| مراقب الفنون والسياسى
| تاريخ التسجيل: Mar 2008 العمر: 52 المشاركات: 14,841 |
24-10-2009
| دفاعا عن الدستور؟! بقلم: د. عبدالمنعم سعيد دفاعا عن الدستور؟! بقلم: د. عبدالمنعم سعيد
ربما أكون آخر من يكون لهم حق الدفاع عن الدستور المصري, فأثناء عملية التعديلات الدستورية الأخيرة تبنيت رأيا بالحاجة إلي دستور جديد يقوم علي مفهوم الجمهورية الرئاسية الديمقراطية. وبعد أن تبنت الأغلبية في الحزب الوطني الديمقراطي التعديلات الدستورية الأخيرة التي بلغت34 تعديلا, كان لي تحفظات علي بعض منها في المضمون أحيانا, وفي الصياغة أحيانا أخري, ولكني وجدتها في كل الأحوال خطوة متقدمة إلي الأمام, خاصة ما تعلق فيها بالانتخاب المباشر والتنافسي لرئيس الجمهورية, وما ورد في المادة الأولي عن اعتماد المواطنة أساسا للدولة ونبراسا لها.
لكن ما حافظت عليه طوال الوقت, هو يقين لم يهتز قط في أهمية الدستور, وكونه ليس فقط أبا القوانين كما يقال في التعبيرات الفقهية, ولكن أيضا باعتباره أساسا لوجود الدولة وشرعيتها. وفي كل الأوقات اعتبرت أن الأحكام التي تصدرها المحكمة الدستورية العليا تضع أساسا لتوازن السلطات في مصر, بما قامت به من إلغاء قوانين تزيد علي المائتين خلال العقود الثلاثة الماضية. وكانت القاعدة التي اعتمدت عليها دائما هي أن الدستور يظل هو الوثيقة المقدسة للدولة, ومرجعيتها الأساسية, حتي يتم تعديلها أو تغييرها بأساليب مشروعة وسلمية وديمقراطية حددها الدستور ذاته, فيقوم الدستور الجديد بهذه المهمة.
وهكذا فإن دستور مصر الدائم المعتمد منذ عام1971, وتعديلاته التالية في أعوام1980 و2005 و2007, يظل مهما كانت الملاحظات أو التحفظات ـ هو الوثيقة الأساسية للبلاد, ومرجعيتها القانونية والسياسية, وهو الدستور الذي أقسمت كل المؤسسات السياسية في البلاد ـ الرئاسة والحكومة ومجلسي الشعب والشوري ـ علي الولاء له والمحافظة عليه. ومع أن كل ما سبق معروف ومفهوم لجميع القوي السياسية في البلاد ـ فإن محاولتين جرتا من أجل تجاوز الدستور, وما حدده من وسائل للتغيير, والانتقال السلمي لطبيعة الدولة وأسسها, وفي كلتيهما كانت المحاولة فتحا لأبواب جهنم السياسية حينما يكون البحث عن التغيير بلا أساس أو مرجعية.
جاءت المحاولة الأولي من جماعة الإخوان المسلمين ـ المحظورة قانونا والمشروعة أفرادا ـ حينما حاولت طرح برنامج سياسي يكون أساسا لحزب يدخل الساحة العامة. وبدون الدخول في تفاصيل البرنامج والذي علقنا عليه في حينه, فإن أكثر ما لفت النظر, واستحق التعليق, كان إنشاء مجلس أعلي للفقهاء, يتم انتخابه من علماء الإسلام وحدهم, بحيث يكون له حق المراجعة والتقييم, لأعمال وقرارات السلطتين التنفيذية والتشريعية. وببساطة كان الاقتراح قائما علي استبدال ولاية الفقهاء بولاية الفقيه القائمة في إيران, والهياكل المرافقة لها حاليا كـ مجلس صيانة الدستور, أو مجمع تشخيص مصلحة النظام, مع اختلاف بالطبع في التفاصيل, ولكنه في كل الأحوال كان يقلب الدستور المصري والمبادئ التي يقوم عليها رأسا علي عقب, وينصب جماعة بذاتها وصية علي الأمة, فمن سيكون ساعة حكمهم علي استعداد للاعتراض علي ما أفتوا ورأوه قائما علي القرآن والسنة؟!
