| مراقب الفنون والسياسى
| تاريخ التسجيل: Mar 2008 العمر: 52 المشاركات: 14,808 |
01-10-2009
| إشكاليات العولمة بقلم : السيد يسين إشكاليات العولمة بقلم : السيد يسين
اهتممت بتأصيل ظاهرة العولمة منذ بداية التسعينيات, حين كان الجدل حولها مازال في بداياته. واندفع عديد من المثقفين العرب لاتخاذ موقف قاطع منها, سواء بالرفض المطلق, أو بالقبول غير المشروط.
وفي سلسلة من الدراسات المترابطة التي نشرت في كتب متعددة لي, رفعت شعارا حاولت عن طريقه وقف هذا الاندفاع في التعامل مع العولمة سلبا أو إيجابيا, مؤداه: الفهم قبل التقييم!
بعبارة أخري علينا أن نتعقب أولا الجذور التاريخية للعولمة, ونفهم طبيعتها ونكشف القوانين الحاكمة لها, قبل إصدار أي أحكام تقييمية.
وفي هذا الإطار عنيت بمتابعة الخلاف بين عدد من المؤرخين والباحثين حول سؤال أساسي, هو هل العولمة قديمة وكانت لها تجليات تاريخية محسوسة, أم هي ظاهرة جديدة, ساعدت الثورة الاتصالية الكبري وفي قلبها شبكة الإنترنت علي انتشارها؟.
كان هناك رأي ذهب بأن العولمة يمكن ردها إلي الإمبراطورية الرومانية, وامتدت إلي منتصف التاسع عشر الذي شهد فتوحات كبري في مجال الاتصالات, حيث تم اختراع اللاسلكي والتلغراف والطائرة, مما ساعد علي الاتصال الوثيق بين مراكز العالم المتعددة.
إلا أن رأيا مضادا ذهب إلي أن العولمة ظاهرة جديدة, ساعد علي تشكيلها اتساع السوق الرأسمالية, وزيادة ظاهرة الاعتماد المتبادل بين اقتصادات الدول المختلفة, ونشوء اتحادات اقتصادية إقليمية متعددة, مثل الاتحاد الأوروبي في أوروبا والنافتا في أمريكا اللاتينية والآسيان في آسيا, بالإضافة إلي التأثير العميق للثورة الاتصالية الكبري, وقد أثيرت أسئلة شتي حول مواقف المثقفين العرب من العولمة, أو بعبارة أخري ظاهرة الاستقبال العربي للعولمة, بكل ما تتضمنه من مواقف مؤيدة ومعارضة.
وقد تعرض لهذا الموضوع بشكل شامل الدكتور محمد حافظ دياب في كتابه المهم تعريب العولمة, الذي صدر منذ وقت قريب عن مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية, والذي حاول فيه التمييز بين مواقف المثقفين والعرب اليساريين والليبراليين الجدد والقوميين, وبغض النظر عن تفضيلات مواقف هؤلاء جميعا, فقد اهتممت علي وجه الخصوص بفقرة اقتبسها من الاقتصادي المصري العالمي المعروف سمير أمين من كتاب له صدر بالفرنسية( دار لارماتان عام1993) بعنوان العولمة والتراكم.
وأهمية هذه الفقرة أن سمير أمين طرح بألمعية فكرية عميقة الإشكاليات الكبري التي تثيرها العولمة في شكل أسئلة متتابعة مترابطة.
(راجع صفحة163 من كتاب تعريب العولمة).
السؤال الأول هو: كيف تعرف العولمة والاستقطاب الملازم لها؟ بالسوق العالمية أم بشمولية التكنولوجيا, أم بالتقدم عن طريق بناء نظام إنتاجي عالمي؟
والواقع أن طرح هذا السؤال يمس ظاهرة العولمة باعتبارها عملية تاريخية في الصميم.
وليس هناك شك ـ كما أكدنا في صدر المقال ـ ان العولمة حين تعرف لابد من التركيز علي اتساع السوق العالمية, لأن الهدف الاستراتيجي للعولمة هو دمج الأسواق القومية في سوق عالمية واحدة تمثل فضاء اقتصاديا بالغ الاتساع, بحيث لاتحول الحواجز اللغوية أو الجغرافية دون التبادل الاقتصادي, الذي يتم ـ بتأثير ثورة الاتصالات ـ في زمن يقاس بالفيمتوثانية, إذا استخدمنا مصطلحات العالم المصري أحمد زويل, الذي حصل علي جائزة نوبل لاكتشافه هذه الوحدة الزمنية لأول مرة في التاريخ.
