| مراقب الفنون والسياسى
| تاريخ التسجيل: Mar 2008 العمر: 52 المشاركات: 14,834 |
30-06-2009
| اقتصاديات السوق وأخلاقياتها بقلم : مرسي سعد الدين اقتصاديات السوق وأخلاقياتها بقلم : مرسي سعد الدين
تنظم هيئة الاذاعة البريطانيةB.B.C سلسلة من أربع محاضرات بعنوان محاضرات ريثReith احتفالا بذكري لورد ريث, أول رئيس لها, وكان له دور كبير في تطوير هذه الخدمة الاذاعية البريطانية وتختار الهيئة بعض كبار المفكرين والكتاب, ليس من بريطانيا فقط, بل من دول أخري. وقد ألقي هذه السلسلة هذا الشهر الدكتور مايكل ساندل الأستاذ بجامعة هارفارد ومؤلف كتاب العدالة.
وقد نشرت جريدة التايمز المحاضرة الأولي وعنوانها ثمن لكل شيء.. ولكن بأي تكلفة وفيها يناقش اقتصاديات السوق التي يعيشها العالم هذه الأيام والتي اثبتت فشلها الأزمة المالية التي تعرض لها العالم اخيرا, ويري المحاضر اننا الآن في حاجة الي سياسة موجهة الي الصالح العام بدلا من الفائدة الشخصية التي هي أساس اقتصاديات السوق, وهو يري ان ذلك يحتاج الي حوار علي أساس مبادئ اخلاقية بل وروحانية.. ومثل هذا الحوار يحتاج الي دراسة مفهوم أخلاقيات السوق وذلك بعد أن أنتهت, علي حد قوله, انتصارات السوق وحل محلها, شكوك السوق ان الاسواق اصبحت منفصلة تماما عن قيم المجتمع الأساسية واننا الآن في حاجة الي ربط هذه القيم بالأسواق, بمعني الا يكون الربح الشخصي والطمع هما اساس السوق مما يؤدي, وقد أدي فعلا, الي اتخاذ مغامرات استثمارية غير مسئولة, ومن ثم من الضروري كبح جماح الطمع وتدعيم قيم المسئولية والثقة والنزاهة والعدالة وبمعني آخر العودة إلي الفضائل الإنسانية للتغلب علي غياب القيم.
ويستمر المحاضر ليقول إن الأسواق كانت دائما تسير علي أساس الفائدة الشخصية والطمع, وهما رذيلة ولكن علي السوق أن تغير هذه الرذيلة إلي أداة للصالح العام, وأن تعود الأسواق الي الحياة العامة التي لا تنتمي إليها. ان العالم في حاجة إلي حوار يسعي إلي وضع الاسواق في مكانها الحقيقي ولكي يتحقق هذا يجب التفكير في حدود الأسواق وأن نعرف أن هناك بعض الأشياء التي لا يمكن شراؤها بمال وأشياء أخري يتم شراؤها ولا يجب أن تشتري.
ويري المحاضر أنه خلال العقود الثلاثة الماضية التي تعد فترة انتصار لاقتصاديات السوق, بل استثمار قيم السوق في أوساط يجب ألا تكون متربحة فرأينا مدارس ومستشفيات غرضها الأساسي الربح بل, علي حد قوله, سجونا ووضعت مهام القتال في أيدي مقاولين ومتعهدين كما حدث في العراق وشاهدنا أفول قوة البوليس العادي لتحل محله شركات الحراسة الخاصة وبالذات في الولايات المتحدة وبريطانيا, حيث فاق عدد أفرادها عدد أفراد البوليس الرسمي. وقد حدث نفس الشيء في الأدوية وأصبحت إعلانات التليفزيون ليست عن الأدوية التي تعالج الملاريا أو أمراض إفريقيا بل لمعالجة العجز الجنسي.
ويناقش المحاضر بعد ذلك مسألة الحوافز المرتبطة باقتصاديات السوق والتي بدأ تطبيقها علي نشاطات يجب أن تبعد عنها, لقد بدأ تطبيق نظام الحوافز علي بعض المشاكل الاجتماعية فنري مثلا أن بعض مدارس نيويورك تحاول تحسين مستوي الأداء الأكاديمي عن طريق منح خمسين دولارا للطالب الذي يحصل علي درجات عالية وفي مدينة دالاس يحصل أي طالب يقرأ كتابا علي دولارين. ويري المحاضر أن هذا يجعل الطالب يستجيب إلي الحافز للدراسة أو القراءة ليس بغرض التعلم أو غرس حب القراءة بل للحصول علي الحافز المادي.