المحاولة الثانية جاءت من الأستاذ محمد حسنين هيكل في حديث له مع صحيفة المصري اليوم الغراء يوم الأربعاء الماضي, عندما تجاهل الدستور المصري كلية, وما جاء به بصدد تغيير أو تبديل أو تعديل نظام الحكم, لكي يقترح مجلسا فوق كل المؤسسات التشريعية في البلاد تحت اسم مجلس أمناء الدولة والدستور يقوم بوضع عقد اجتماعي ودستور جديد للبلاد, واقترح له مجموعة من الأسماء المرموقة والتي ليس علي أي منها غبار, بل إن اثنين منها حصلا علي قلادة النيل ـ أحمد زويل ومحمد البرادعي ـ أعلي الأوسمة في الدولة المصرية والتي لا تمنح إلا لرؤساء الدول وأصحاب الإنجازات العظمي, وكان كلاهما قد حصل علي جائزة نوبل في الكيمياء والسلام علي التوالي.
لكن المسألة ليست عن جدارة الأشخاص بقدر ما هي تجاوز غير محمود, وخطير في الحقيقة, للشرعية الدستورية وقوائمها التي كان الأستاذ محمد حسنين هيكل نفسه من مؤسسيها حينما كان نافذا بالسياسة والقول عند وضع دساتير1956, و1958, و1964, و1971 والتي يقوم عليها الدستور الحالي. ومن الناحية القانونية البحتة فإن تجاوز الدستور يكون المقدمة الأولي للفوضي, ويعطي شرعية لكل من يريد تجاوزه بمجالس للفقهاء والحكماء, وما شاء هذا وذاك من أسماء تنظر في أسس وجود الدولة ونظمها.
ومن العجيب أن تكون أولي الحجج التي يقدمها الأستاذ هيكل أن يكون تجاوز الشرعية الدستورية هو طريق تجنب الفوضي وإقامة شرعية دستورية أخري!. ومن المدهش أن السائل في هذه الحالة ـ الأستاذ مجدي الجلاد ـ لا يرد علي لسانه ذكر أو تساؤل عن موقع المجلس المقترح من الدستور الحالي, وما ورد فيه من أساليب للتغيير والتعديل, وكأن مثل هذا التجاهل والتجاوز من طبيعة الأشياء. أو أن الحقيقة هي أن الانبهار بشخصية يمكنه أن يجعل نسيا منسيا المادة189 من الدستور التي تحدد من له الحق في طلب التعديلات الدستورية وهما رئيس الجمهورية ومجلس الشعب, والمادة194 التي تعطي لمجلس الشوري الحق في الموافقة علي الاقتراحات الخاصة بتعديل مادة أو أكثر من مواد الدستور.
ولكن للحق فربما رأي الأستاذ هيكل أن القضية ليست دستورية وفقهية فقط, ولكنها بالأساس والجوهر سياسية, وأن الضرورات تبيح المحظورات, لأن الاقتراح الذي قدمه يقوم علي فرضية أن مصر تشهد حالة توتر شديد جدا يمكنه في حالة الاحتكاك أن يؤدي إلي فوضي سوداء, وأننا في مرحلة ركود وفي مرحلة أزمة ومن ثم فإنها تحتاج إجراءات مؤقتة, أي تتجاوز الدستور!.
وبغض النظر عن التناقضات الواردة في الحديث, حيث الركود لا يسير جنبا إلي جنب مع الأزمة التي هي بدورها تمثل حالة من الحراك الشديد, والذي بدونه لا تحدث الفوضي السوداء; فإنه لا يوجد دليل واحد علي هذه الحالة الدرامية, إلا الحديث عنها في صحف معارضة, واعتبارها واحدة من بديهيات برامج التليفزيون الليلية.
وليس معني ذلك أن مصر ليست بلدا بلا مشكلات, أو أن كثيرا من الاعتراضات لا تجري بين وقت وآخر, وتعبر عن نفسها في أشكال سياسية من إضرابات واعتصامات, ولكن كل ذلك لا يعبر عن' توتر' أو' أزمة' وبالتأكيد ليس ركودا, وإنما نوع من الممارسات السياسية التي يشهدها كثير من دول العالم, بل إنه وفق كل المعايير لا يماثل حالات العنف والإرهاب التي جرت في مصر خلال النصف الأول من التسعينيات من القرن الماضي.
