| مشرفة فى منتدى مصر
| تاريخ التسجيل: Jun 2008 الدولة: بلدى المشاركات: 4,693 |
11-10-2009
| تجديد العقل أولا
بقلم: رجب البنا  بدأ عصر النهضة في أوروبا بالفكر والعلم, عندما أيقظ الفيلسوف الفرنسي ديكارت العقل الأوروبي بمنهج الشك الذي جعله يعلن أن محتويات العقل الأوروبي ـ وعقله أيضا ـ تختلط فيه الأفكار الصحيحة بالأفكار الخاطئة, ولا يثق في صواب فكرة من الأفكار التي يؤمن بها الجميع إلا بعد أن تخضع لعملية فحص وفرز لاستبعاد كل فكرة فاسدة حتي لا ينتقل الفساد إلي مكونات العقل كله!.
أقنع ديكارت مفكري عصره بأن العقل مثل سلة التفاح فيها الكثير من التفاح الجيد, وفيها أيضا التفاح الفاسد, ووجود تفاحة واحدة معطوبة يمكن أن يتسبب في فساد بقية التفاح, كذلك فإن فكرة فاسدة يمكن أن تفسد عقول الناس, وليس هناك حل إلا أن يفرغ محتويات السلة ويفحص كل تفاحة علي حدة بنظرة الشك في سلامتها إلي أن يتأكد من صلاحيتها, ومن الشك في كل شئ بدأ رحلته العقلية للوصول إلي اليقين, وإلي بناء المعرفة علي حقائق وليس علي أقوال, وأفكار متواترة, وشائعة اكتسبت قداسة لمجرد أنها تناقلتها الأجيال, وكانت البداية بالشك في وجوده هو نفسه, ثم تأكد من أنه هو الذي يشك, ويفكر, فقال عبارته المشهورة: أنا أفكر, إذن أن موجود.
وكانت هذه البداية الأساس لإعادة بناء العقل بأفكار ومعتقدات خضعت للفحص والتحليل, وتأكد من أنها صحيحة بمعيار المنطق والواقع, أما الأفكار التي تسللت إلي العقل من موروثات الماضي, واكتسبت نوعا من التسليم بصحتها لمجرد أنها من المسلمات التي رددها السلف فقد قام باستبعاد ما لم تصمد منها للبحث المنهجي.
وهكذا أصبح العقل الغربي لا يقبل فكرة إلا بعد تحليلها واختبار مدي صحتها وجدواها دون اعتبار لمن قال بها من الأقدمين مادامت لا تقوم علي أساس منطقي وواقعي سليم, وفي الوقت نفسه تقريبا طرح فرانسيس بيكون منهجا جديدا للبحث العلمي والتفكير العلمي يقوم علي الملاحظة والتجربة, ولا يقبل المعلومات إلا إذا كانت مستمدة من الواقع, ومن هذا المنهج التجريبي, ومنهج الشك, وإعادة النظر الديكارتي, بدأ العقل الغربي عصرا جديدا تخلص فيه من الكثير من الأفكار والمعتقدات والعادات التي كانت قد استقرت لسنوات وعقود وقرون دون أن يجرؤ أحد علي مناقشة مدي صحتها أو فسادها..
وهكذا بدأت النهضة الأوروبية في العلوم والفكر والحياة الاجتماعية والسياسية, لأن هذه البداية أدت إلي ترسيخ مبدأ الحرية في التفكير والبحث والحرية الشخصية والسياسية أيضا بطبيعة الحال, وتكاملت عناصر وعوامل النهضة للعقل الأوروبي.. لكن العقل العربي لم يبدأ مثل هذه البداية, ولايزال مستسلما لكل ما ورثه من أفكار السلف الذين عاشوا في عصور البداوة ولم يدركوا بعد عصر العلوم والأفكار والنظم السياسية والاجتماعية الحديثة
أزمة العقل العربي ـ الإسلامي أنه يرفض كل محاولة لإعادة فحص ما في العقل الفردي والعقل الجمعي من أفكار, ولذلك انتقلت العدوي من الأفكار الفاسدة إلي الأفكار الصحيحة, وأصبحت المهمة صعبة بعد أن أصاب الكسل العقل العربي, ولم يعد قابلا للدعوة إلي تنقية الحياة العربية من الأفكار غير الصالحة لهذا العصر.. الكسل العقلي عند البعض تحول إلي جمود وتصلب وتعصب لكل موروثات الأزمان القديمة, وقد أضفي عليها توالي العصور هالة تجعل من يحاول المساس بها متهما بأنه كافر أو زنديق, أو عميل, أو فاسق, وفي كل الأحوال هو مرفوض ومدان, ويبقي الحال علي ما هو عليه!.
علي الجانب الآخر, كانت هناك بعض العقول لديها المقدرة علي التفكير, والدعوة إلي استبعاد الأفكار الشائعة التي لم تصمد للفحص العلمي, ولكن هؤلاء منهم من لحقت بهم الهزيمة أمام تيار الجمود, ومنهم من آثر السلامة, فاستسلم ولجأ إلي الصمت, أو المسايرة, أو هاجر إلي حيث يجد حرية التفكير, ودفع عدد غير قليل منهم ثمن جريمة التفكير من حريته ومن حياته أيضا.. والتاريخ القديم والحديث ملئ بأسماء هؤلاء الضحايا.
ولذلك أصاب الارتباك العقل العربي ـ الإسلامي, وبقيت مكوناته خليطا من أفكار ومعلومات ومعتقدات عصور مختلفة, دون مراجعة أو استبعاد شئ منها, وأصبح التكوين الجيولوجي لهذا العقل مثل التكوين الجيولوجي للأرض طبقة فوق طبقة, وكل طبقة من نتاج عصر, وفي النهاية أصبحت عقولنا مليئة بأفكار ربما كان بعضها ملائما لزمن مضي ومن واجبنا التأكد من أنها مازالت صالحة لهذا الزمن الذي يشهد كل يوم انقلابا في العلوم والأفكار وانتهي به الأمر إلي إدراك أن الحقيقة نسبية, وأن تقدم العلم والفكر يتحقق بعدم اليقين وبقبول الشك في كل نظرية وكل فكرة, وإخضاعها دائما للمراجعة والنقد للتحقق من اتساقها مع منظومة الحقائق التي تأكدت صحتها.
هذا هو التحدي الكبير للمفكرين والمثقفين عموما.. ألا يبدأوا بالتسليم والتصديق, وأن يقوموا بعملية غربلة لمحتويات العقل العربي والمسلم, ويتسلحوا بالشجاعة بإعلان نتائج الفحص ويدعوا إلي استبعاد الأفكار والمعتقدات التي عفي عليها الزمن, والتي شاعت بانتقالها من جيل إلي جيل, ومن كتاب قديم إلي كتاب حديث دون أن يجرؤ أحد علي إعلان عدم صحتها.. هذه المهمة ليست سهلة.
التعديل الأخير تم بواسطة : master.ms بتاريخ 11-10-2009 الساعة 07:43 AM.
السبب: كتابة اسم الكاتب فى العنوان
| |