ويناقش المحاضر بعد ذلك مشكلة اللاجئين في العالم ويشرح نظرية جاري بيكر الحاصل علي جائزة نوبل في اقتصاديات السوق والذي يري ان حل مشكلة اللاجئين يلخص في أن يقوم كل من يرغب في اللجوء بدفع مبلغ يتراوح بين50 ومائة ألف دولار, وهو يري ان من في استطاعته دفع هذا المبلغ يكون عادة شابا يمتاز بصفات عالية وتخصصات مفيدة, وأهم من ذلك لن يستفيد من المعونة الاجتماعية أو أجر البطالة ان وضع رسم دخول, في رأيه, يسهل عملية من يقبل من اللاجئين ومن يرفض.
وهناك رأي آخر بخصوص اللاجئين لأستاذ قانون دولي وهو يري ضرورة إنشاء هيئة دولية تحدد كوتهQuota من اللاجئين لكل بلد تبعا لثروتها القومية ويمكن لأية دولة أن تحول نصيبها من اللاجئين الي دولة اخري. ويعطي الأستاذ مثالا لليابان, فلو فرض ان الكوتة السنوية لليابان20 ألف مهاجر وليس في استطاعتها استقبالهم, ففي هذه الحالة يمكنها أن تحولهم الي بلد آخر مثل بولندا أو أوغندا وتدفع لها نظير ذلك, ومن ثم يصبح المهاجرون مصدرا للدخل القومي لبلدين فقيرين, ويري المحاضر أن هذا شيء مؤسف إذ يعني وجود سوق للمهاجرين بها بائع ومشتر, وبذلك يصبح المهاجر سلعة وبالنسبة لليابان عبئا بدلا من كونهم بشرا قد يكونون تعرضوا للظلم في بلادهم, وهذا يعني أن السوق لم تعد مجرد آلية بل قاعدة أساسية.
ويروي المحاضر تجربة في احدي الدول, حيث توجد مراكز لرعاية الأطفال في أثناء غياب آبائهم في العمل, فقد وجدوا أن العديد من الآباء يتأخرون في تسلم أبنائهم مما يؤدي إلي وجود مدرس أو مدرسة لرعايتهم حتي وصول الآباء.. ولمنع ذلك قامت المراكز بوضع غرامات مادية علي من يتأخر وبدلا من نقص عدد المتأخرين زاد عددهم, فما الذي حدث; ما حدث هو أن الآباء نظروا إلي هذه الغرامة علي أنها أجر ومن ثم لم يشعر الآباء بأنهم يظلمون المدرس أو المدرسة وإنما يدفعون له نظير التأخير.
ويذكر المحاضر نموذجا آخر وهو التبرع بالدم في المستشفيات, وقد قام أحد أساتذة علم الاجتماع بمقارنة ما يحدث في أمريكا وبريطانيا, ففي بريطانيا منعت الحكومة التبرع بالدم نظير أجر مدفوع بينما في أمريكا أصبح دم المتبرع سلعة تباع وتشتري وكان نتيجة ذلك, كما أثبت استاذ علم الاجتماع, أنه بدلا من تحسن مستوي الدم انخفضت نتيجته وظهرت حالات دم ملوث وكان رأي الأستاذ ان وضع ثمن للدم حوله من هبة تطوعية الي سلعة وحين حدث هذا انتهي الاحساس بأن التبرع بالدم ضرورة اخلاقية تعكس نكران الذات والتضحية.
ويعطي الكاتب نماذج عديدة حول دخول عدد من الأبناء في اطار اقتصاديات السوق ومنها تلوث البيئة ونقل نفايات الدول الغنية إلي الدول الفقيرة نظير دفع أموال, وينهي المحاضر حديثه قائلا إن ما أريد أن أبينه هو أن بعض الأشياء الصالحة في المجتمع تتعرض للفساد ويحط من شأنها لو أنها تحولت الي سلع ومن ثم حين نفكر في استعمال السوق فلا يكفي ان نري جانب الكفاءة فقط بل علينا ان نقرر كيف نقيم السلع فالصحة والتعليم والدفاع القومي والعدالة الجنائية وحماية البيئة لها جوانب أخلاقية وسياسية وليست مجرد جوانب اقتصادية ولكي نحدد ذلك بطريقة ديمقراطية يجب ان نناقش كل حالة وحدها ونعرف المغزي الأخلاقي لها في إطار تقييم, هذا هو الحوار الذي افتقدناه في اثناء عصر انتصار السوق ونتيجة لذلك ودون أن نشعر وجدنا انفسنا نتحول من اقتصاد السوق الي مجتمع السوق ولكن هناك أملا في أن نستطيع بالحوار أن نستعيد الأسس الأخلاقية. | |
| |
| | |