| مراقب الفنون والسياسى
| تاريخ التسجيل: Mar 2008 العمر: 52 المشاركات: 14,820 |
25-06-2009
| الخط الأحمر.. والدور الرشيد .. بقلم: مرسـي عطـاالله الخط الأحمر.. والدور الرشيد بقلم: مرسـي عطـاالله
عندما تقول مصر بكل الوضوح إن مياه النيل خط أحمر, وإن مصر لايمكن لها أن تفرط في حقوقها التاريخية إلي حد المجاهرة علنا وصراحة بأنها ستتحرك للدفاع عن هذه الحقوق, إذا ظهرت أي بادرة لمحاولة المساس بحصة مصر فإن ذلك لا ينبغي له أن يفاجئ أحدا في الداخل أو الخارج علي حد سواء.
والحقيقة أن من يراجع سجلات التاريخ, ويفحص بدقة خرائط الجغرافيا سوف يكتشف دون أدني عناء أن قصة مصر هي قصة نهر النيل وأن تاريخ مصر هو تاريخ نهر النيل, وأنه كلما كان النهر مستقرا كانت مصر مستقرة, وكلما كان النهر يعيش حالة من الرخاء كانت مصر أيضا تسعد برخاء مماثل.. بل إن سنوات الهياج والفوران والفيضان الزائد كانت تنعكس تلقائيا علي مصر بأكملها في شكل اضطرابات ومجاعات وأوبئة.إننا بحاجة إلي أن ندرك وعن يقين أننا نملك ما هو أغلي من النفط, وأعظم قيمة من الذهب والألماس! 
يمثل التعامل المصري مع نهر النيل نموذجا للرشد السياسي والقدرة علي توظيف مكانة مصر في خدمة أهدافها الوطنية المشروعة حيث يبرز بوضوح وعي مصر وإدراكها لاستحقاقات وضرورات موقعها الجغرافي حيث يحتل نهر النيل مكانة القلب في هذا الموقع الفريد.. وبقدر ما تسعي مصر لبناء أفضل العلاقات مع دول حوض نهر النيل التسع فإنها في ذلك الوقت تمارس حقها المشروع في الإحساس بمشاعر الخطر عندما تظهر أية بوادر لوجود نيات للمساس بحصتها التاريخية والقانونية في مياه النهر الذي هو شريان حياتها منذ فجر التاريخ
والاهتمام الذي يبديه أي حاكم لمصر بنهر النيل يتوقف حجمه ومداه علي مدي إدراك الحاكم للدور الذي يلعبه هذا الشريان الحيوي في رسم ملامح منظومة الحياة علي امتداد الوادي بأكمله, وهو اهتمام لا يبرز إلا مع الحكام والزعماء الذين يملكون رؤية إستراتيجية وتاريخية حول قيمة ووزن مصر في منطقتنا, وضرورة أن تكون مصر دائما بمنأي عن المفاجآت والمخاطر التي تهدد اقتصادها أو استقرارها, وتؤدي إلي تعطيل دورها وبالتالي إلي انكفائها علي نفسها واستغراقها في همومها ومشاكلها!
لعلي أكون أكثر وضوحا وأقول: إن اتساع دور مصر العربي والإقليمي والعالمي طوال مرحلة حكم الرئيس مبارك لم يكن من فراغ, وإنما كان نتاجا طبيعيا لعمق الرؤية الاستراتيجية والتاريخية وحسن الإدراك لما تملكه مصر من إمكانات, وموارد وثروات لا يقتصر الهدف علي حمايتها فحسب, وإنما العمل علي تنميتها وحسن توظيفها.
وقد عدت إلي بعض كتب التاريخ التي تتحدث عن تاريخ مصر وتاريخ نهر النيل, وتكشف عن طبيعة العلاقة الوثيقة بين استقرار النهر, واستقرار الوطن.
