| مشرفة فى منتدى مصر
| تاريخ التسجيل: Jun 2008 الدولة: بلدى المشاركات: 4,777 |
منذ 3 أسابيع
| من القاهرة
الترشيح لرئاسة الجمهورية ؟!
بقلم : د. عبدالمنعم سعيد
كان العنوان الذي اخترته لهذا المقال' ارفعوا أيديكم عن الحزب الوطني الديمقراطي', والمناسبة هي أن الحزب يعقد الآن مؤتمره السنوي, وفي العادة, وفي البلاد الناضجة, فإن الأمر يأخذ شكل تداول داخل الحزب حول سياساته الحالية والمقبلة, وفي خارجه يكون التقييم والنقد والمراجعة, وما بين الداخل والخارج يوجد الإعلام والجماعات المختلفة تقدم المعلومات, وتطرح الأسئلة علي الجميع.
ولكن المسألة في مصر تأخذ دائما شكلا آخر, فما هو مطروح علي الناس من سياسات لا يكون موضوعا أبدا, وإنما موضوعات وقضايا أخري أشهرها من سيكون مرشح الحزب لرئاسة الجمهورية, ومن تعب من الحديث في هذا الموضوع فإنه يطرح للوطن قائمة طويلة من المرشحين الذين يجري الإدعاء علي أنهم يحصلون علي' توافق قومي'. وإذا لم يكن في هذا ما يكفي فإنه يمكن وضع كل المرشحين في مجلس واحد للأمناء يقوم بدور الوصاية علي البلد كله فيغير دستوره ويعيد تشكيل بناء الدولة, بعد أن حصل هؤلاء علي تصويت وتفويض مزعوم علي الشبكة الافتراضية يقطع ـ كما هو الحال مع جهيزة ـ قول كل خطيب, ويتجاوز كل المؤسسات والقواعد الدستورية في خبطة حظ تاريخية.
وفي العادة, وإذا لم يفلح شيئ علي وجه الإطلاق في الخروج علي الموضوع المطروح فإن بعضا من الساسة والإعلاميين لن يعدموا طرح بعض الأسئلة الافتراضية عما إذا كان المصريين يشعرون بالسعادة أو لا, وهل وصلت نتائج التنمية لكل المصريون أم إلي حفنة قليلة. الغريب في الموضوع أن الأمر كله يطرح في شكل من أشكال الوصاية علي الحزب الوطني الديمقراطي, مقررا له ماذا يفعل وماذا لا ينبغي عليه فعله, بينما لا أحد يطرح نفس الأسئلة علي أحزاب أو حركات سياسية أو شخصيات قومية أخري. وقد يكون ذلك مفهوما في ضوء أن الحزب يحكم البلاد منذ فترة طويلة, ومن ثم فإنه من الطبيعي أن يكون في موضع المسئولية عن السياسات الجارية في البلاد.
لكن هذا' الطبيعي' لا يحدث لأن المناقشين أو المهاجمين للحزب لا يقتربون مرة واحدة من السياسات المطروحة, وإنما يبحثون عن مرشح الحزب لرئاسة الجمهورية دون أن يسأل أحد من سيكون مرشح الأحزاب الأخري, والتي تحتاج أكثر من الحزب الوطني, الإعلان المبكر عن مرشحها, والمشكلة أن محاولة فرض الوصاية هذه تأتي من أشخاص لا يمثلون سوي أنفسهم, أو حركات سياسية لا يتعدي عددها المئات ينفضون ويجتمعون عند كل حركة وكل تجمع, ولهم كل نصف عام اسم جديد, ولكن الجمع نفسه لا يتغير, ومقالاته وهتافاته وشعاراته لا يأتي عليها جديد.
هؤلاء جميعا يبدو أنهم لايعرفون الحزب الوطني الديمقراطي وما طرأ عليه من تغيرات خلال الأعوام الأخيرة وجعلته يبتعد تدريجيا عن الصورة التقليدية لحزب من الأحزاب التعبوية التي عرفتها مصر من قبل حتي بات أكثر الأحزاب السياسية التصاقا بالقواعد الشعبية المختلفة. فبالنسبة للقاعدة الاجتماعية للحزب الوطني, بلغ عدد أعضائه قرابة ثلاثة ملايين نسمة تمثل قاعدة اجتماعية مميزة تراه مكانا معبرا عن مصالحها, وجامعا لمطالبها, وساعيا إلي الحكم باسمها.
