| مراقب الفنون والسياسى
| تاريخ التسجيل: Mar 2008 العمر: 52 المشاركات: 14,808 |
منذ 4 أسابيع
| أمة في خطر! بقلم: نبيل عمر أمة في خطر! بقلم: نبيل عمر
فعلا.. نحن أمة في خطر.. ومن لايصدق فليقرأ هذه الحكاية؟!
حكاية أغرب من الخيال, أي خيال..
كان الدكتور سين وهو أستاذ جامعي جالسا أمام مكتبه يراجع بريده الإلكتروني, حين فوجئ برسالة هابطة علية من السماء, هكذا تصور, تقول سطورها: نهنئكم بالفوز بالجائزة الكبري في اليانصيب العالمي وقيمتها750 ألف دولار, بعد ان جري السحب علي عناوين البريد الإلكتروني لملايين الاشخاص في العالم, من فضلك املأ بيانات الاستمارة المرفقة, وضع عليها صورتك وأعدها إلينا حتي يمكن الاتصال بكم لترتيب إجراءات تسليم الجائزة.
راح الدكتور سين يتأمل الرسالة ويقرأها مرة تلو المرة, تداعبه أفكار الثروة, وتتمايل أمام عينيه ملايين الجنيهات في إغراء لايقاوم, مثل راقصة عارية مصنوعة من المانجو والشطة معا!
ولأسباب ما استسلم الدكتور سين حامل درجة الدكتور للغواية, وأرسل بياناته الشخصية.. مر يوم ويومان وهو في منتهي القلق, يسأل نفسه: هل يمكن ان تحدث المعجزة..
ووقعت المعجزة في اليوم الثالث: شكرا علي سرعة الاستجابة, حتي لا يسقط حقكم في الجائزة, وبما انك تعيش في مصر بالقارة الإفريقية, فسوف يتولي فرع البنك التابع لنا في لاجوس بنيجيريا تسليمك قيمة الجائزة, وعليك ان تحضر الي لاجوس لهذا الغرض, بعد سداد399 دولارا مصروفات إدارية لاستخراج الشيك بمبلغ الجائزة, أو ان نرسل لك الشيك الي عنوانك بالقاهرة بمعرفة شركة أمن عالمية متخصصة, مقابل ان تسدد315 دولارا الي الشركة و250 دولارا مصاريف شحن.
ووقع الاستاذ الدكتور في حيرة وحسابات معقدة, هل يذهب الي لاجوس ويقبض الشيك بنفسه أم ينتظر الشيك في القاهرة ويسدد مصروفات نقله اليه؟!
وراح يحسب الاحتمال الاول: ثمن تذكرة طائرة من القاهرة الي لاجوس والعودة لايقل عن خمسة آلاف جنيه, المبيت ليلتين او ثلاث ليال في حدود1200 جنيه, و400 دولار مصروفات ادارية, و600 دولار مصروفات شخصية وانتقالات داخلية وطعام, يعني الرحلة سوف تتكلف فوق العشرة آلاف جنيه.. كما ان لاجوس من المدن الخطيرة التي قد يتعرض فيها الغريب الي ما لا يحمد عقباه.
اما الاحتمال الثاني فهو لن يزيد عن تكاليف شركة الامن العالمية, يعني565 دولارا يعني ثلاثة آلاف جنيه تقريبا, اقل من ثلث اعباء السفر, بما فيها المخاطر والتعب والجهد!
وربما صلي الاستاذ الدكتور صلاة استخارة قبل ان يتخذ قراره الرهيب ليحمل السماء مسئولية تصرفه, ولايحملها لعقله الذي أنعم الله به عليه..
المهم انه استصوب ان يحول الي اصحاب اليانصيب العالمي مبلغ الـــ565 دولارا, وهو مبلغ زهيد مقابل750 الف دولار خالية من الضرائب..وجلس ينتظر الشيك المعجزة علي احر من الجمر, وهو يدعو ويصلي ويتبارك.. وينذر بان يوزع زكاتها علي الغلابة والمساكين وأرباب السبيل. وجاء الرد.. دون البشري, بل وجد مطلبا جديدا من أصحاب الجائزة: للأسف الحقيبة التي بها الشيك حجزت في مطار لاجوس لأن المبلغ المكتوب فيه أكثر من مائتي الف دولار المسموح بخروجها, وعليه ان يرسل ثلاثة آلاف دولار خلال يومين علي الأكثر لاستخراج شهادة خلو طرف من الإرهاب, وإلا صودر مبلغ الجائزة.