وفي رسالته التاريخية الشهيرة عام641 ميلادية كتب عمرو بن العاص أول حاكم عربي لمصر بعد فتحها رسالة إلي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يقول فيها:... إن مصر يا أمير المؤمنين قرية غبراء وشجرة خضراء يكتنفها نيل أغبر ورمل أعفر يجري فيه الزيادة والنقصان كجري الشمس والقمر, له أوان يدر جلابه, ويكثر ذبابه وتمده عيون الأرض وينابيعها حتي إذا أصلخم عجاجه وتعاظمت أمواجه فاض علي جانبيه,
فإذا تكامل في زيادة نكص علي عقبيه كأول ما بدا وطما في درته, عند ذلك تخرج أهل ملة محقورة, وذمة مغفورة يحرثون بطون الأرض, ويبذرون بها الحب فإذا أحدق الزرع وأشرق, سقاه الندي وغطاه من تحت الثري.
كان النيل ـ كما هو واضح ومسجل ـ هو جوهر ودرة الوصف البليغ الذي وصف به عمرو بن العاص بر مصر في رسالته لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب والتي حوت ملاحظات قيمة حول نظام الري بالحياض الذي كان سائدا في مصر, مع وصف رائع ودقيق لموسم الفيضان, وارتفاع منسوب النهر وهبوطه, وتدفق الطمي وانتشاره علي أرض الوادي.
وربما كان هذا الانبهار بالنهر وفيضانه هو الذي حدد ملامح أول سياسة اقتصادية تستهدف صنع رخاء مصر في ظل الحكم العربي الإسلامي, والتي تمثلت في قرار غير مسبوق بأن يخصص ثلث إيراد الجباية لحفر الترع, وتقوية الجسور وتجنيد نحو120 ألف رجل سنويا لأداء هذه المهمة القومية التي أطلق عليها اسم عمارة الأرض.
ولكن هذا الاهتمام بالنهر لم يستمر طويلا بعد عمرو بن العاص وتراجع الاهتمام تدريجيا من حاكم إلي حاكم, إلي أن بلغ الاهمال مداه وتكررت المجاعات وانتشرت الأوبئة واندلعت الثورات.
وتروي كتب التاريخ أن مصر شهدت بدءا من القرنين الثامن والتاسع الميلاديين سنوات سوداء من الثورات والفوضي الاقتصادية, وأن هذه الأحداث توالي تكرار حدوثها إما بسبب الفيضان العالي الذي كان يهدم كل شيء ويجرفه من أمامه, فيغرق الأرض ويقضي علي الحرث والنسل ويؤدي لانتشار الأمراض والأوبئة, وإما بسبب انخفاض منسوب المياه اللازمة للري والشرب مما يؤدي إلي حدوث المجاعات وانتشار الاضطرابات.
ويقينا, فإن التاريخ لايكذب ودروسه التي لاتخفي علي أحد أهمها ذلك الدرس الذي يقول: إن معظم أزمات مصر الاقتصادية منذ عهد الفراعنة كانت رهنا في معظمها بمزاج النهر وتقلباته, وقد أثبتت الأحداث أن الملوك والحكام اللاهين لم يستطيعوا أن يقودوا شعب مصر في دوراته النيلية بين القحط والفيضان الزائد, لأن النيل ـ بطبعه ـ يكره العبث ويخاصم الارتجال ويقف فقط بجانب الحاكم القوي العادل الذي يحظي بحب الشعب وباحترامه أيضا!
***
وهنا أقول بكل الوضوح إن مصر عندما تؤكد استعدادها للمضي إلي آخر مدي من أجل الدفاع عن حقوقها فإن الكل في المجتمع الدولي يدرك ـ وعن اقتناع ـ أن هذا صوت يعبر عن الرغبة في السلام والاستقرار ولا يجاري أية تلميحات أو تهديدات مبطنة, فقد أكدت مصر مرارا أنها دولة الحساب الدقيق في التعامل مع الأحداث طبقا لمعطيات اللحظة الراهنة ودون اغفال لاحتمالات الغد المستقبلية.
إن أعظم ما في سياسة مصر التي يعجز البعض للأسف الشديد عن فهم دوافعها ومبرراتها تنطلق من فهم وإدراك بأن العمل السياسي لأي دولة يتحتم أن يكون عملا عقلانيا ودبلوماسيا مرنا بما يمكنه من أن يغطي المسافة بين ظروف الحاضر مهما تتعاظم تعقيداته وبين احتمالات المستقبل التي لايمكن تجاهل ضروراتها.