وخلال الأعوام الأخيرة دخل أكثر من مليون شاب الحزب حتي باتت الشريحة العمرية من18 إلي40 سنة تمثل65% من أعضاء الحزب, ومن40 إلي60 يمثلون30%, ومن هم أكبر من60 نسبتهم5%, وهو ما يعني أن جيلا جديدا من المصريين قد أصبح الغالبية العظمي في الحزب وفقا لإحصاءات نوفمبر2008, كما تتواصل الانتخابات القاعدية للحزب الوطني كل عامين, فالحراك الداخلي الذي أوجدته لجان انتخابات الوحدات الحزبية في عام2009 ـ والتي عقدت في6662 وحدة وشارك فيها188 ألفا و955 مرشحا وذلك تطبيقا للنظام الأساسي للحزب لاختيار عشرين عضوا في كل وحدة حزبية ـ تمخض عنه انضمام350 ألف عضو جديد للحزب وإلي تغيير نسبة69% من أعضاء اللجان و38% من أمناء الوحدات الحزبية.
إن هذه الانتخابات تمثل ترجمة عملية للديمقراطية الداخلية في الحزب, بل هناك حرص من الحزب علي تمثيل المرأة والشباب. فقد حدد الحزب مقعدين للمرأة في كل وحدة حزبية لا يتنافس عليهما سوي المرأة فقط, شريطة أن يتقدم للمقعدين ثلاث مرشحات, ويجوز في نفس الوقت أن تترشح المرأة في بقية المقاعد الثمانية عشرة. كما حدد الحزب مقعدين للشباب لمن يبلغ منهم ثلاثين عاما كحد أقصي, وبنفس الشروط التي تنطبق علي مقاعد المرأة. وبالنسبة للخلفية التعليمية والمهنية لأعضاء الحزب الوطني, يبلغ عدد الحاصلين علي الماجستير والدكتوراه في الحزب نحو6700 شخص, يمثلون فئات مهنية متعددة, تضم أساتذة جامعة ورجال أعمال وأطباء ومهندسين وصحفيين ومحامين وضباطا متقاعدين وموظفين, قامت بإعداد دراسات وإجراء بحوث وبلورة سياسات تخص الكثير من أمور المجتمع والدولة مثل التعليم والصحة والتأمين والمرأة والطفل والعشوائيات والطاقة.
ومن الناحية الفكرية يمثل الحزب تيار' الوسط' في الحياة السياسية المصرية, ويجمع بداخله ائتلافا مصريا واسعا ممتدا من التيارات الفكرية والتوجهات السياسية المتباينة بين يمين الوسط ويساره, ويحدد برنامجه العام إيديولوجيته وفق ثلاثة مبادئ أساسية, هي الاشتراكية الديمقراطية والقومية العربية والقيم الدينية. أما التوجهات الفكرية للحزب, فهي تقوم علي عدة محاور أساسية, وهي ترسيخ المواطنة والمساواة أمام القانون, وتمثيل كل المصريين بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية والمهنية والإقليمية, وإنجاز التنمية عبر اقتصاد السوق, والاستخدام الأفضل للموارد الوطنية بما يحقق العدالة الاجتماعية, ووضع المصلحة الوطنية في المقام الأول عند رسم علاقات مصر الخارجية.
مثل ذلك لا يتوافر في أي من الأحزاب السياسية الأخري التي لا يوجد لديها تلك القاعدة الاجتماعية الواسعة, ولا الكفاءات المهنية والتكنولوجية, ولا حتي الوضوح السياسي والأيدولوجي. ومن ناحية أخري فإن سياسات الحزب وأفكاره يجري اختبارها سواء من خلال عملية التطبيق أو من خلال عمليات حوار واسعة تؤدي أحيانا إلي سحب الحزب لبعضها إذا ما وجد الرأي العام ليس جاهزا بعد لاستقبالها, أو لتعديلها استنادا إلي آراء خبراء طرحوا وجهات نظرهم في الساحات العامة أو تحت قبة المؤسسات التشريعية. وما يقابل ذلك لا يوجد إلا حالة هائلة من الضجيج بات أكثرها إثارة إجراء الانتخابات الرئاسية قبل موعدها المقرر بعامين, وحتي تكون الإثارة كاملة تم الإعلان عن شخصيات مستقلة تلقي الاحترام من الشعب المصري كل حسب المجال الذي نجح وأجاد فيه باعتبارهم مرشحين للرئاسة في مواجهة مرشح متخيل للحزب الوطني الديمقراطي, في محاولة تعيسة لإجبار الحزب, وبعيدا عن آلياته المؤسسية, لطرح مرشحه, في محاولة لاغتيال الشخصية حتي قبل أن تبدأ المعركة الانتخابية.