سوق عالمية نعم, ولكن أهم من ذلك أنه تحكمها عقيدة اقتصادية متطرفة هي الليبرالية الجديدة ترمي إلي كف يد الدولة نهائيا عن التدخل في الاقتصاد, وخصخصة المشاريع العامة, وإطلاق حرية السوق إلي ما لا نهاية.
ومما لاشك فيه أن العولمة قد نجحت نجاحا فائقا في خلق هذه السوق العالمية, التي يتم التبادل فيها وفق معاهدة منظمة التجارة العالمية, التي أنشئت عقب مباحثات الجات لكي تحرس مبدأ حرية التجارة, ومن أجل أن تعلي المصلحة الاقتصادية للدول المتقدمة علي حساب الدول النامية, التي تكافح من أجل تعديل النصوص المجحفة التي وردت في المعاهدة, وأضرت ضررا بليغا بدول الجنوب.
ولكن نجاح العولمة في خلق هذه السوق الكونية حمل في طياته الفشل الذريع, الذي أثبتته الأزمة الاقتصادية العالمية الأخيرة, التي وقعت في الولايات المتحدة الأمريكية, وطالت آثارها السلبية ـ بحكم تأثير العولمة ـ اقتصادات العالم جميعا.
ولم يحدث السقوط إلا بفضل آليات العولمة الاقتصادية المستحدثة, وأهمها علي الإطلاق خلق سوق اقتصادية افتراضيةVirtual, تقوم علي المضاربات ومنح القروض بلا حدود, مما أدي إلي السقوط المدوي للشركات والبنوك الكبري, وهذا أدي بالدولة الأمريكية إلي ضخ بلايين الدولارات لإنقاذها, بل إن بعض الدول مثل بريطانيا أممت بعض البنوك, في مخالفة صارخة لمباديء الاقتصاد الحر, وهكذا يمكن القول إن السوق العالمية إحدي المظاهر الأساسية لظاهرة العولمة.
ويبدو التساؤل عن شمولية التكنولوجيا وهل يمكن تعريف العولمة علي أساسها, تساؤلا في موضعه تماما. وذلك لأن إحدي علامات التطور الحاسمة التي حدثت في أواخر القرن العشرين. هي قيام الثورة العلمية والتكنولوجية.
وقد رسمت الملامح الأساسية لهذه الثورة في سلسلة مقالات متكاملة نشرتها في مجلة الكاتب المصرية في ثلاثة أشهر متتابعة هي أغسطس وسبتمبر وأكتوبر عام1969, عقب عودتي من بعثتي العلمية إلي فرنسا(1964 ـ1967), والتي أتيح لي فيها أن أتعمق في دراسة تحولات النظام العالمي.
وكان عنوان الدراسة الايديولوجية والتكنولوجيا, وقد اهتممنا بها برسم ملامح الثورة التكنولوجية والتي أجملناها في ثمانية ملامح مترابطة, هي:
1 ـ أنها تعتمد علي العلم الحديث الذي أصبح ثورة انتاجية مباشرة.
2 ـ أنها تعطي الأولوية لوسائل الانتاج المميكنة تماما وتلك التي تدور ذاتيا.
3 ـ تسهم هذه الثورة في اكتشاف مصادر جديدة للطاقة.
4 ـ كما أنها تشترك في عمليات العثور علي مواد جديدة.
5 ـ تتغير الصناعة والاقتصاد تغيرات كيفية, وتنشأ فروع جديدة وتزول من الوجود فروع أخري, ويحدث تداخل بين الفروع المختلفة.
6 ـ تنظيم إدارة الانتاج الصناعي علي هدي أسس جديدة
7 ـ يتطور العلم والتكنيك بمعدلات قياسية.
8 ـ يتغير دور الإنسان ـ بحسبانة القوة الانتاجية الرئيسية ـ تغيرا كيفيا.
كانت هذه هي الملامح الرئيسية التي رسمناها للثورة التكنولوجية عام1969, وكأننا كنا نبشر بقدوم عصر العولمة في جوانبها التكنولوجية, التي أصبحت هي أسلوب العصر لبناء نظام إنتاجي عالمي.
ويطرح سمير أمين سؤالا أساسيا آخر, هل تتم العولمة بالسياسة أم بالثقافة ؟
والواقع أن الانطلاق من مفهوم متكامل للعولمة, يغنينا عن المفاضلة بين السياسة والثقافة!
