأولي, قيام طائرة أمريكية بدون طيار عام2002 بقصف سيارة كانت تقل عناصر من تنظيم القاعدة دون علم السلطات اليمنية أو التنسيق معها, ثم أعلنت واشنطن أن العملية تمت عبر اتفاق مع السلطات اليمنية. والثانية ـ حسب مصادر مختلفة ـ مبادرة الرئيس اليمني علي عبد الله صالح للقاء الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش وإثنائه عن فكرة اجتياح عسكري أمريكي لموقع تنظيم القاعدة باليمن إثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
أما بالنسبة لتمرد الحوثيين, فقد كان نتاجا لانشقاق جماعة من داخل الفرقة الزيدية في أقصي شمال اليمن في منطقة صعدة, قاده حسين الحوثي الذي قتل في مواجهات مع القوات الحكومية عام2004, فحل محله أخوه عبد الملك الحوثي الذي ما زال يقود المواجهات مع الحكومة, والتي وصل عددها حتي الآن إلي ست مواجهات. وتتعدد أسباب المواجهات بين القوات الحكومية وحركة الحوثيين في اليمن, ومنها محاولة الحوثيين الانفصال وإقامة إمارة إسلامية علي المذهب الشيعي الزيدي, والسيطرة علي أجزاء شاسعة من صعده وما حولها حتي منطقة بني حشيش القريبة من صنعاء, والاستيلاء علي عشرات المدارس الحكومية واستغلالها في نشر الفكر الشيعي الزيدي, ومنع اللجان الفنية من الوصول إلي المديريات التعليمية في مناطق بمحافظة صعدة,
مما أدي إلي توقف العملية التعليمية في الشهادتين الأساسية والثانوية لمدة يومين في يونيو2009, ويضاف إلي ذلك أسر عدد من الجنود والاستيلاء علي معدات الجيش, وتدمير البنية التحتية في مناطق مختلفة, وقصف القصر الجمهوري بمحافظة مأرب, وفرض زكاة وتبرعات علي المواطنين لتمويل أنشطة الحركة, لاسيما ما يتعلق بنشر المذهب الشيعي الزيدي, وإقامة عدد من النقاط المسلحة والحواجز علي الطريق بين محافظة صعدة والعاصمة صنعاء.
وقد أعلنت الأمم المتحدة أن عدد النازحين بسبب الصراع في محافظة صعدة بشمال اليمن وصل إلي أكثر من مائة ألف نازح. كما أصدرت منظمة غير حكومية إحصائية لنتائج المواجهة الخامسة بين القوات الحكومية والحوثيين في اليمن التي نشبت في مايو2008, قدرت فيها عدد الضحايا بعشرين ألف يتيم وعشرة آلاف معاق وستة آلاف شخص بدون عائل, وستة مخيمات للنازحين, وتضرر مائة وعشرين ألف شخص من جراء الحرب. وتقول مصادر في الحكومة اليمنية إن الحرب استنزفت ما لا يقل عن ملياري دولار, بخلاف مساعدات مالية تلقتها الحكومة من أطراف إقليمية قدرت بـ500 مليون دولار, فضلا عن مبالغ أخري دفعت بشكل متقطع عن كل يوم خلال أيام القتال وهي المبالغ التي وصلت إلي مليوني دولار.
حركة طالبان باكستان غزت الأنباء العالمية بعد المواجهات الدامية التي شهدتها باكستان في الشهور الماضية, وكانت أحد أهم نتائج الاتفاق الذي أبرمته الحكومة الباكستانية مع الحركة في فبراير2009 تحت شعار الشريعة مقابل السلام, والذي قضي بتنازل الدولة الباكستانية عن جزء من سلطاتها وسيطرتها, مع منح طالبان الحق في فرض القوانين التي تختارها في المناطق الواقعة تحت سيطرتها مقابل إلقاء السلاح ووقف المعارك. لكن طالبان خرقت الاتفاق ورفضت تسليم السلاح, بل اتجهت إلي مواصلة القتال من أجل فرض حكم الشريعة خارج وادي سوات وصولا إلي نشرها في جميع أنحاء باكستان.
وفي سبيل تحقيق ذلك قامت الحركة بالاستيلاء علي مقار رسمية ومبان تعود إلي منظمات غير حكومية ومساجد, وبث عبر شبكة الإنترنت صورة فيديو لتنفيذ حكم الجلد علي فتاة دون سن العشرين أدينت بارتكاب جريمة الزنا, وإغلاق مدارس الفتيات, والسيطرة علي المحاكم ومصادرة وثائقها, ووضع حواجز علي الطرق وزرعها بالألغام, وحظر الموسيقي في وسائل النقل العام وإغلاق جميع محال بيع الاسطوانات والأشرطة الموسيقية, وقطع رؤوس العديد من قوات الشرطة, ومواصلة الزحف إلي إقليم بونر الذي لا يبعد عن العاصمة سوي60 ميلا.
وحسب تقرير منظمة العفو الدولية عام2009, فقد ارتكبت الحركة انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان منها شن هجمات مباشرة ضد المدنيين وعمليات اختطاف واحتجاز رهائن وتعذيب وإساءة معاملة وقتل للأسري. ففي أكتوبر2008, قتل انتحاري من الحركة أكثر من80 شخصا من المدنيين العزل وجرح أكثر من100 شخص في مجلس للسلم في منطقة أوركزاي, ممن كانوا يضعون إستراتيجية لتقليص حوادث العنف في المنطقة. كما احتجزت الحركة عشرات الرهائن بينهم دبلوماسي أفغاني وإيراني وباكستاني وصحفي كندي ومهندس بولندي. وفي سبتمبر2008 احتجزت طالبان في سوات عددا من الرهائن الأجانب لإرغام الحكومة علي إطلاق سراح136 معتقلا من أعضائها.
هذه الحركات الإسلامية في الدول الثلاث ـ نيجيريا واليمن وباكستان ـ تتسم بالغلو والتطرف, وكلها تقوم علي اقتطاع جزء من الدولة وإنشاء الإمارة الإسلامية التي تكون بمثابة القاعدة التي يجري الانطلاق منها, وهو ما لا يختلف كثيرا عما جري في أفغانستان والصومال من قبل, وحتي في غزة( بعد انقلاب حماس), وفي رفح الفلسطينية( بعد محاولة إقامة الإمارة الإسلامية) مؤخرا. وبالطبع فقد تنجح هذه الحركات أحيانا, أو تفلح في تقسيم الدولة بينها وبين أنصار الدولة المدنية, أو حتي بينها وبين عناصر إسلامية أخري تختلف معها في المذهب أو في تفسيرات فقهية أو حتي درجة التشدد والعنف.
ولكن الهدف في النهاية يظل واحدا ويتلخص في إضعاف الدولة الحديثة ومنعها من الاندماج في العالم المعاصر, بل وخروجها عليه بطريقة أو بأخري. وربما كان هذا هو التحدي الحقيقي الذي لم تفلح النخب السياسية في البلاد العربية والإسلامية في أن تجد له حلا خلال القرنين الماضيين, والأرجح أن الحل لن يوجد ما لم يتم النظر إلي القضية في جوهرها وليس في تفاصيلها, فالسؤال ليس عن أي دولة نريد بقدر ما هو هل نريد الدولة نفسها أم لا؟!. | |