ومثلما تتحرك مصر علي امتداد الساحة الدولية فإنها تفعل الشيء ذاته وربما بصورة أكثر وضوحا وفعالية في محيطها الإفريقي بوجه عام, وفي دائرة مجموعة دول حوض النيل بوجه خاص لكي تؤكد بالأفعال ـ وليس بالأقوال ـ أنها صاحبة دور فعال وحيوي ومؤثر بكل أشكال التعاون الإيجابي انطلاقا من قناعة راسخة بمسئولياتها التاريخية تجاه أشقائها الأفارقة.
ومن يراجع سجل التعامل المصري مع قضايا القارة الافريقية بوجه عام وقضايا وهموم دول حوض النيل يجد أن مصر كانت علي الدوام دولة صادقة في التعبير عن حقيقة انتمائها وتضامنها, وأن كل ما تفعله ليس بهدف أداء أدوار تتسلط عليها الأضواء, وإنما هي أدوار تنطلق عن قناعة راسخة بأن أية دولة تريد أن يكون لها قيمة ووزن لابد وأن تقنع الآخرين باستقامة خطها السياسي من أجل علاقات صحيحة ومتكافئة.
ثم إن هذه السياسة المصرية المنفتحة علي كافة الدوائر تنطلق في دوافعها الأساسية من إدراك صحيح لمدي التشابك بين مردودات السياسة الخارجية لأية دولة ومدي قدرتها علي انجاز أهدافها التنموية لأن القيمة الحقيقية لسياسة ودبلوماسية أي دولة تتحدد بحجم مردودات هذه السياسة علي تأمين المصالح العليا للدولة من ناحية وفائدتها المباشرة علي الشعب من ناحية أخري.
ولم يكن لمصر طوال سنوات حكم الرئيس مبارك أن تعيش في أمن وسلام ووئام مع جيرانها بعيدا عن وجود دور رشيد معزز بكل أدوات العقل والحكمة وغير مقيد بأية نظريات أو عقائد أو مفاهيم تقليدية, وربما يكون ضروريا ومفيدا أن أشير إلي بعض ركائز هذا الدور الرشيد الذي يمثل السلاح الأساسي لمصر في الدفاع عن قضاياها بوجه عام, وليس الدفاع عن مياه النيل وحدها.. وهذه الركائز أهمها مايلي:
إن أحد أهم أهداف التحرك الخارجي هو خدمة أهداف التنمية والتطوير في الداخل وتأمين المصلحة القومية الحيوية لمصر لأن التحدي الحقيقي الذي يواجهنا الآن هو تحسين الأوضاع المعيشية وتحقيق الاستقلال الاقتصادي وتحديث وسائل الانتاج بإدخال التكنولوجيا الحديثة في الصناعة والزراعة والخدمات.
إن هناك ركائز أساسية تدعم الدور المصري في تحركه النشيط وأهمها قدرة مصر علي تعزيز التضامن في مختلف دوائر الاهتمام, خصوصا مع الدول العربية ودول القارة الافريقية والدول الإسلامية, وذلك لا يتأتي إلا من خلال اسهام مصري نشيط في إزالة كل أسباب التناقض بين مجموعة الدول التي تضمها كل دائرة من هذه الدوائر, وسرعة التحرك بالدبلوماسية الوقائية للحيلولة دون نشوء الخلاف والتوتر بين هذه الدول وبعضها البعض.
إن بلوغ المصداقية للدور المصري يحتاج إلي مواصلة الالتزام بسياسة خارجية متزنة متعقلة ترتبط بالأهداف القومية العليا والمصالح الاستراتيجية دون أن تشغل نفسها بصغائر الأمور, والترفع عن الدخول في معارك إعلامية, ومبارزات كلامية مع أية دولة لأن الحقيقة وحدها هي التي تفرض نفسها في النهاية.
إن سياسة مصر الخارجية تنطلق من الإيمان بمبدأ اعتماد الدول علي بعضها البعض وأنه لا يمكن لأية دولة أن تعيش في عزلة عن الآخرين, لأن ما يحدث في أي مكان من العالم يؤثر علي بقية العالم بأسره.
