| مراقب الفنون والسياسى
| تاريخ التسجيل: Mar 2008 العمر: 52 المشاركات: 14,819 |
05-10-2009
| زراعة الرءوس! بقلم د. فوزي فهمي زراعة الرءوس بقلم د. فوزي فهمي
كان من أسخف ساسة الحي في أوروبا الوسطي, الكلام هدفه, وأداته, وعدته في إغواء الجماهير, يدفع الأوهام إلي الناس, ويسوق لهم التضليلات, يردد عن ظهر قلب الجمل التي سمعها من الآخرين, ويقلدهم تقليد القردة, رافعا شعاراتهم, مرددا أفكارهم, مروجا لذاته المتشرذمة, إذ بالأمس كان تقدميا, واليوم أصبح من عتادة الرجعيين المتطرفين, وتأتي هذه التراجعات والاستبدالات للأفكار خالية من أي انتقاد أو تطوير, بل هي انقلابات اعتباطية, رهينة حد الانتفاع, ومكاسب الاتجار, إذ هو علي الحقيقة, لم يكن شيئا سوي وجود رجراج, يذهب في مرونة عجيبة كل مذهب يعد بالربح الوافر, ويرجي منه النفع الجزيل, ويحقق أضيق المصالح الخاصة. ولاشك أن ذلك مايشكل مجالا لوهم خطير علي مجتمعه.
تري أليست خطورته تكمن في أنه يمارس تعجيز الناس, وتضليلهم عن المضاهاة بين الحقيقة والزيف, حين يوردهم مورد الإقناع, من دون أن يكتشفوا إشارات الحقيقة ومعالمها؟ لقد كان يشعر شعورا غامضا بما فيه من نواحي النقص, لكنه أيضا كان يجهل أنه طراز نادر في كل ناحية من نواحي الجهالة, إذ يردد في أساليب مختلفة أفكارا بالية ومبتذلة, من خلال خطب غوغائية, توهم بسطاء الناس, لكنها لاتولد حقيقة, بل تكشف عن مواهب ببغاء مدرب علي التقليد, غير مشروط بخصائص المعرفة والتحليل, ومع ذلك يفرض نفسه كأنه آخر الخيارات. صحيح أن ظهور هذا المدعي للسياسة, بوصفه ظاهرة كاذبة, وعدوانا متسلطا علي المجتمع, يتبدي كأنه آت من كهوف الجهالة الطاردة للاجتهاد والعقلانية والمعرفة, لكن الصحيح كذلك أنه يتمتع في سياق المجتمع, بحضور الحدث الذي لابد من مواجهته, حفاظا علي أهداف المصير الإنساني, ومنجزات التقدم وثمرات تنوره, وذلك بالتصدي لكل ما يلغي رهانات العقلانية التي تشكل أهم سند ومراس لأية ممارسة سياسية. تري كيف يمكن تحقيق تلك المواجهة, من دون الاعتداء علي حقوق الحريات, أو ممارسة عنف الإكراه؟
هذا الرجل المسكون باللامعرفة, الممارس للسياسة بأحابيل القطيعة مع مصالح الناس, مل الصيغ المألوفة, والعبارات الشائعة, فراح يبحث عن سحر خاص, يحلق به فوق الجميع, ليوظفه لحساب أطماعه الشخصية, بعيدا عن متطلبات مجريات حياة عامة الناس, فعقد العزم مصمما علي أن يحصل علي فيض من المعرفة, طلبا للتغيير, لكن من دون التخلي عن تواطئه مع نفسه, بإعفاء سلوكه من سيطرة العقلانية, إصرارا علي فرض الجهالة الكاسحة علي الناس, التي تطارد الممكن وتنفيه, وترفع راية المستحيل الذي يميزه وحده عن الجميع. صحيح أنه يبحث عن التغيير, لكن الصحيح أيضا أنه ظل في مستنقعه القديم الحافل بالتناقضات. تهامس الناس بأن هذا المنكود يحاول أن يتعلم شيئا جديدا, ينفلت به من سياق الواقع, ليقلبه إلي وهم للاتجار, ويستثمره لحسابه الخاص. زاره في هذه الآونة رجل غريب, تبدو عليه أمارات الجد والوقار. كشف هذا الغريب للسياسي خلال حواره معه عن تتبعه لمسيرة حياته العامة بعناية وانتباه, مؤكدا له أن معطيات ممارساته في مواقفه العالقة بالتناقضات الحادة, والانقطاعات المفاجئة, والتطرفات والانقلابات من أقصي اليسار إلي أقصي اليمين
قد أسقطته في فراغ بلا مضمون, راح يملؤه بإلقاء خطب تسبح في شقشقات الألفاظ التي لا تفتح للناس آفاقا, أو تولد للمجتمع أفكارا, وعلل الرجل الغريب ذلك بأنه نتيجة افتقاده للحصيلة المعرفية التي تشكل بالنسبة إلي العمل السياسي أهم ضروراته. اعترض الرجل السياسي بأنه قد حصل علي شهادة إتمام الدراسة الابتدائية, فعاجله الرجل الغريب بحقيقة أنه مع ذلك لم يتعلم شيئا, ولايدري شيئا, وإن كانت الجهالة لم تشكل عقبة ممانعة في ممارسته للسياسة, لكنها جعلته يشتط في مفارقاته, وولاءاته, وانقساماته. صحيح أن البوابة الرئيسية لحسابات العمل السياسي, هي الحصيلة المعرفية التي تعمق الإحساس بالمسئولية تجاه الذات, وتجاه المجتمع, فتعزز الحرية الإيجابية, التي تقف بالمرصاد في مواجهة الحرية السلبية في تمحورها حول الذات ومصالحها الضيقة.
