| مراقب الفنون والسياسى
| تاريخ التسجيل: Mar 2008 العمر: 52 المشاركات: 14,811 |
09-10-2009
| الخروج علي نص العولمة .. بقلم : السيد يسين الخروج علي نص العولمة بقلم : السيد يسين
احد الاقترابات المنهجية الفعالة في مجال البحث الفكري لظاهرة ما مثل العولمة, هو عدم الذوبان في تضاعيفها أو الانشغال الشديد بمفرداتها, والجدل الايديولوجي الدائر حولها, علي العكس من ذلك يمكن للخروج عن النص أن يعطي الباحث استبصارا أعمق بجوهر المشكلة.
ونقصد بالخروج علي نص العولمة تحليل السياق التاريخي الذي انتجها, وأهم من ذلك كله طرح الاسئلة الخاصة بتطبيق العولمة, كما مارسته النظم السياسية المختلفة, خصوصا النظم السياسية العربية.
وبداية يمكن القول ان ظاهرة العولمة بدأت تشغل اذهان دوائر متسعة من اجيال النخب العربية المتعددة, وأهم ذلك ادراكات النخب السياسية الحاكمة العربية لتوجهاتها وقيمها وتطبيقهم لقواعدها, ويمكن القول ان ارتفاع الوعي الثقافي والسياسي بالمشكلات والتحديات التي يمثلها القرن الحادي والعشرون علامة صحية, لانه بغير هذا الوعي, وبدون الدفع في طريق ابداع الحلول لمختلف المشكلات الاقتصادية والسياسية والثقافية التي تواجه الدول العربية, يمكن ان نخسر معركة المواجهة العالمية قبل ان تبدأ, والحق ان هذه المواجهة صراعا كانت أو تعاونا, أو خليطا من الصراع والتعاون, اشبه ما تكون بمعركة مستمرة, تحتاج إلي حشد القطاعات, وتعبئة الموارد, والتخطيط المتقن, والتنفيذ الفعال والمتابعة المستمرة.
ويمكن القول ان سؤال: ما العمل؟ بمعني كيف يمكن للعرب أن يبحروا في خضم المجتمع العالمي الزاخر بالتغيرات؟ اصبح يطرح الآن في كل ندوة علمية عربية, يتم فيها تشخيص الظواهر السياسية والاقتصادية والثقافية الراهنة, وهو يعبر عن الرغبة العارمة في مجال الانتقال من الكلام إلي الفعل.
وفي مجال الفعل, ونقصد علي وجه التحديد تطبيقات العولمة كما تمارسها النخب السياسية الحاكمة, هناك عدة اسئلة بالغة الأهمية, تمثل منهجية الخروج علي النص التي اشرنا إليها, والتي مارسها باقتدار الكاتب السوري المعروف محيي الدين اللاذقاني في بحث له بعنوان: تساؤلات كونية في عالم بلا هوية, ألقاه في مؤتمر العولمة وقضايا الهوية الثقافية, الذي نظمه المجلس القومي للثقافة في مصر منذ سنوات, وجميع الاسئلة التي طرحها اللاذقاني تستحق في الواقع التأمل العميق.
والسؤال الأول هو: هل النخب العربية قادرة علي قيادة تحولات باتجاه ليبرالية مطلقة تفرضها الكونية الجديدة, التي تتسامح في قضايا الفولكلور والتنوع الثقافي, ولاتقدم اية تنازلات لأي شكل من اشكال الاستبداد السياسي؟
وفي يقيننا ان هذا السؤال المهم يلمس اعصاب اعقد مشكلة عربية, وهي الاستبداد السياسي الذي تتنوع صوره وأشكاله وانماطه من نظام عربي إلي نظام آخر غير ان جوهره يبقي واحدا, وهو احتكار القلة ايا كانت حزبا أو قبيلة للحكم بدون مشاركة شعبية فعالة, وفي غيبة ـ في كثير من الاحيان ـ لدولة القانون.
واهمية هذا السؤال ترد إلي ان التجليات السياسية للعولمة تركز علي تحقيق الديمقراطية واحترام التعددية وحقوق الانسان.
وكل شعار من هذه الشعارات يثير قضايا نظرية وتطبيقية متعددة, خصوصا انه برزت مع قدوم القرن الحادي والعشرين ظاهرة التدخل السياسي في مجال العلاقات الدولية, بمعني حق المجتمع الدولي في ان يغير بعض النظم المستبدة التي ترفض تطبيق قيم الديمقراطية واجراءاتها.