وعلي الأرجح فإن الأستاذ هيكل قد وصل إلي أسباب هذه الحالة وهي حالة الحراك الاقتصادي والاجتماعي والجيلي والتكنولوجي الجارية في البلاد. فهو يلفت نظر سائله بوضوح إلي أنه منذ خمس سنوات, وفي أحاديث متواصلة كنت ألفت النظر إلي ظاهرة الحراك الاجتماعي في مصر, انظر إلي الطبقة المتوسطة, هذا البلد فيه حيوية مدهشة. هذا البلد, والكلام لا يزال للأستاذ هيكل, طاقته علي الإنتاج بلا حدود, وقواه الكامنة ظاهرة في حركة الـMobility الموجودة في القطامية والشيخ زايد والساحل الشمالي.....
وبالطبع فإن ما يحدث أكثر بكثير مما ذكره الأستاذ هيكل, وهناك من المؤشرات الصحية والتعليمية والاتصالية والاقتصادية والتي تؤكد اتساع الطبقة الوسطي, وما وصفه الأستاذ بأنه طبقة بورجوازية صاعدة, وكل ذلك من الطبيعي أن يوجد في البلاد حالة من الحركة والسخونة لم تتعود عليها من قبل, خاصة مع اتساع نفوذ وسائل الاتصال والمواصلات, ومعه هامش الحريات العامة, إلي درجة لم تكن معتادة بالنسبة لأجيال سابقة. وكل ذلك فضلا عن كونه ليس ركودا بحال, فإنه ليس أزمة وإلا كان ذلك هو ما انتهت إليه كل دول الاقتصادات البازغة التي تسارعت فيها عجلة النمو الاقتصادي بكل تأثيراتها, وجري فيها ما جري في مصر من آثار, ويحدث فيها ما يحدث في مصر من أحداث, بل إنها قد تكون أكثر حدة حسب درجة الحراك الاقتصادي والاجتماعي في كل دولة.
والأهم من ذلك كله, أن ما تحقق من حراك لا يمكن حدوثه إلا من خلال سياسات تبنتها الدولة المصرية خلال السنوات الماضية, وراكمت نموا وتنمية أعادت تشكيل البيئة الاقتصادية والاجتماعية لكي نراها علي ما هي عليه, وعلي الصورة التي تظهر بها. وما حدث من تغير في طبيعة الطبقة الوسطي, ودخول التكنولوجيات الحديثة إلي مصر, وصعود برجوازية ذات طبيعة مبادرة لقبول الاستثمار الأجنبي, والحركة من أجل الاستثمار في الدول الأخري, ووجود سياسات ضريبية ومالية واقتصادية واجتماعية, كل ذلك لم يأت من فراغ, وإنما من خلال عملية تطور منظمة لتغيير مصر من حالة إلي أخري قد لا يحبها الأستاذ كثيرا, ولكنها هي الحالة التي سار في اتجاهها العالم خلال العقدين الماضيين.
الفرضية الأساسية إذن لا يوجد ما يؤيدها في الواقع, أو أن الواقع لا يوجد فيه ما يشهد علي حالة من القلق السياسي تفوق ما كان موجودا في النصف الثاني من الستينيات, خاصة بعد نكسة يونيو1967 بين العمال والطلبة, أو خلال النصف الثاني من السبعينيات أو في العقدين التاليين. وما لا يقل أهمية عن ذلك هو أن الحل المقترح من الأستاذ هيكل لا يحل هذه الحالة المتصورة لديه لو كانت صحيحة, أو لها وجود فعلي خارج الدوائر التي يتحدث لها الأستاذ هيكل, والتي تتوتر فيها الوقائع وتلتبس ما بين رواية رجال الأعمال, ورواية الجماعات اليسارية, والناصرية خاصة, في البلاد.
ويزداد هذا التوتر والالتباس, أو الاضطراب في الحقيقة, عندما ننظر إلي قائمة الأسماء التي جاءت في مجمع الحكماء المقترح, والذين لا يجمعهم لا مرجعية فكرية أو سياسية من أي نوع, بل إن من يستمع إلي السيد عمرو موسي بناصريته المحسنة بالتجربة الدبلوماسية, واللامعه بعلاقاته العالمية, تختلف تماما عن الليبرالية الشديدة للدكتور محمد البرادعي; وكلاهما يفترق بمسافة المحيط والبحر عن أحمد زويل العالم الحالم بدنيا تحل التكنولوجيا كل مشكلاتها من داخل محرابه الجليل في جامعة كالتيك التي لا يرضي عنها بديلا في كاليفورنيا. ومع إضافة ما تبقي من المجموعة من عسكر ومدنيين لا نجد إطارا فكريا, أو مرجعية معرفية, أو تجربة تاريخية مشتركة, تجعلهم قادرين علي وضع تصور مشترك لبناء دولة ودستور للبلاد.