وصحيح أيضا أن الحصيلة المعرفية تنزع الوهم عن الواقع, وأن الجهالة تفرض تداول التجهيل العاجز عن صنع تاريخ جديد, لسقوط الوعي عنه بوصفه الكاشف لآفاق الواقع وممكناته, لكن الصحيح كذلك أن الرجل الغريب كان يدرك أطماع رجل السياسة, وأنه ليس مؤهلا لتحقيقها, لذا سأله مباشرة, إذا ماكان يريد دخول مجلس النواب, أو أن يكون مديرا لإحدي المصالح, أو يطمع في أن يكون وزيرا, فحصرت إجابة رجل السياسة أولوياته في أنه يطمع أن يكون وزيرا. علي الفور واجهه الغريب بمعوقاته التي تبعده عن تحقيق أطماعه, حيث تتجلي تلك المعوقات في شعوره بالنقص لعدم اقتداره, وذلك مايشكل انحرافاته, وابتذالاته, وسخافاته التي يحاول من خلالها أن يتلبس لبوس الرجل المناسب. اغتاظ رجل السياسة لكشف جراحه, وطلب إلي الرجل الغريب أن يفصح عن سبب زيارته, فأجابه ببساطة أنه جاء يسأله ــ بوصفه أشهر جراح في العالم ــ عما إذا كان يريد رأسا غير رأسه.
جلب السؤال انتباه رجل السياسة, واستدعي دهشته, واستحضر الاستجابة للتحالف, فاستطرد يسأل, ليس عن مصاعب ذلك وآلياته, بل عن النفع الذي يأتيه إذا ما وافق.
تخلخلت كل مسلمات رجل السياسة, وزلزلت قناعاته وهو يستمع إلي شرح الرجل الغريب, الذي جاء ليمنحه رأسا آخر غير رأسه, حيث انطلق في شرحه من قيمتين أساسيتين, هما التحذير من الآتي في ظل رأسه الحالي, وإضفاء الأمل علي المستقبل, بعد منحه الرأس الجديد, إذ في مدي ساعات قلائل, سيكون في وسعه أن يعرف ما عرفه غيره في سنوات من الإقبال علي الدراسة, والانقطاع للمعرفة, وسيتمكن من معرفة العلوم السياسية والمالية, والفلسفة, والطب, وسيصبح حكيما فور أن يستبدل برأسه رأسا آخر يحرره من معوقات تحقيق أطماعه. لم تستطع إدراكات رجل السياسة استيعاب أن يتم فصل مكان رأسه رأس آخر, لذا راح الرجل الغريب يوضح له الأمر, متحصنا بأسماء العلماء, وتجارب المختبرات العلمية وتقاريرها المنشورة بالصحف, والتي انتهت إلي نجاح العلماء في قطع رأسي دودتين, ثم وضعوا كل رأس منهما مكان الآخر, فإذا بالرأسين المستبدلين ينموان في الجسدين الجديدين بعد فترة قصيرة, وأصبحت حياة كل منهما كما كانت من قبل استبدال الرأس. وأضاف الرجل الغريب, أنه عندما وضع رأس حشرة أنثي علي جسد حشرة ذكر,
أصبحت الحشرة الجديدة مزهوة مختالة, شديدة الغرور بنفسها, وعندما وضع رأس حشرة ذكر علي جسد حشرة أنثي, صارت الحشرة الجديدة فظة غليظة, ميالة إلي الشغب والعنف. لاشك أن الرجل الغريب, الذي قدم نفسه بوصفه أشهر جراح في العالم, قد نجح ــ استنادا إلي قراءاته المتفحصة لخريطة الأطماع الملحة والمتسلطة ــ في إنتاج أثر بارز, تجلي في طرح رجل السياسة لسؤاله عما تم للتجربة بالنسبة إلي البشر, فأجابه الغريب أنه علي يقين من استطاعته أن يتولي أمره, ليجعل منه سياسيا عظيما مفوها, وأنه لأمر يسير أن يطيح برأسه, ويضع له رأسا آخر جديدا. صحيح أن رجل السياسة قد استبدت به أعراض الاضطراب في فك شفرة المشهد, فساورته تارة مشاعر الغضب, وتارة الإحساس بالسخرية منه, وتارة ثالثة إدراكه لهزل الموقف, لكن الصحيح أيضا أن الرجل الغريب شرع قفزا إلي طرح استدراك مسألة اختيار نوع الرأس الذي يريده رجل السياسة, وراح يعدد الصعوبات التي تعترض الاختيار, ممارسا العقلانية, بوصفها انشغالا بجدل المعلوم والمجهول, وذلك بدفعها إلي الانخراط في الأحداث,