وتبدو المشكلات النظرية المتعلقة بالديمقراطية في غياب نظرية ديمقراطية غربية مصاغة بشكل صوري محكم, بالاضافة إلي تنوع النظم الديمقراطية, وفقا للتاريخ السياسي والاجتماعي الفريد لكل بلد.
ويشهد علي ذلك ان الديمقراطية الانجليزية ـ علي سبيل المثال ـ التي تقوم علي اساس التعددية السياسية المبنية علي التمييز الدقيق بين اليمين والوسط واليسار, تختلف عن الديمقراطية الأمريكية, والتي تسودها تعددية سياسية مرنة تتمثل في حزبين كبيرين الجمهوري والديمقراطي, بمعني ان بعض انصار الحزب الجمهوري قد يصوتون لمرشح رئاسي ديمقراطي والعكس صحيح!
وبعبارة أخري فالانتماءات السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية, ليست بالصلابة الايديولوجية لتلك الموجودة في القارة الأوروبية.
ومن ناحية اخري من المؤكد ان الديمقراطية اليابانية ـ وضعا في الاعتبار التاريخ السياسي الياباني ـ تختلف في كثير من الاوجه عن الديمقراطية الفرنسية مثلا.
ولكن بعض النظر عن غياب نظرية غربية مقننة, فلا يمكن انكار ان هناك مثالا ديمقراطيا لجميع النظم الديمقراطية, تتمثل مفرداته الاساسية في التعددية السياسية وحرية التفكير وحرية التعبير وحرية التنظيم, واجراء انتخابات دورية نزيهة وتداول السلطة.
واذا تأملنا كل هذه المفردات الديمقراطية ـ لوصح التعبير ـ لاكتشفنا بسهولة ان غالبيتها العظمي غائبة عن السياق السياسي العربي!
غير انه اخطر من هذا الغياب وجود ايديولوجيات ابتكرتها النخب السياسية العربية الحاكمة, ابرزها ان الديمقراطية الغربية لاتصلح للتطبيق في السياق العربي!
وفي هذا المجال هناك اجتهادان: الاجتهاد الأول يقول لدينا الشوري الإسلامية وهي جزء من تراثنا وافضل من الديمقراطية الغربية لانها ـ كما قرر مرة الدكتور توفيق الشاوي في كتابه الشوري والاستشارة ـ مصدرها إلهي في حين ان الديمقراطية مصدرها وضعي!
اما الاجتهاد الثاني فيذهب إلي اننا في حاجة إلي ابداع ديمقراطية عربية تقطع الصلة مع الديمقراطية الغربية, بمعني ديمرقراطية تتفق مع تقاليدنا وعاداتنا!
وخلاصة هذا الموقف الذي تتبناه الغالبية العظمي من النخب السياسية العربية الحاكمة, هي انها وان كانت ميالة لتحقيق مشروع الليبرالية الاقتصادية والذي يدعو إلي كف يد الدولة عن التدخل في الاقتصاد واطلاق العنان للقطاع الخاص, إلا ان هذه النخب تمانع في قيادة التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية اللازمة لتحقيق التحول الديمقراطي, بمعني الانتقال من الشمولية والسلطوية إلي الديمقراطية.
وإذا كان هذا هو الموقف الثابت لهذه النخب السياسية العربية الحاكمة, فإنه يمكن ان يؤدي إلي ظواهر سلبية تؤدي إلي نسف الاستقرار السياسي النسبي السائد الآن في المجتمع السياسي.
وقد ابتكر علم السياسة المقارن مفهوم العجز الديمقراطي ليشير إلي افتقار دولة ما لأساسيات الديمقراطية, واهم من ذلك التوصيف ضرورة قيام النخب السياسية الحاكمة بعملية التحول الديمقراطي, واذا فشلت في ذلك أو امتنعت عن تحقيقه, فإن باب التدخل السياسي سيفتح, وقد يعرض ذلك النظام السياسي الممتنع إلي مخاطر كبري.
وإذا القينا نظرة فاحصة علي المجتمع السياسي العربي, لأدركنا انه بالاضافة إلي السلبيات الواضحة التي تميزه, وأهمها علي الاطلاق ممانعة النخب السياسية الحاكمة في تحقيق التحول الديمقراطي, فإن هناك ايجابيات بارزة.