المسألة هنا واضحة وضوح الشمس وهي أن الدستور والقانون قد حددا بوضوح الكيفية التي يتم بها اختيار رئيس الجمهورية, ومن حق كل الأحزاب التي لها عضو واحد في السلطة التشريعية ـ مجلس الشعب أو مجلس الشوري ـ أن تسمي مرشحا لرئاسة الجمهورية بشرط أن يكون قد مضي علي تواجده في الهيئة العليا للحزب عام واحد علي الأقل. ومعني ذلك أولا أنه علي الأحزاب المصرية المختلفة أن تعمل بجدية لكي يكون لها عضو منتخب في الانتخابات القادمة لمجلسي الشوري والشعب علي التوالي حتي يكون لها نصيب وحظ في الانتخابات الرئاسية في العام الذي يلي الانتخابات. وثانيا أنه إذا كان قادة الأحزاب المختلفة قد تيقنوا من عجزهم عن خوض المنافسة السياسية القادمة, وأن الأمر يحتاج استيراد شخصية مصرية مرموقة من الخارج أو الداخل,
فإن ذلك لابد من حدوثه مبكرا حتي يتسني مرور عام علي مشاركتها في قيادة الحزب الذي تريد تمثيله. وثالثا أن هذه القيادات الجديدة علي ساحة العمل السياسي المصري ولم يسبق لها الممارسة السياسية في مصر أن تبدأ ذلك فورا ودون تأخير إذا كانت قد اقتنعت بوجهات النظر التي دعتها لقيادة مصر خلال المرحلة المقبلة. فربما يكون من المناسب عودة الدكتور محمد البرادعي واختيار الحزب الذي يرغب في تمثيله, ومن الجائز أن يكون حزب الوفد في حاجة إلي قيادة ذات مؤهلات مختلفة عن القيادة الحالية; وكذلك الحال بالنسبة للدكتور أحمد زويل الذي سوف يكون عليه الانتقال من عالم البحث العلمي إلي عالم المواجهة مع المشكلات المصرية, ولا أدري شخصيا ما هو الحزب الذي يعمل علي جذب صاحب نوبل إلي صفوفه, ولكني متأكد أن أحزابا مصرية عديدة سوف ترحب به; وسوف يكون علي السيد عمرو موسي أن يأخذ خطوة واسعة في حياته السياسية بالاستقالة من الجامعة العربية, وربما الالتحاق بالحزب الناصري الذي يحتاج كثيرا في هذه المرحلة نوعا من' الناصرية المجددة' التي يطلق بعضا من ملامحها الأمين العام لجامعة الدول العربية في أحاديث صحفية من وقت لآخر.
وهكذا الحال لكل من يريد الالتحاق بالقافلة وفقا للدستور والقانون, ومن خلال الأدوات التي تم تحديدها في الكتاب المصري لانتخاب رئيس الجمهورية. فما نحتاجه في هذه المرحلة ليس حرب عصابات سياسية, أو استعارة سلوكيات المليشيات السياسية الشائعة في المنطقة العربية, أو تلك التي تجيد حبكتها القنوات الفضائية, وإنما ترسيخ دولة المؤسسات القائمة علي احترام الدستور والقانون حتي يوجد دستور وقانون آخر أتي بوسائل شرعية ومشروعة. ولعلها ستكون معركة انتخابية رئاسية رائعة إذا ما كان علي مرشح الحزب الوطني الديمقراطي أن يواجه شخصيات مصرية أثبتت نفسها في المجال الدولي, وبات عليها أن تثبت نفسها في الداخل المصري, حيث إنه من المؤكد أن مثل هذه الشخصيات تعرف أن جوهر السياسة هو التنافس حول أحقية وجدارة سياسات بعينها في تحقيق الخدمة العامة للمجتمع.
فربما كانت المشكلة الكبري للحزب الوطني الديمقراطي هي أنه لا يجد منافسة جادة في مجال السياسات العامة حيث لا يجد تقييما جادا لسياساته وإنما حكما عليها منذ البداية, ولا يجد بدائل ممكنة وإنما يجد أحلاما أو شعارات, ولا يجد حوارا جادا أو مناقشات جادة وإنما ضجيج قائم علي التخمين والظن.
