| مشرفة فى منتدى مصر
| تاريخ التسجيل: Jun 2008 الدولة: بلدى المشاركات: 4,777 |
منذ 4 أسابيع
| الليلة الكبيرة!
بقلم د. هالة أحمد زكي
اذا أردت أن تري صورة صادقة للحياة المصرية التي قد لا تتغير في كثير من تفاصيلها.. فما عليك سوي قراءة بعض صفحات من وصف مصر هذا العمل الضخم الذي أنجبته سنوات الحملة الفرنسية والذي وصف كل صغيرة وكبيرة تحدث وتعيش في مصر. ولا أعتقد وبأي حال أنك ستتوه بين الصفحات التي تحكي عن الموالد المصرية ومحاولات تقرب الفرنسيين من المصريين من خلال احتفالاتهم. فالحقيقة التي لا ينكرها أحد أن هذه الموالد قد سجلت نقطة نظام عند الفرنسيين الذين استوقفهم هذا التصرف المصري الغريب وأصوات المنشدين وحركات الذاكرين غير المفهومة بالنسبة لهم. كما أنه وعلي الجانب الآخر لم يستحسن المصريون وكما أخبرنا المؤرخ الشهير الجبرتي التصرفات الفرنسية. فكانت هناك ومنذ البداية مؤشرات للتنافر أكثر من كونها محاولات للتقارب. ورغم أن هذه مقدمة تدخل في باب تعريف الموالد المصرية الا أنه ليس فيها ما يعرف معني المولد والذي أعتقد أنه ظهر مع استقرار البشر علي هذه الأرض ليصبح أحد أركان الحياة المصرية.
فالمصري المسلم الذي يحرص علي موالد الاولياء والصالحين ويتتبع موالد آل البيت رضي الله عنهم هو نفس المصري القبطي الذي لا يتنازل عن مولد السيدة العذراء في أسيوط ومولد جبل الطير بسمالوط ومولد مار جرجس بميت دمسيس بالدقهلية. فالمولد مناسبة لاخراج ما في النفس من مشاعر وهناك الكثير من المشكلات التي تفرض نفسها علينا وفي المولد يجد الجميع المناسبة للصلاة والتقرب الي الله والذهاب الي الاماكن المباركة التي تعني عند المصري التخلص من نصف احماله وهمومه. والمصريون عندما يفعلون هذا علي مختلف مستوياتهم الاجتماعية والثقافية لا يكونون قد وقعوا في أي محظور ديني من تهويل أصحاب المقام ولكنها فكرة الأرض المباركة التي يحملها المصري بداخله.
فالصلاة والدعاء في حرم الامام الحسين أو السيدة نفسية أو السيدة زينب الذي يقدر عدد مريدي مولدها بثلاثة ملايين شخص, أو في جبل الطير, أو مار جرجس تعني خصوصية المكان كما يعني المولد ايضا خصوصية الزمان الذي ولد فيه ذلك العارف بالله تعالي والذي جاء الجماهير من أجله.
ولهذا تبدو المسألة معقدة جدا وصعبة علي الاستيعاب النفسي عندما يتقرر الغاء الاحتفال بهذه الموالد خوفا من تفشي إنفلونزا الخنازير التي تنتشر كل يوم. فاذا كانت اللجنة العليا لمكافحة إنفلونزا الخنازير قد قررت الكثير من المحاذير فإنها في المقابل تواجه بعدم اقتناع جدي من الناس كما حدث في مولد السيدة زينب رضي الله عنها عندما تحدث محافظ القاهرة عن حظر اقامة أية سرادقات خارج المسجد والاكتفاء بالمظاهر الدينية داخل المسجد عقب صلاة المغرب في يوم19 يوليو. وهو ما يعني الغاء أسبوع كامل من الاحتفالات تسبق الليلة الختامية بهدف منع التجمهر حول حرم السيدة والاكتفاء بزيارة المسجد وهو بلا شك منطق حكومي يقابله منطق محبي السيدة زينب الذين يعتقدون أن قصر الاحتفال سوف يصيب حي السيدة في مقتل من الناحية الاقتصادية خاصة بالنسبة لهؤلاء الذين كانوا يعتبرون المولد مناسبة ينتظرونها من عام الي عام للحصول علي العطايا. فهؤلاء يعتبرون المولد باب رزق يغلق ويكفي ان كل خطوط المواصلات ومنها مترو الانفاق تكتظ بالركاب اما بالنسبة للمحلات والباعة الجائلين وأصحاب المراجيح التي تنصب في الساحة فهو فقر مستعجل, كما أن عادة إطعام بيوت حي السيدة بالفتة المصرية والفول النابت وأداء النذور والمشاركة أو الاستماع الي حضرة الذكر كلها أشياء تدخل في صميم الحياة, وأن عدم وجود كل هذه التفاصيل ليعد فأل شؤم للمصريين الذين يزيدون علي احتفال القاهرة احتفالات أخري.. وليس في هذا عجب أوليست السيدة الطاهرة هي عقيلة بني هاشم ورئيسة الديوان.
واذا كان هذا ما حدث في مولد السيدة زينب فإن الصعايدة مثلا قد بحثوا عن مخرج آخر لمولد سيدي عبد الرحيم القنائي الذي رغم قصر الاحتفال فيه علي الليلة الختامية في منتصف شعبان الا ان الاستعانة بالامكانيات الطبية وجهاز ماسح حراري لخدمة الزائرين جعل الأمر مقبولا الي حد كبير.
فالقضية ستظل مفتوحة كلما هل علينا مولد. الا أن الحل في صف عدم الازدحام في أي مكان, وهذا جزء من المشكلة التنظيمية في مصر. فالزحام موطن للأمراض والمعاكسات والسرقة ومن الافضل النظر الي هذه الموالد بمنظور تنظيمي جديد.. واما الموالد فلن تنتهي أبدا مادامت هناك حياة في مصر.. أولا يذكر الناس أن الحكومة قد عقدت جلسة طارئة لمجلس الشوري أيام الخديو اسماعيل في ساحة السيد البدوي أيام الاحتفال بمولده خوفا من عدم اكتمال الاعضاء, وان مطربي مصر ومقرئيها العظام قد عرفهم الناس من الموالد.. وان حلقات الذكر التي أكاد أسمع صوتها هي عادة مصرية لن تموت.. | |
| |
| | |