| مراقب الفنون والسياسى
| تاريخ التسجيل: Mar 2008 العمر: 52 المشاركات: 14,811 |
04-10-2009
| خصوبة مصر هبة النيل الأزرق بقلم: د. طه عبد العليم خصوبة مصر
هبة النيل الأزرق بقلم: د. طه عبد العليم
منذ زمن التكوين المبكر لحضارتها في وادي ودلتا النيل, كانت الخصوبة المتجددة لأرض مصر مدينة لفيضان النيل الأزرق! ومنذ اكتشاف المصريين الأوائل الزراعة المروية واعتماد حياتهم عليها, كانت مصر تئن من الجدب والقحط مع دورات السنين العجاف حين يقل تدفق مياه النيل العظيم, ثم تعرف الخصب والنمو حين يفيض النهر مع دورات السنين السمان. ومهما عانت مصر من أهواء فيضان النيل فقد كانت مدينة بكيانها الطبيعي لفيضان وغرين النيل الأزرق الذي صنعته البراكين والسحب والأمطار والرياح علي هضبة الحبشة. ومنذ فجر التاريخ كان رجال صحراء مصر الذين صاروا فلاحين, بعد أن هبطوا إلي واحة النيل بنهاية العصر المطير, ينتظرون واقفين في مجري النهر ورود الفيضان الحبشي الذي لولاه لهلكوا, وظلوا يصنعون ذلك حتي بنائهم لسد أسوان العالي.
وفي كتابه المبدع في محتواه والبديع في لغته' النيل.. حياة نهر' يشرح الألماني إميل لودفيج عمل العناصر الأربعة صانعة الفيضان والغرين, أي الرياح والسحب والأمطار والبراكين. وهكذا, فإن الرياح لتصنع المطر يجب أن تتصادم مع رياح أخري وأن تذعن لها, لأن المقاومة لا تثمر خيرا. ففي الشتاء وبفضل رياح تهب من الشمال تأتي رياح موسمية من الشمال الشرقي حاملة المطر من آسيا إلي البحر الأحمر. ولكن مع جفاف هذه الرياح تقريبا حين بلوغها الهضاب العالية في الحبشة, تهب في الربيع رياح من الجنوب الغربي, من جنوب الأطلنطي وفوق إفريقيا, لتضيف إلي السحب التي تكونت من بخار مياه البحر جميع رطوبة الغابة البكر في خط الاستواء.
وهكذا تجوب السودان رياح مثقلة بالمطر المنتظر حتي تلطم الجبال التي تنتصب أمامها وتفرغ ما يحمله البخار من ماء منقول آلاف الكيلومترات عندما تمس السحب جدر الجبال الوعرة في الحبشة. وهكذا تؤدي رياح إفريقيا إلي وجود النيل في المكان الذي ينعم فيه علي التراب بالإخصاب. ويستند مهندسو الري في دلتا النيل في حساباتهم للأمطار المحتملة ومن ثم الفيضان المتوقع إلي تلك الرياح, ليبعثوا الفرحة في قلب الفلاح المصري بمعرفة حجم المطر حامل الفيض والخير. ويصل المطر في الوقت المعين دوما, ويبلغ أقصاه في وسط شهر يونيو كما تدل سجلات المصريين منذ ألوف السنين, ولكن مع اختلاف كبير في مقاديره. وما أكثر أجيال المصريين التي درست هذه المسألة الحيوية من غير أن توقن بمقدار فيضان العام المقبل.
ورغم أن ما تحت الأرض من مياه جوفية في الآبار مدين بوجوده لمنابع النيل, لكن فيضان النيل في مسقط رأسه بالحبشة ليس منقذا كأمره في مصر. إذ بينما تري في الهضاب العليا للحبشة ألوف الناس يغادرون منازلهم ويقصدون الجبال فرارا من الطوفان, ويقف كل جولان في موسم الأمطار, تري حيث مهندسي الري في مصر يطلعون ساعة بساعة علي تقدم الفيضان وارتفاع الماء وعلي ما يحتويه من غرين, ينتظرون نقل الأخبار الطيبة إلي ساكني الوادي علي بعد ألوف الكيلو مترات من المجري التحتاني. ومن منطقة بحيرة تانا, ينال النيل منبعا جديدا وخطيرا له. فينحدر النهر من جبال الحبشة الشاهقة في وسط شهر يونيو, ويتحول الهدير إلي زئير في بضع دقائق ليغدو إشارة مرجوة مرهوبة. وفي حوض النيل الأزرق ذي الانحدارات القوية تتدفق الفيضانات القوية المشابهة لفيضانات النيل الأبيض.
