| مراقب الفنون والسياسى
| تاريخ التسجيل: Mar 2008 العمر: 52 المشاركات: 14,808 |
27-09-2009
| سيرة النيل من المنابع الاستوائية إلي الحبشية بقلم: د. طه عبد العليم سيرة النيل من المنابع الاستوائية إلي الحبشية بقلم: د. طه عبد العليم
من لا يعرف قصة حياة النيل لا يعرف قصة تكوين مصر! فمصر واحة مدينة بوجودها الطبيعي إلي نهر النيل, بقدر ما هي مدينة بمأثرتها الحضارية للإنسان المصري. فلولا النيل, بمنابعه الاستوائية ثم بمنابعه الحبشية, لما توافرت البيئة التي مكنت المصريين من الاستقرار بفضل الزراعة والمبادرة بصنع الحضارة, حين حل عصر الجفاف محل العصر المطير قبل عصر الأسرات الفرعونية. وفي التعريف بقصة حياة النيل, أوجزت في مقال سابق' قصة هبوط النيل من جبال القمر' من الهضبة الاستوائية, خاصة مغامراته حتي استرد حريته بالتغلب علي أخطار المستنقعات, التي كادت تضيع مستقبله ومستقبل مصر في الوقت نفسه! ولخصت' كيف أن الوليد وهو يتفلت من الغابة البكر ينمو مصارعا, ثم تفتر همته ويكاد ينفد, ثم يخرج ظافرا'! كما وصف العالم الموسوعي الألماني إميل لودفيج في كتابه' النيل.. حياة نهر', الذي ترجم فيه للنيل كما يترجم للعظماء, بعد أن قضي ست سنين في جمع مواد سفره الجليل!
ونواصل قراءة سيرة النيل كما سجلها لودفيج, فنعرف أن البحيرات الأربع الكبري للنيل سميت بأسماء ملوك وملكات إنجليز! وأهمها' بحيرة فيكتوريا', التي لا تملك سوي منفذ واحد هو منبع النيل الأول! و'بحيرة إدوارد', التي تجري إلي النيل وحده! وعبر' بحيرة جورج' و'بحيرة ألبرت' يذهب جميع ما ينزل من جبال القمر( سلسلة جبال رونزوري) إلي النيل, ليتوجه بذلك جميع ما يرد إلي أوغندا من سيول وأنهار وبحيرات إلي النيل! والحق أن النيل للمرة الأولي بعد بحيرة فيكتوريا يلاقي بحيرة كبيرة حيث ينتهي إلي بحيرة ألبرت فيجوبها, وهنا- وعلي بعد500 كيلو متر من منبعه- يحمل النيل بدلا من اسمه الأول وهو' نيل فيكتورية' اسما ثانيا هو' نيل ألبرت' لمسافة مائتي كيلو متر في مجري عريض هاديء. ولكن يضيق الوادي بغتة, ويتقبض النيل بفعل الصخور في مضيق وينحني فجأة من اتجاهه الشرقي إلي الشمال بفعل الصخور أيضا, ويتحول إلي سيل كما في طفولته, ويأتيه سيل آخر من الشرق فيعززه ويثيره, وتعلو ضفتاه عمقا كمجري نهر جبلي, ويحمل لمسافة تزيد علي سبعمائة كيلو متر اسمه الثالث وهو' بحر الجبل'!
ثم يدخل النيل منطقة المناقع التي تعين مصيره وتقرر مصير مصر, ويكاد النيل يكون شريانا لغدير أكثر من أن يكون نهرا. وما كان لأحد أن يعجب لو اضطر النيل إلي إتمام جريه ولم يكن مجاوزا سوي ثلث مجراه! حيث يتحول النظام النهري الذي وجد حتي الآن إلي عالم مائي غير ملتحم, غير جار تقريبا, متروك إلي الريح متوار في قنوات لا يحصيها عد. وهذا هو أمر النيل الأعلي! ومصدر هذه البلبلة هو انبساط النهر الأصلي الذي لا ضفاف له وانبساط رافديه العظيمين: بحر الغزال وبحر الزراف. وبحر الغزال وإن اعتبر من روافد النيل عملاق وأكثر ماء وأشد كفاحا من كل نهر في أوروبا, ويحيا بسواعده الخاصة وحدها حياة نهر كبير. وفيما وراء البحيرات الاستوائية التي يولد النيل منها يظهر الأقوي من بحر الغزال, فيخسر مجراه واتجاهه وسجيته وتربكه الأسداد النباتية وجزر الكلأ والشعب والجداول ويضحي عرضه لفوضي المناقع ويضيع سلطانه ويغدو عاطلا من الضفاف ويدخل دورا كبيرا من الانحلال. ثم ينصب بحر الزراف في النيل بعد أن يخرج من مناقع واقعة' في مكان ما' من مجري أواي التحتاني' كما يقول الجغرافيون وكأنهم يتحدثون عن لقيط يجدونه. وإذا كان النيل لا يغلب, فإنه يترك مع ذلك ماء غزيرا في إسفنجة المستنقعات. ولكن في أقصي شمال المناقع, تمتد بحيرة واسعة تمثل نقطة انطلاق جديدة للنيل, حيث تنتهي إليها الروافد الثلاثة التي تعين نظام مياه النيل, ويحدث النهر في هذه البحيرة عطفة مباغتة نحو الشرق إلي أن يبلغ ملا كال, فيسلك سبيله الطبيعي من الجنوب إلي الشمال!