عذر في منتهي الذكاء والتماسك, فالإرهاب يضرب في كل مكان, وجماعات العنف لهاباع طويل في نيجيريا, والتحويلات المالية بين المصارف تخضع لرقابة دولية, حتي تمنع مصادر التمويل عن الارهابيين المنتشرين في اربعة ارجاء المعمورة. لكن ثلاثة آلاف دولار مبلغ كبير, ياليته سافر بنفسه الي لاجوس..
فماذا يفعل؟!,
هل يكمل المشوار الي نهايته؟!, هل يتوقف بعد ان دفع الـــ565 دولارا؟! ومازال الأستاذ الدكتور حائرا, لم يصل الي إجابة بعد.. وبالقطع لايعنينا ان يصل او لايصل الي هذه الاجابة, ولا يهمنا ان ننقذه من براثن عملية نصب ساذجة, لكن مايهمنا ويمزق قلوبنا ويدهس عقلنا هو: ماذا يصنع هذا الاستاذ الجامعي مع آلاف الطلاب في جامعته؟!,
ماذا يعلمهم؟!, مانوعية التفكير الذي يغرسه فيهم؟!
والآخطر: ماهذا التعليم الذي أفرز لنا أستاذا بهذه العقلية بعد سنوات دراسة متصلة لا تقل عن25 عاما؟!
ماقيمة الدكتوراه التي يحملها؟!
هل يمكن ان نقبل فكرة ان الطمع فقط هو الذي اعمي عقله فلم ير الفخ المنصوب؟!
لا.. لا أستطيع ان أقبل هذه الفكرة, فالمسألة تتجاوز الطمع إلي النمط, تتجاوز الفرد الي الجماعة, لان المنصوب عليه ليس شخصا عاديا, بل هو أستاذ جامعي, أي باحث في العلم, فكيف يسلم عقله وهو سلاحه الي أول طارق علي الباب حاملا بعض الإغراءات المستحيلة؟!
أذن نحن أمام ماض فاسد أنتج أستاذا لا يحسن التفكير العلمي المنظم, وغير قادر علي الرؤية السليمة, ولا يختلف عن عوكل واللمبي وبوحة وغبي منه فيه أو عم صميدة الذي لم يغادر قريته وعاش حياته مابين الغيط والزريبة والدار!
وأيضا نحن أمام مستقبل غامض لا رجاء فيه لأن عوكل أو اللمبي أو صميدة هو الذي يشارك في إعداد أجيالنا الجديدة لمواجهة الحياة, هو الذي يعلمها ويأخذ بيدها في طريق البحث والمعرفة!
والتعليم ليس مجرد معرفة معلومات أو تخزينها في العقل البشري كما نخزن الكراكيب القديمة في دولاب الكرار, او كما يخزن البخيل ثروته تحت البلاطة ويحرم نفسه منها, التعليم هو تكوين رؤية عقلية تنقل الانسان من حالة في التفكير والتعامل مع الحياة الي حالة اعلي, ترتقي فيها قيم العمل والانتاج وتندثر قيم الفهلوة والتواكل وانتظار المجهول, فيكون مؤهلا لاتخاذ قراراته بشكل أنضج, اقرب الي الصحة في جوانب حياته المتعددة, سواء كانت شخصية: كحب وزواج وطلاق وصداقة وزمالة وتربية وجيران وترفيه, أو عملية: كتعليم وعمل ومجتمع مدني وأحزاب ونشاط عام وهجرة( مؤقتة أو دائمة)!
أما إذا أنتج لنا التعليم أستاذا لايفكر ولايسأل الأسئلة المنطقية الصحية فنحن أمة في خطر! | |