| مراقب الفنون والسياسى
| تاريخ التسجيل: Mar 2008 العمر: 52 المشاركات: 14,826 |
03-05-2009
| سيناء وقراءة في الأمن القومي المصري بقلم: د. مصطفي علوي سيناء وقراءة في الأمن القومي المصري بقلم: د. مصطفي علوي
هناك تواريخ وأحداث وأماكن لها أهميتها ودلالاتها في مسيرة الأمن القومي لأي بلد. وفيما يتعلق بالأمن القومي المصري فإن تواريخ6 أكتوبر1973 و25 أبريل1982 و19 مارس1989 ومن قبل ذلك26 يوليو1956 فضلا عن أحداث حرب الاستنزاف1969 و1970 تعد جميعها علامات بارزة علي طريق سعي مصر إلي حماية أمنها القومي من أية مخاطر أو تهديدات تفد إليها عبر بوابتها الشمالية الشرقية. ويربط بين هذه الأحداث جميعا أنها نقاط تمت علي طريق النصر واستعادة الأرض والكرامة وحماية الكيان الوطني المصري كله من تلك المخاطر والتهديدات.
كانت مصر قد انتفضت في مواجهة هزيمة يونيو1967 وأعادت بناء قدرتها العسكرية والاقتصادية وأصلحت من بعض أوضاعها السياسية التي كانت قد اختلت قبل ذلك التاريخ, وصممت علي ارتياد طريق التحرير والنصر وبدأت قبول التحدي والتعبير عن ذاتها الأصيلة مجددا, بدءا من معركة رأس العش ومرورا بإغراق المدمرة الإسرائيلية إيلات, وبدأت حرب الاستنزاف التي أرهقت العدو الذي كان يعتقد أنه حقق نصرا نهائيا أبديا فإذا بغطرسته تستفز قدرات مصر الكامنة فترد عليه بحرب استمرت لمدة عامين كان لها فضل كبير في إعادة تنظيم القوات المسلحة علي أسس علمية سليمة عسكريا وسياسيا تمهيدا للمواجهة الكبري في أكتوبر.1973
وبرغم تركيز مصر الشديد علي الاستعداد لحرب استرداد الأرض والكرامة فإنها لم تنس أبدا استخدام الأداة السياسية كوسيلة محتملة يجب تجريبها في الدعوة إلي سلام عادل وشامل يجنبها والمنطقة التكاليف الباهظة لحرب ضروس. وفي هذا السياق قبلت مصر في وقت مبكر بمرجعية قانونية سياسية دولية لذلك السلام العادل الشامل, متمثلة في قرار مجلس الأمن الأشهر رقم242 الذي صدر في22 نوفمبر1967 أي بعد أقل من ستة شهور من تاريخ وقوع حرب يونيو67 ثم قبلت مصر مبادرة وزير الخارجية الأمريكي الأسبق ويليام روجرز في يوليو عام1970, وإن كانت قد استخدمت قبولها لتلك المبادرة لتحقيق هدفين أولهما هو تأكيد استعدادها أمام المجتمع الدولي لقبول سلام عادل في الشرق الأوسط, وثانيهما توظيف فترة الهدنة التي اتاحتها تلك المبادرة في بناء أحد أهم أسلحة مصر في الدفاع عن ذاتها وهو سلاح الدفاع الجوي, الذي مكن مصر لاحقا من صد بل ومنع هجمات إسرائيل الجوية علي عمق مصر الداخلي.
والدرس الذي يجب تأكيده هنا هو أن مصر صاغت سياسة حماية أمنها القومي بعد1967 علي أساس من المزج بين الأداتين العسكرية والسياسية بل وإضافة الأداة الاقتصادية إليهما بتحويل اقتصادها الوطني إلي اقتصاد حرب فيما بين1967 و1973, وتمثلت الأداة السياسية بالأساس في الحفاظ علي خطاب سياسي موجه إلي العالم بضرورة العمل من أجل سلام حقيقي وعادل.
وذلك باسترداد الأرض العربية المحتلة في يونيو1967 كاملة وضمان الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني في مقابل علاقات طبيعية كاملة مع إسرائيل, وتمثلت كذلك في بناء علاقات تعاون عربية كاملة تمثل دعما سياسيا رئيسيا لمصر عندما تحين لحظة الحرب.
استمر المنطق ذاته يحكم سياسة مصر في عهد الرئيس الراحل أنور السادات الذي أوفد مستشاره للأمن القومي المرحوم حافظ إسماعيل مرتين إلي واشنطن للتباحث مع هنري كيسنجر حول إمكانية تحقيق سلام في الشرق الأوسط وفق الأسس المصرية سالفة الذكر.