إن المبدأ الرئيسي للسياسة المصرية ينطلق من إيمان مطلق بالسلام, سواء في منطقتنا, أو علي امتداد العالم كله, ومن ثم فإن تحركها الدولي علي كافة المحاور والاتجاهات يستهدف التشجيع علي انتهاج سياسة حل النزاعات بدلا من سياسة إدارة النزاعات.
***
وإذن ماذا ؟
إن الثقة في منطلقات السياسة الخارجية المصرية, وقدرتها علي حماية حقوقنا في مياه النهر ينبغي ألا تعمي عيوننا عن نهر النيل الذي ليس فقط عنوان الحياة والنماء في بلادنا باعتباره أنه يشكل ثروة لا تماثلها ثروة أخري, وإنما هو ثروة نادرة يستحق منا ـ في الداخل ـ أن نعامله معاملة المحميات الطبيعية, وأن نقيه من كل مصادر التلوث.
أريد أن أقول بصراحة إن نهر النيل ينبغي أن يتحول إلي مشروع اقتصادي بكل معني الكلمة لأن نقطة المياه في هذا العصر لاتقل أهمية عن نقطة البترول ـ بل ربما تزيد عليها ـ لأن التقدم العلمي والتكنولوجي استطاع أن يوفر بدائل عديدة لنقطة البترول, ولكن نقطة المياه ليس لها بديل... ثم إنه إذا كانت ثروات الشعوب ودرجات ثرائها تقاس بما تملكه فإن مصر يمكن أن تصبح دولة غنية بفضل نهر النيل الذي تتعدد أوجه الاستفادة منه, ويمكن بحسن ترشيد الاستخدام أن نجعل منه منجما استثماريا غير قابل للنضوب!
ولكي أكون أكثر تحديدا فإنني سوف أطرح مجموعة الأسئلة التالية لكي نستلهم من اجاباتها دليل عمل لحماية هذا النهر العظيم حتي يمكن لنا استثماره الاستثمار الأمثل.
هل أساليب الري التي نستخدمها حتي الآن بالغمر والفتح المباشر لقنوات الري علي الترع والمساقي مباشرة أمر يدل علي تقديرنا لأهمية وقيمة نقطة المياه؟
هل معني استمرار اعتبار نهر النيل منفعة عامة يحق لكل مواطن أن يأخذ منها ما يشاء أن تستمر عمليات إهدار المياه دون رقيب أو حسيب تماشيا مع المثل الشعبي المعروف أبو بلاش كتر منه!
هل أسلوب تعاملنا كشعب ومؤسسات مع مجري النهر يعكس إدراكنا لمخاطر ارتفاع نسبة التلوث حتي لانفاجأ ذات يوم بكارثة تقول إن هذه النسبة تحظر استخدام النهر كمصدر لمياه الشرب, أو مياه الري علي حد سواء؟.. وللعلم فقد حدث مثل هذا في بلاد أخري علي مستوي أنهار صغيرة ليست في حجم وأهمية نهر النيل!
هل استطعنا أن نحقق الاستفادة الكاملة والمطلوبة من الثروة السمكية التي يمكن أن يزودنا بها النهر, والتي يمكن أن تغطي أي نقص في احتياجاتنا من البروتين الحيواني الذي نضطر إلي استيراده من الخارج بالعملات الصعبة؟
هل هذا هو الاستثمار الأمثل للإمكانات السياحية الواسعة لنهر النيل في ظل مناخ غاية في الاعتدال صيفا وشتاء؟
هل هذا الشريان الطبيعي الذي يربط شمال الوادي بجنوبه, ويتفرع شرقا وغربا تم توظيفه التوظيف الأمثل كوسيلة للنقل والمواصلات يمكن أن تخفف من عبء إنشاء طرق برية جديدة, ومد خطوط إضافية للسكك الحديدية؟. وهل... وهل.... وهل؟
إننا بحاجة إلي إجابة ضرورية علي هذه الأسئلة حتي نستطيع أن نعطي هذا النهر العظيم ما يستحق من التقدير لضمان حمايته, وتحقيق أفضل أسلوب لاستثماره استثمارا اقتصاديا مجزيا. | |