وأكثر روافد النيل الثلاثة وقفا للنظر هو السوباط, الذي يصب في النيل حيث يسترد النيل مجراه شمال بحر الرزاف. والسوباط هو الرافد الأول الذي يحمل إلي النيل غرين الحبشة. ويمثل السوباط حوضا عظيما, وهو لا يتناول من هضبة البحيرات الكبيرة غير جزء من مياهه, وهو يتلقي بقية مياهه من جبال الحبشة العالية. ويسير السوباط علي غرار أنهار الحبشة الأخري المتوجهة إلي النيل فيقوم بجولة طويلة في الجبال فلا يجري في السهول غير زمن قليل لملاقاة الأنهار الآتية من البحيرات الكبيرة, ويشق السوباط طريقا لنفسه بحزم في جريه الصائل, وعلي ما يتفق للسوباط من ابتعاد عن أخطار المناقع أكثر مما يتفق لبحر الغزال تراه يترك هنالك كثيرا من مياهه, وبما أن ضفافه أكثر ارتفاعا من جوارها لا تنحسر إلي الوراء مياه الفيضان إلي السوباط بعد موسم الأمطار بل تظل راقدة مدي العام. ويمثل السوباط مع ذلك14 في المئة من مياه النيل في الخرطوم. وفي ملا كال وحين ينحرف النهر نحو الشمال, يحمل هذا النهر اسمه الرابع وهو' النيل الأبيض', الذي يجري مستقيما نحو الشمال بلا روافد إلي أغرب التقاء مرة أخري!
لقد قطع النيل إذن المنطقة الاستوائية, وانقضت مغامرات الشباب, ويسير نهرا متزنا كهلا إلي مصيره, يذكر مباغتاته من بحيرات ومساقط ودوافع ومخاطر من كل نوع في المناقع وكفاح ضد الأهوار. وهو الآن ليس عميقا, يبلغ من العمق خمسة أمتار علي العموم, ومترين في بعض المرات, ويكون في الغالب عريضا كإحدي البحيرات. وبانحداره ملليمترين في الكيلو متر الواحد يبدو ساكنا غير جار مرارا, ويمتد السهل الواسع الذي يتحرك فيه' النيل الأبيض' بلا خطر ولا مانع1200 كيلو متر بين سفح هضبة البحيرات والخرطوم, فيحده من الشرق منحدرات جبال الحبشة ومن الغرب جبال النوبة وتلال كردفان, فيحول دون الفيضان ويكفي لضبط النهر في مجراه وجعله صالحا للملاحة. وهذه هي النقطة التي انتهت إليها معرفة بعض شعوب الأمم القديمة عن النيل.
ولا يزال الماء يجرف أكداسا من البردي كآخر شهود علي اعتراك المناقع. ثم يهجم علي النيل من ناحية اليمين نهر يعدله عرضا ويفوقه صولة, ويضغط النيل الأبيض العريض في مضيق ضيق علي ضفته الغربية, وما كانت مياه أحدهما لتختلط في مياه الآخر بعد. وما كان ذلك رافدا عاديا ينتهي أمره في مصبه, بل يعامل النيل معاملة النظير للنظير عن زهو وغريزة, لكي يجوب العالم معه جوبا مشتركا, وهو يأتيه بذكريات جبال شبابه الذي سيغدو مولدا للحياة عما قليل. وهكذا يلتقي النيل الأبيض والنيل الأزرق تحت نخيل الخرطوم, وهكذا يوجدان بعناقهما الأخوي مكانا من أروع بقاع الدنيا, ويسفر اتحاد مقاديرهما عن وجود مصير مصر.
والنيل الأزرق الرياح سببه! ومن أين يأتي المطر لولا وجود الرياح الموسمية ولولا وصولها في الوقت المناسب وفي الاتجاه المرتقب؟ والنيل الأزرق وليد المطر والجبل, وما مصدر معجزة هذا النيل الثاني إلا تنازع العناصر والبراكين وما عليها من سحاب مزدحم, ولولا جبال الحبشة الشواهق, ولو لم تكن هذه الشواهق براكين تتحطم عليها الرياح وتصب عليها سيول الماء, ما تكون هذا النهر منسابا كالحية نحو السهل, آخذا من الحواجز الصخرية أجزاء معدنية تؤدي إلي إحياء الصحراء بعد ألف ميل, حين تتحول تلك الأجزاء إلي غرين, والغرين إلي واحة, هي مصر! وللقصة بقية. | |