وعندما عاد إسماعيل في المرتين بإجابة أمريكية واضحة بأن ذلك أمر مستحيل طالما ظل جنود إسرائيل يستحمون علي الشاطيء الشرقي لقناة السويس أدركت مصر أنه لا سبيل لها لتحرير أرضها وبناء السلام إلا باستخدام ذكي للقوة العسكرية وتمتين علاقاتها العربية والدولية التي تساعدها سياسيا واستراتيجيا علي تحقيق ذلك الهدف, مع الاستمرار في سياسة بناء اقتصاد حرب. وقد ترجم كل ذلك في مفاجأة العدو والعالم كله بحرب أكتوبر العظيمة التي كان قيامها في التصور الإسرائيلي والأمريكي دربا من الخيال حتي إن كيسنجر وزير خارجية أمريكا آنذاك حينما أيقظوه من نومه في السابعة صباحا بتوقيت واشنطن ليعلموه أن جنود مصر يعبرون قناة السويس كان رد فعله التلقائي:' لابد وأنهم أصيبوا بالجنون'.
وكانت براعة مصر في صياغة عقيدة أمنها القومي وسياسته تمثلت في قبول قرار لمجلس الأمن في التوقيت المناسب بوقف إطلاق النار بعد أن كانت العسكرية المصرية قد أدت دورها باقتدار وكفاءة وتدعو إلي مفاوضات سلام علي أساس من قرار مجلس الأمن رقم242 وهي المفاضات التي فرض بدايتها السادات علي اسرائيل والمجتمع الدولي بزيارته التاريخية للقدس في نوفمبر1977 ثم بمفاوضات كامب دايفيد في1978 ثم بالوصول إلي معاهدة السلام مع إسرائيل في مارس1979 وعندما تولي الرئيس مبارك السلطة في أكتوبر عام1981 أدرك أهمية إعادة الاستقرار والسلام إلي الداخل المصري وذلك بعد الأزمة التي بدأت في سبتمبر1981 بوضع السادات لمعظم رموز النخبة المصرية في السجون وانتهت باغتياله في يوم مجده.
كان مهما بل وضروريا أن يتم إنهاء هذه الأزمة وأن تستعيد الساحة الداخلية في مصر هدوءها واستقرارها وسلامها وهو ما حققه مبارك عندما أفرج عن جميع المحبوسين والتقي بمجموعة منهم وأكد علي أهمية سلامة الجبهة الداخلية كأساس لحماية أمن مصر القومي وبادله أعضاء تلك المجموعة نفس الاهتمام والرأي والموقف. كان موعد استرداد باقي أراضي سيناء طبقا لمعاهدة السلام هو25 أبريل1982.
وكانت إسرائيل تحاول استثمار أزمة مصر السياسية الداخلية قبل تولي الرئيس مبارك للحكم في إرجاء موعد تسليم أرض سيناء والتلاعب بنصوص المعاهدة والتخلي عن تعهداتها بموجبها. ولكن فطنة مبارك في إعادة توحيد الجبهة الداخلية واجتياز أزمة اغتيال السادات بنجاح وإرسال رسالة سياسية واضحة لإسرائيل والعالم بأنه لا تنازل عن موعد25 ابريل لاسترداد باقي أرض سيناء ورفع علم مصر عليها كان تحركا ذكيا مترجما للتقاليد الراسخة للأمن القومي المصري.
وإذا كانت إسرائيل كعادتها قد افتعلت أزمة طابا كي لا تقوم سابقة عودة أراض عربية محتلة كاملة إلي أصحابها فإن مصر قد أتقنت إدارة عملية تحكيم دولي انتهت لصالحها واستردت طابا في مارس من عام1989 فعادت سيناء كاملة غير منقوصة إلي أحضان الوطن الأم مصر.
ولما كانت سيناء هي بوابة الأمن القومي المصري تهديدا أو حماية فإن مصر أدركت بعد استردادها أهمية تنمية هذا الجزء العزيز من الوطن تنمية متكاملة اقتصادية واجتماعية وسياسية زراعة وصناعة وتعدينا وسياحة, وعلي أن تفضي هذه التنمية أيضا إلي ربط سيناء عضويا بإقليم القناة ومن ثم بالوطن الأم.
صحيح أن استثمارات ضخمة ومشاريع مهمة قد تمت علي أرض سيناء وبخاصة في مجالات البنية التحتية من كهرباء ونقل ومياه وصرف صحي وفي مجالات خدمات الصحة والتعليم والسياحة ولكن الصحيح أيضا أن مشاريع التنمية الزراعية والصناعية والتعدينية ما زالت محدودة وقابلة للتوسع الكبير بما يساعد علي انتقال ملايين ولو محدودة من سكان الوادي والدلتا إلي سيناء لإقامة مجتمعات بشرية قادرة علي الانتاج وعلي المساعدة علي حماية سيناء من أية مخاطر أو تهديدات مقبلة.
والصحيح كذلك أن تحقيق هدف بناء هذه المجتمعات البشرية يستلزم سياسة ثقافية لا تزال غائبة تستهدف تأهيل وإعداد بعض أهل الوادي والدلتا للحياة في سيناء و تأهيل أهل سيناء لقبول هذا الوضع الجديد والتعايش إيجابيا معه, وهو أمر يجب النظر إليه في الحاضر والمستقبل كجزء من سياسة الأمن القومي المصري. | |
| |
| | |