لقد قدمنا من قبل في دراساتنا وكتبنا مفهوما متكاملا للعولمة, حين قررنا أن لها تجليات سياسية, تتمثل في الديمقراطية واحترام التعددية وحقوق الإنسان, وتجليات اقتصادية تتمثل في معاهدة منظمة التجارة العالمية التي أقيمت لحراسة مبدأ حرية التجارة في إطار سوق عالمية مفتوحة لا تحدها أي قيود, وتجليات ثقافية تتمثل في السعي لصياغة ثقافة كونية تروج أساسا لثقافة الاستهلاك الوفير, وأخيرا تجليات اتصالية بحكم أن العالم كله أصبح متصلاConnected بعضه ببعضه الآخر.
أما السؤال عن العولمة وهل تنتج استقرارا أم أنها تزيد من تخلخل الأنظمة, فالرد باليقين أنها كانت أشبه بالانقلاب الشامل الذي أثر علي تماسك المجتمعات. ذلك أن الفروق الضخمة بين المجتمعات المتقدمة التي تحتكر المعلومات وتنتج المعرفة وتحتكرها في كثير من الأحيان, والمجتمعات النامية أدت في الواقع الي طبقية فاضحة علي المستوي العالمي. فقد نعمت الدول المتقدمة بثمار العولمة اعتمادا علي تاريخ قديم من النهب الاستعماري لدول الجنوب, وسيطرة كاملة بعد الحرب العالمية الثانية علي المؤسسات الدولية وأبرزها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي, وهذه المؤسسات هيمنت علي مسارات التنمية في دول الجنوب, من خلال المساعدات الاقتصادية والقروض.
وقد أدي مذهب الليبرالية الجديدة التي حاولت العولمة الرأسمالية فرضه علي دول الجنوب, الي استقطاب طبقي حاد داخل المجتمعات, بحيث تمتعت شرائح طبقية ضيقة بثمار النمو الاقتصادي, في حين أن الغالبية من الطبقات الاجتماعية المتوسطة والفقيرة هبطت الي مستوي متدن من الفقر.
وقد أدي هذا الوضع الي عدم الاستقرار السياسي في عديد من دول الجنوب, والذي عبرت عنه العديد من الظواهر السلبية كالانقلابات والحروب الأهلية, وفي الحالات الأقل خطورة نجد ظواهر الركود السياسي والاستبداد والعجز الديمقراطي.
وليس معني ذلك أنه ليس للعولمة آثار إيجابية, فمما لاشك فيه ان فتح باب المنافسة العالمية دعا عديدا من دول الجنوب الي رفع مستوي تدريب القوي البشرية. أنظر علي سبيل المثال الي ماليزيا والصين, حيث تم التركيز علي التعليم والبحث العلمي والتدريب, مما قاد هذه البلاد من بعد الي طفرة كبري في معدلات النمو وفاقت عديد من الدول المتقدمة ذاتها.
ويطرح سمير أمين من زاوية أخري تماما سؤالا هو, هل نعيش مرحلة أزمة مهمة في الرأسمالية والاشتراكية معا, وكيف تؤثر أزمة كل منهما في الأخري ؟
طرح هذا السؤال عام1993 وهو تقريبا العام الذي سقط فيه الاتحاد السوفيتي! ومعني ذلك أن الاشتراكية لم تكن في أزمة بل إنها تدهورت كايديولوجية سياسية فقدت مكانتها بحكم سقوط الاتحاد السوفيتي, وهو الدولة الرمز التي كانت في لحظة تاريخية ماالمؤشر علي عظمة الاشتراكية!
أما الرأسمالية العولمية في مرحلة انطلاقها الأولي فلم تكن في أزمة, بل إن الحديث الذي ساد بعد سقوط الاتحاد السوفيتي, أنها نجحت نجاحا ساحقا بعد انهيار خصمها اللدود!
غير أن المشكلة الكامنة في صميم النموذج الرأسمالي نفسه, وهي الفجوة بين عمومية عملية الانتاج وفردية الاستحواذ علي الفائض, أدت ـ بعد نجاح الرأسمالية عدة مرات في تجديد نفسها ـ الي السقوط بعد الأزمة المالية العالمية, والتي هي في الواقع كما أكدنا أكثر من مرة أزمة اقتصادية, لأنه ثبت ان هناك مشكلة انسحاب الدولة من الاشراف علي الاقتصاد بصورة أو بأخري, وحرية السوق المطلقة!
وهكذا تتعدد إشكاليات العولمة, التي تحتاج كل منها الي قدرة علي الوصف الموضوعي والنقد الذاتي في الوقت نفسه, حتي يتم تجاوز سلبيات المرحلة التاريخية الراهنة. | |