لقد ذكرنا من قبل الإطار الفكري العام للحزب الوطني الديمقراطي, وهو يترجم إلي مجموعة من السياسات العامة:
أولاهـــا: يقع في مجال الأمن القومي, حيث يكون مجال الحركة السياسية هو الحفاظ علي بيئة سياسية مستقرة في الداخل والخارج معا, تحفظ لمصر استقلالها ووحدتها الوطنية.
وثانيتها يقوم علي تحقيق أعلي المعدلات الممكنة للنمو والتنمية الاقتصادية وانتشارها بطول مصر وعرضها وذلك من خلال رفع الحواجز والحدود أمام السوق المصرية والمبادرة الفردية مع احتفاظ الدولة المصرية بركائز قوية تسمح لها بالتدخل الفعال إذا ما فشلت آليات السوق أو اختلت موازين العدل.
وثالثتها: مقاومة الفقر من خلال تمكين الفقراء بالتعليم وإتاحة الفرصة لألف قرية لكي تخرج من الظلمات إلي النور, وتقديم الدعم لكل من يحتاجه من المصريين سواء في شكل حصص غذائية أو دعم للغذاء أو الطاقة.
ورابعتها: مقاومة الفساد من خلال تقوية المؤسسات المنوط بها هذه المقاومة من أول المجالس النيابية وحتي نيابة الأموال العامة مرورا بالجهاز المركزي للمحاسبات والرقابة الإدارية, وبالطبع من خلال صحافة حرة وإعلام قوي ومتعدد الاتجاهات.
وخامستها: التحرك التدريجي نحو المزيد من المنافسة في النظام السياسي يجعل التعددية السياسية حقيقة واقعة في عمليات صنع السياسات العامة أو القوانين.
وسادستها: استمرار الحزب معبرا عن' جبهة' وطنية واسعة تعبر عن كل طوائف وجماعات الأمة وتسمح لها بالتواصل والتفاعل والمنافسة حتي الوصول إلي سياسات تحظي بالرضاء العام حتي ولو كان كل طرف مشارك فيها لا يشعر بأنه حقق رضاء كاملا.
نصف دستة السياسات هذه هي التي يجب أن تكون موقع المنافسة والمناقشة من قبل الأحزاب السياسية المختلفة سواء في ظل قياداتها الحالية أو في ظل تجنيدها لقيادات أخري. وبالوسع لمن يريد النقاش الجاد إما أن يطرح سياسات أخري, أو يطرح سياسات معدلة أو تختلف سرعات تطبيقها عن السياسات الحالية; وربما يكون ذلك هو الوقت الذي تطرح فيه أفكار تخص العمل من أجل نزاهة الانتخابات المقبلة, والتفعيل إلي أقصي درجة لدور اللجنة العليا للانتخابات سواء كانت البرلمانية أو الرئاسية, والتحضير للمرحلة التي تلي الانتخابات الرئاسية المقبلة خاصة تلك المتعلقة بالقضايا الكبري مثل الدستور. وربما كانت هذه هي المناسبة ـ كما جري في الحزب الوطني الديمقراطي ـ التي يجري فيها تجديد فكر الأحزاب الحالية, فما معني الوفد مع بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين, وما معني الناصرية بعد أربعين عاما من ذهاب المعلم والزعيم, وما معني اليسار بعد أن سقطت أشكال مختلفة من الاشتراكية وفي ظل الثورة القائمة في أدوات الإنتاج التي هي أساس كل الأفكار في الفلسفة الماركسية.
هذه مجرد أمثلة علي أسئلة لم تطرحها القوي السياسية المختلفة علي نفسها وعلي المجتمع, حيث لم تمتلك الشجاعة السياسية والنزاهة الفكرية لكي تتعامل مع قضايا جوهرية في المجتمع من أول علاقة الدين بالدولة, والعلاقة بين الأغلبية والأقلية, وموقع المرأة من المجتمع والدولة, والتفاعل مع العالم المعاصر في شرقه وغربه. كل هذه الأسئلة طرحها الحزب الوطني الديمقراطي علي نفسه وعلي المجتمع, وانتهي إلي إجابات واجتهادات قد تخطيء أو تصيب, ولكنها خلاصة جماعة واسعة من المتخصصين وأصحاب الرأي والمخلصين للوطن والمستعدين دوما للاستماع والتفاعل مع كل فكر مصري بناء. تعالوا نستمع ونراقب ما سوف يجري في مؤتمر الحزب, وفي خدمة مصر فليتنافس المتنافسون. | |