عجز الإعجاز العلمي بقلم ابراهيم عيسى
عجز الإعجاز العلمي
بقلم ابراهيم عيسى
لا أفهم ما السر الذي يدفع البعض إلي محاولة إثبات «عظمة» القرآن الكريم عن طريق علم البشر وعلوم البشرية؟ ما المبرر الذي يسوقه لنا بعض المتحمسين الطيبين وبعض المهووسين الطيبين كذلك أو غيرهم ممن يحاولون التأكيد علي إلهية القرآن وكونه الكتاب المنزل المنزه والموحي به إلي نبينا العظيم محمد - صلي الله عليه وسلم - عن طريق أنه كتاب يحمل إعجازًا في العلم وسبقًا في الطب، جمعًا لفنون الفضاء، إلمامًا بالمعادن، طرحًا للنظريات العلمية الفلكية والطبية والجيولوجية «؟!» وهذا كلام لا ينقصه الحماس، لا تعوزه المحبة ولا يفتقده الإيمان، لكنه كلام خطير رغم حسن نيته فهو يسيء إلي القرآن الكريم إساءة بالغة وينزله من مكانته المقدسة إلي حقل تجارب لعلوم البشر، تقدم الطب ووعي العلماء؛ كأن القرآن في حاجة إلي شهادة أحد أو إثبات دنيوي علمي طبي لآية تم ذكرها في القرآن الكريم أو حادثة رواها كتاب الله المعجز «...». لا أشك لحظة في تعاظم إيمان هؤلاء ممن يجرون البحوث، يكتبون الدراسات ويبذلون الجهد الجهيد من أجل أن يؤكدوا - بينما لم يطلب أحد منهم ذلك شرطًا لإيمانهم أو طلبًا لإسلامهم - ويثبتوا الصحة العلمية والطبية للقرآن الكريم وآياته، فكتاب الله ليس كتابًا في الطب ولا الهندسة ولا الذرة، فهو كتاب الله الذي يحمل أوامره، قواعده، نواهيه وسنن شرائعه. وعلينا تلقي الأمر لا الوصول إلي الحكمة من ورائه، ليس علينا أن ننتظر تجارب معمل أو نتائج وكالة ناسا للفضاء أو تقرير هيئة ثروة معدنية أو خبرة دكتور في البيولوجيا أو غيره في الأنثروبولوجي كي يحكي لنا عن أن الحديد أنزل من السماء كما جاء القرآن أو أن الحجر الأسود نزل من السماء «!!» إن الذي يملك أن ينفي. إن الذي يضع إيمانه في محك دراسات الطب أو تجارب العلم يقايض الله عز وجل بحيث تتحرك درجة إيمانه حسب توافق القرآن مع علوم الجيولوجيا والفضاء وأحدث بحوث قسم الخلايا الجذعية بكلية الطب جامعة أكسفورد. سبق أن أكد الرحمن الرحيم أنه لا تعمي العيون والأبصار لكن تعمي القلوب التي في الصدور. القلب مشاعر وعواطف وأحاسيس.. هذا مطلق الإيمان ومناط التسليم. أما أن يخضع وجود الله لتجارب أو قدسية وصحة آيات القرآن لوكالة أمريكية هندسية، فهذا أمر زلق يقودنا إلي تهلكة كاملة، علي الرغم من أن كثيرًا من الأمثلة «إن لم تكن كلها» التي يذكرها مروجو الإعجاز العلمي في القرآن الكريم في معرض أحاديثهم بلا أي سند أو مرجع معلن وكلها «أثبت العلماء»، «قال الأطباء» وكمٌّ مرسل من نوع «في إحدي السنوات» و«في دراسة لعالم أجنبي» «...» وهكذا. لا نعرف مصدر، لا أسماء ولا مراجع مثل هذا الكلام إطلاقًا، فضلا عن أن كل أسانيده أو معظمها الخاص بما قبل الإسلام مجرد روايات ممزوجة بالروح التوراتية، فنحن نعلم يقينًا أنه لا توجد حقائق عن قصة الخلق أو بناء الكعبة أو إرم ذات العماد أو غيرها إلا ما جاء به القرآن الكريم في ذلك وما ورد في كتب التفسير وروايات المفسرين؛ إنما تعتمد في أسانيدها علي أساطير الأولين ومثقفي هذه العصور من اليهود، والمسيحيين والحضارات الفارسية والفرعونية والقبطية «..» ومن ثم عندما يحكي أي منا عن كيف نزل آدم من الجنة، أين كانت الجنة بالضبط، أين نزل آدم وحواء؟! أو أين عاش قابيل وهابيل؟ أو ما قصة عاد وثمود، هاروت وماروت وأصحاب الأخدود؟ كل هذه الروايات المفسرة التفصيلية مصدرها ليس القرآن ولا كتابنا المنزه المقدس؛ بل هي خلاصة التراث والأساطير الشعبية والقصص الدينية للسابقين. هذه نقطة مهمة لكن هناك الأهم.
..نكمل غدًا بإذن الله