| مراقب الفنون والسياسى
| تاريخ التسجيل: Mar 2008 العمر: 52 المشاركات: 14,819 |
12-10-2009
| دفاتر الأفراح بقلم : يوسف القعيد دفاتر الأفراح بقلم : يوسف القعيد
مازلت اذكر افراح الانجال زمان, يبدأ الاحتفال بعد الظهر, يحضر اصحاب الفرح طباخا من بلد بعيد الشيخ البعيد ندره باتع يصل للبلد قبل الفرح بأيام, وفي يوم الفرح ليلة الدخلة تأتي مزيكة حسب الله البريهات حمراء والبدل كاكية نحل وبرها وكأنها عدة شغل والآلات النحاسية تقادم عهدها, يأتون من المركز يعزفون السلام كلما جاء ضيف, وطول السلام وارتفاع اصواته, يختلف حسب طريقة وصول الضيف.
ان كان عضمة كبيرة راكب سيارة يشتد العزف, يهتز المكان من ارتفاع الصوت ومن سرعة الحركة, اما ان كان الضيف ماشيا علي قدميه, فالسلام يكون بطريقة اداء الواجب, رنة لاتكاد تسمعها مسحوبة تضعف كلما اقتربت من نهايتها, الذين يستخدمون الركائب لهم سلام متوسط, يدخل الضيوف المندرة يجلسون في انتظار دخولهم قاعة الطعام, يلتهمون الطعام علي طريقة خذ بحقك حلفا وارميه البحر أو البلاش كتر منه ومن يأكل ويحلي يخلي مكانه لمن لم يأكل.
الطعام ليس واحدا, غرفة صغيرة محندقة للضيوف الكبار, قاعات واسعة لخلق الله, الجميع يأكل إلا انا, لا أفكر في تناول الطعام, ولكن في تدوين اسماء من اكلوا حتي وقفوا علي اظافرهم, واسلم دفتر الاسماء لاصحاب الفرح, ان كان عملي في ليلة التعزية تدوين صينية الطعام, فإنني في ليلة الفرح اقوم بكتابة النقوط الذي يختلف كثيرا عن الصواني.
ليلة الفرح: السؤال الذي يتكرر علي لساني وقت الغروب, هل سيحضر اصحاب الفرح فرقة عوالم؟ أو سييط, وهي حكاية جديدة, تسبب فيها خطيب الجمعة الذي ينهي المصلين عن اللهو, اخذوها من قصيره سييط بالجبة والعمة والقفطان, وموسيقاه لا تخرج عن ضربات بحبات المسبحة علي العصا الحديدية التي في يده, احسن الف مرة من فرقة العوالم, ما ان اعرف ان السييط هو الذي سيحيي الليلة حتي اطوي اوراقي والم صحفي واعتبر انني في اجازة, يمكنني الذهاب كمتفرج, لا احد يرمي النقوط علي السييط, وهو لايقبل ان ترقص راقصة علي انشاده الذي لايخرج عن السير الشعبية والحكايات التي يتداولها الناس.
يطمئن قلبي ان كانت هناك فرقة من العوالم, ابدأ في جمع المعلومات عنهم, هل معهم راقصة؟ وإن كانت موجودة اسأل عن اسمها, ربما جاءت لنواحينا من قبل, وكانت لها تفانين جعلت الناس تستدين حتي ترمي عليها النقوط, الفرقة ليست مهمة, ومطرب الافراح لاقيمة له, المهم هو الراقصة القادرة علي انتزاع الاموال من الحاضرين.
الغزية القديمة سواء كانت من الغجر أو النور اصبحت راقصة.. بدلتها تكشف اكثر مما تستر, ويسيل عليها لعاب الرجال, ويعبرون عن ذلك بالنقوط, اموال ترمي عليها, ورق جديد لانج, يذبح الانسان لو مر عليه, يرمي تحت قدميها, أو يلصق باجزاء من جسمها.
يا عذابي عندما احاول تدوين اصحاب النقوط, ويصبح الأمر مستحيلا ان حاولت اثبات المبالغ المدفوعة, تحت الراقصة ولد يلم الغلة يجمع الاموال من علي الأرض, ما ان يمتلئ حجره بالاموال, حتي يجري ليضعها في الحصالة, والاموال المجمعة تسمي المحصول.
اطلب من اصحاب الفرح قبل بداية السهرة, ابلاغ الفرقة انني ادون النقوط لاصحاب الفرح. اقسم لهم ـ اصحاب الفرح وفرقة العوالم ومن يرمون النقوط كمطر طوبة ـ اني لا علاقة لي برجال الضرائب, ولست عينا للحكومة أو الديانة, ولكن لا احد يصدقني, ورطة عملي كمدون لنقوط الافراح, وهو عمل جديد لم تعرفه بلدنا من قبل, ومسئول عن دفتر الصواني التي يخرجها الناس مجاملة لاهل المتوفي في ليلة التعزية, ان الكثيرين من ضيوف البلد لايعرفون هذه الشغلانة, ويستغربون وجودها, ويعتبرونها علامة علي قلة البركة, ونقصان الخير.
في ايامنا لانري سوي زعازيع القصب مع ان زعزوعة القصب لايوجد فيها شيء من سكره, والسكر يتجمع في الجذور, قد نفاجأ بجنازة في مواجهة جوازه, هل لاحظت معي ان استبدلت النون واوا, انقلب الحال من الموت إلي الافراح, هل هناك اغرب من هذا؟ من تركوا لنا الأمثال الشعبية ربطوا بين الاثنين في مثل يقول: امشي في جنازة ولاتمشيش في جوازه.
زفة العريس التي كان يرمي عليها البقال علبة الملبس وكان علي تدوين هذا حلت مكانها زفة السيارات والموتوسيكلات التي تحدث من الصخب أكثر مما توفر من الافراح, ما يعزيني ويفرحني أخيرا ان الغرائب والعجائب هبت علي بلدنا, سمعت ان البندر القريب والبنادر البعيدة اصبحت فيها قاعات تؤجر للافراح, مجهزة بكل شيء ويمكن لاصحابها احضار من يرقصون ويطبلون ويزمرون, سألت نفسي
والقاعات تقام فيها المآتم ايضا؟ قيل لي ولم لا؟ الم يقل اجدادنا ان المدينة بنت القرية في كل شيء حتي في شجرة الافراح والاحزان؟ يقولون انها تزرع في الهند وفي رواية أخري في بلاد بونت التي هي الصومال, لم يعد يحضر إلينا منها سوي اخبار القراصنة الذين يخطفون شبابنا عندما يقتربون من بلادهم بحثا عن الرزق الذي اصبح مستحيلا عندنا.
في افراح الناس الغلابة لا عزائم ولامأكولات ولامزيكة حسب الله, ولافرقة عوالم, افراح سكيتي أو كتيمي, يقولون عنها افراح قرديحي بدون ولائم ولاطباخين.
ومثل هذه الافراح لاعمل فيها, من يفرح ينتظر الاحزان, ومن يضحك يتوقف في منتصف الضحكة قائلا: اللهم اجعله خيرا. | |