لكن المطر قد نحت هنا أخاديد عميقة في الصخور البركانية, ومن هذه الخنادق الضيقة تجري سيول نحو الغرب, نحو النيل. وحينما تبلغ السيول الحجارة الرملية تشقها شقا خفيفا. ثم يلاقي النيل صخور الأراضي البركانية فيشق مجراه الأرض عموديا كما شقه علي الهضبة, وفي أثناء جريانه يفصل منها ما يخلطه بتراب صالح للنبات, وهكذا يتألف الغرين من مجموعة منحلة الأجزاء من الرواسب. فمن الجنادل, أو الصخور العظيمة, يفصل الهواء والماء ملايين الأجزاء التي يتألف الغرين السنوي السخي منها, لتتمكن الحبشة في ملايين السنين المقبلة من أن تمن بالمواد الأولية التي يجرها النيل ويحطها فتتحول إلي تراب جديد. وعلي هذا النحو تصنع رياح الحبشة وأمطارها وجبالها بوليدها النيل الأزرق تلك الواحة العجيبة في الشمال البعيد بفضل رسولها النيل.. تصنع خصوبة مصر.
ويخرج النيل الأزرق من بحيرة تانا, ولكن من المحقق أنه ينصب في تلك البحيرة كنهر قصير ويجاوزها. ويحق للأباي الأصغر أن يكني بأم النيل الأزرق. ويقع منبع الأباي في جبال عالية بجنوب بحيرة تانا علي ارتفاع2700 متر. وفوق انحدار متوتر ووسط غدير يحيط سياج من الخيزران بمنفذ يزيد محيطه زيادة قليلة علي متر مربع, ثم يجري بهدوء ماء صاف بارد من بئر متوسطة العمق إلي خندق ضيق, ليتواري وراء الأيكة نحو الشرق, وهذا هو منبع النيل الأزرق! ولنقابل صغره وسكونه بالمسقط القاصف كالرعد الذي يولد منه النيل الأبيض, فنجد المنبع الصاخب ينال صفة الاتزان والوقار, والجدول الصغير النزير تصبح له من المغامرات ما يثير العجب. ويجري النيل الأبيض ألف ميل قبل أن يمجد كإحدي عجائب الدنيا. وعكس هذا أمر النيل الأزرق الذي يعبد صبيا في المهد!
وينقض الأباي الأصغر بدوافع كثيرة نحو الغرب ثم نحو الشمال, ولما يقيد مجراه تماما, ويقوم النيل الأزرق بجولات طويلة في بقاع لا تعرف المطر, وذلك كالأنبياء الذين يعتزلون الناس قبل دور حياتهم الحاسم. وتلحق بالنهر الصائل جنادل بركانية, ويبلغ عرض ذلك النهر ستين مترا فوق هضبة خربتها السيول, حتي تظهر بحيرة كبيرة في نهاية الأمر. ويصل الأباي إلي شاطئ بحيرة تانا التي تقع علي ارتفاع1800 متر! وتقرب من بحيرة ألبرت اتساعا, وربما تبلغ ضعفها ضخامة, لأن أجزاء الحجارة البركانية السائلة قد جرفت منذ أقدم العصور وتراكمت علي شواطئها, التي يتألف منها غرين النيل. وتصب ثلاثون من الأنهار والجداول مياهها في تلك البحيرة, جميعها أصغر من الأباي, الذي جعل من البحيرة منبعا مهما للنيل.
وبالقرب من شبه جزيرة جرجس, في خليج واسع عميق, يبدأ النيل الأزرق جريانه الحقيقي, ويكون ماء النهر البالغ من العرض مائة متر صافيا عند خروجه من البحيرة متدحرجا من غير انحدار كبير. ويدل جريان النيل الأزرق علي الوجه الذي يبلغ النهر فيه مصيره, كالإنسان, مقتحما مجاوزا جميع الحواجز مدركا مكان نهايته وزمان غايته وفق السنة المفروضة عليه التي تجر نهرا إلي نهر آخر علي الرغم من كل مقاومة تنشأ عن الشلالات والصحراوات والمنعطفات المستمرة.
ويجري الأباي الأكبر نحو الجنوب الشرقي ثم يتحول إلي الشمال الغربي, لأن الجبال التي ولد فيها تسد طريقه, فيدور بانحناء حول جبال غوجم منعطفا مرتين ليصل إلي النيل الأبيض الذي كان أقرب إليه في منبعه. وتكشف الحركة الأولي للنيل الأزرق, عند خروجه من بحيرة تانا, عن عبقرية في سجيته, إذ يجوف لنفسه ممرا عميقا في الصخر, ويحمل عنصر عمله المقبل, يحمل الغرين مبديا حيويته وإنتاجه من أول الأمر. وينخفض ماؤه في الموسم الجاف فلا ينقل أكثر من اثنين في المائة من المواد, فيبدو في الغالب أزرق صافيا, ومن هنا اسمه, ثم يتحول إلي اللون الأسمر حين يحمل الغرين معه في الموسم المطير, وتكتسب مصر اسمها القديم الأصيل: السمراء! نسبة إلي تربتها السمراء بفضل الغرين, صانع خصوبة أرض مصر. | |