ولعل أهم هذه الايجابيات مشروع بعض النخب السياسية العربية الحاكمة في ادخال تعديلات جزئية في بنية نظمها السياسية, مثل انشاء مجالس شوري بالتعيين, وتحول جزء منها ليكون بالانتخاب في مرحلة اخري.
أو اتجاه بعض النظم السياسية العربية إلي إجراء مصالحة تاريخية مع احزاب المعارضة ودعوة المناضلين السياسيين في المنافي المختلفة إلي العودة لأوطانهم, ولعل ابرز الامثلة علي هذا الاتجاه هو النظام السياسي المغربي, الذي قرر قادته اجراء هذه المصالحة, بل وممارسة النقد الذاتي للممارسات الخاطئة التي طبقت علي احزاب المعارضة والناشطين السياسيين عموما.
بل لقدر خطا المغرب خطوة ابعد حين ابتكر نظرية التوالي السياسي والتي بمقتضاها كلف حزب الاتحاد الاشتراكي المعارض بتشكيل الوزارة, وتحمل عبء حل المشكلات المتراكمة.
قد تكون هذه حركة ذكية لإثبات ان المعارضة بعد توليها الحكم لسنوات فشلت في ايجاد حلول للمشكلات الجسيمة وأهمها مشكلة البطالة وتحسين مستوي الحياة, ولكنها في الواقع كانت درسا بليغا للنظام السياسي وللمعارضة معا, ونفس الاتجاه للمصالحة مع المعارضة ابداه النظام السياسي الليبي, وان لم يتسم بالشمول الذي حظيت به التجربة المغربية.
غير انه يمكن القول ان ابرز الايجابيات التي تحققت في السنين الأخيرة هي بلاشك احياء المجتمع المدني العربي, الذي سبق للنظم الشمولية والسلطوية ان محته تماما من الوجود, أو تأسيسه في بلاد عربية لم تعرفه من قبل.
والمتبع لنشاط مؤسسات المجتمع المدني العربي في المشرق والمغرب, خصوصا في مجال الدفاع عن حقوق الانسان, ليدرك تماما انها استطاعت ان تنجز في هذا المضمار, خصوصا بعد ان قامت بتشبيك نشاطاتها مع مؤسسات المجتمع المدني العالمية, ومن المعروف ان ظهور المجتمع المدني العالمي في العقود الأخيرة, يعد من ابرز ظواهر التحول إلي النظام الدولي.
وذلك لأن الدولة لم تعد هي اللاعب الرئيسي الوحيد, بل ان مؤسسات المجتمع المدني اصبحت احد الاطراف الاساسية في التفاعلات الدولية.
ولعل ما يشهد علي ذلك المصداقية العالية التي تتسم بها تقارير منظمة العفو الدولية, والتي تتعقب مخالفة حقوق الانسان في العالم وفق تقارير رصينة اصبحت رادعا قويا لعدد من الحكومات المستبدة.
وخلاصة مانريد التأكيد عليه, ان النخب السياسية العربية الحاكمة امامها ـ في ظل سيادة ظاهرة العولمة ـ تحديات جسيمة في مجال التحول الديمقراطي, اما القيمة الثانية من قيم العولمة السياسية وهي احترام التعددية, فقد اصبحت من معالم النظام الدولي الجديد الذي يقوم علي قبول فكرة ان التنوع الثقافي يؤدي إلي ازدهار الشخصية الانسانية.
ومن ثم فقد اصبح متفقا عليه ان ينبغي احترام الحقوق الثقافية للأقليات غير العربية, غير ان المشكلة الحقيقية ان الفكر السياسي العربي لم يستطع حتي الآن ان يصوغ نظرية متكاملة عن كيفية التعامل مع هذه الاقليات, وقامت من قبل مبادرات علي اساس التجربة والخطأ, كما حدث في عهد الرئيس السابق صدام حسين مع الاكراد, وفي عهد الرئيس السابق نميري مع جنوب السودان.
والواقع ان التعامل مع التعددية يمثل مشكلة كبري تحتاج إلي اجتهادات فكرية عربية اصيلة, ويبقي بعد ذلك امام النخب السياسية الحاكمة العربية احترام حقوق الانسان, والذي يحتاج إلي إعادة صياغة للعقل السياسي العربي! | |