مرة أخري فإن كل هؤلاء من أبناء مصر المخلصين, وهم جميعا ممن حققوا في مجالاتهم المختلفة إنجازات كبري, ولكن ذلك لا يحل مشكلة الأستاذ هيكل, أو يعطيه ما يبحث عنه. فباستثناء أنهم ممن أشير لهم في العالم الافتراضي للمدونات, وشبكات الفيس بوك, فإنه لا يوجد ما يجمعهم, أو يؤكد استعدادهم للعودة إلي مصر إذا كانوا خارجها, أو الانخراط في الأحزاب السياسية إذا كانوا داخلها, أو ترك المعامل الكبري أو المناصب العظمي, لكي يقوموا بهذه المهمة التاريخية التي نصبهم عليها شخص واحد مهما كانت حكمته وإلهامه.
ومع ذلك فإن هناك بعضا من الحق فيما قاله الأستاذ هيكل والمتعلق بضعف' السياسة' في مصر عامة, وهي قضية تحتاج إلي مزيد من البحث والتأصيل. فما ظهر من أقوال الأستاذ أنه ليس علي استعداد لوضع الأمر ضمن ثقافة سياسية توجد لديها مشكلة مع' السياسة' بوجه عام, وهو مصمم علي أن الانتفاضات التي قام بها الشعب المصري دليل علي شغفه بالممارسة السياسية حتي ولو كانت كل انتفاضة لا تتعدي أياما أو ساعات قليلة, بل إنه يعتبر حريق القاهرة دليلا علي الحيوية السياسية للشعب المصري, ودليلها العمل علي حرق عاصمته!!.
وهو من ناحية أخري ليس علي استعداد لتحميل ثورة يوليو وتنظيماتها السياسية الأحادية المتعاقبة قدرا من المسئولية هي الأخري; بل إنه يضع العبء كله علي الفترة التي سبقت الثورة لأنه لا توجد سياسة أو تجربة برلمانية رائعة تحت الاحتلال. ومن بعدها ينتقل فورا إلي العصر الحالي الذي أضاع الإجماع العام, وقضي علي سياسة لم تكن موجودة يوما, حتي ولو قرر الأستاذ هيكل استبعاد الفترة الناصرية من التسلسل التاريخي, وهي التي أممت الأحزاب والنقابات وجميع أشكال المجتمع المدني والسياسي.
فهل يمكن والحالة هذه ضعفا واستبعادا للسياسة ممتدا عبر عقود وسنوات أن تكون هناك حالة من التوتر الشديد, اللهم إلا إذا اعتمدنا معايير الحكم التي صكها الأستاذ والتي تجعل كل حجاب في الشارع بيان احتجاج, وكل لحية, وكل ملامح عابسة, وكل سيارة مندفعة علي غير نظام نوع من الاحتجاج, حتي القمامة.. الناس رافضة, والرفض يعبر عن نفسه بوسائل كثيرة جدا, لأن ما تملكه من الاحتجاج يكون محدودا وأخشي أنه يجري استفزازنا أكثر مما ينبغي, وبالتالي يمكن أن يصل الأمر إلي احتجاج أوسع وغير منظم. فهل هذا هو ما انتهي إليه الأستاذ هيكل من حالة سياسية تقوم علي الحجاب واللحية والقمامة, فلا حركات سياسية منظمة, ولا قيادات سياسية تحرك الجماهير, ولا أوضاع اقتصادية واجتماعية تجمعت تناقضاتها إلي الدرجة التي تجعلها تدفع بلدا بأسره إلي الانفجار.
ما هي القصة إذن, وما الذي منع الصحفي من طرح الأسئلة والحقائق المختلفة علي الأستاذ, وهل كانت هناك معضلة كبري في اكتشاف تناقضات المنطق, وتباينات المعلومات, وازدواجية المعايير; وما الذي منع كاتبنا الكبير من البحث عن حل للتناقض والتوتر ما بين رواية رجال الأعمال الذين يعرفهم جيدا عن مصر, ورواية جماعات سياسية لا تكف عن طرق بابه كل يوم, وتعتبره إمامها ومصدر معرفتها وإلهامها؟ السؤال صعب, والإجابة تحتاج تفكيرا طويلا!!. | |