لمحاولة اكتشاف تلك الأحداث بوعي مداره التحري, تمكينا للعقلانية من التحكم في آليات الأحداث, حتي تقودها ولاتنقاد إليها,
لذا راح يشرح لرجل السياسة أنه دون ذلك قد يقع مأزق لايمكن تجاوزه, فمثلا يؤكد راهن رجل السياسة أنه يمقت الشيوعية أشد المقت, فإذا ماوقع اختياره علي رأس رجل تبدو عليه أمارات الفهم والنجابة, ثم بعد العملية يتكشف المجهول, بأن يتضح أن ذلك الرأس رأس رجل من أتباع ماركس, عندئذ سيجد رجل السياسة أن رأسه الجديد يبشر بالشيوعية, وهو ما يشكل كارثة بالنسبة إليه, ذلك أنه أسلم نفسه لمجهول دون ممارسة أي امتحان معرفي أو تاريخي له, أخذا بالحذر العلمي الضروري وعيا وتحريا, إذ بقدر ما يشق الحصول علي الرأس المناسب, يشق أيضا سبر أغوار أفكار الناس قبل إجراء استبدال الرءوس, ثم اندفع الرجل الغريب بسرعة خاطفة, وأمسك بتلابيب السياسي, معلنا أنه قبل أن يتاح له قطع رأسه واستبداله, لابد من معرفة مقاس رقبته. هم السياسي بالدفاع عن نفسه, وفي أثناء ذلك ظهر فجأة أحد زملاء رجل السياسة من أتباعه, فانحني الرجل الغريب وانصرف. أجاب السياسي عن سؤال زميله, أن هذا الجراح الشهير رأي أن رأسه غير صالح, وكان يهم بأن يضع له رأسا آخر مثلما يفعل العلماء مع الحشرات. علق الزميل بأن الرجل ليس جراحا, وإنما طبيب نفسي,
ثم طمأنه قائلا: أنت لست في حاجة إلي رأس آخر, فرأسك يكفي مهنتك, وإنك إذا ألصقت بجسدك رأسا آخر, فسوف تصبح شخصا آخر, وتصبح أنت شخصا آخر لمن سوف يضعون رأسك علي كتفيه, ثم عاد مستطردا ليؤكد, قائلا: لابأس في ألا يكون لك رأس البتة, فنحن الساسة لسنا في حاجة إلي رءوس, وإنما نحن بحاجة إلي أفواه فقط. ثم تأبط كل منهما ذراع الآخر, وخرجا يواصلان التضليل.
إن هذا التحذير الذي أطلقه الكاتب الإنجليزي سومرست موم, في قصته الساخرة سياسي الحي, يتوجه به أساسا إلي المجتمع, كيلا يتواني عن فضح أصحاب الأقنعة, أدعياء الممارسة السياسية, غير المؤهلين لها, الذين يعانون أزمة وعي جعلتهم يعوقون أن يصل مجتمعهم إلي فهم أفضل لأوضاعه الماضية والحاضرة, وأن يوطد علاقته بالعقلانية والعلم. لاخلاف أن أصحاب الرءوس الخاوية من أية حصيلة معرفية متجددة, أحرار في ممارسة مشروعية تضليل الناس, وإفقارهم, بنخر أحشاء المجتمع تحقيقا لمنافعهم الضيقة وأطماعهم. صحيح أن واقعنا يئن من نماذج أصحاب الأفواه اللامجدية والرءوس الخاوية, وصحيح أيضا أن استمرار تضليلهم تكلفة باهظة, لكن الصحيح كذلك أن المجتمع بأسره يدفعها من تقدم حاضره, والأمل في مستقبله بدوام عجزه عن صنع تاريخ جديد لأفراده. | |