منذ ما يقرب من عشر سنوات، أعلنت الجماعة الإسلامية عن قيامها بمراجعات فقهية للأسس التي قام عليها الفكر الجهادي العنيف، ومنذ عشرة أيام صار متداولاً ما كتبه شيخ تنظيم الجهاد الدكتور سيد إمام، عن ترشيد العنف، وتقديمه مراجعة لبعض الأسس الفقهية التي قامت عليها واحدة من أكثر جماعات العنف الديني صلابة وتشددا وهي تنظيم الجهاد، وأصبحنا أمام إطار فقهي وفكري جديد، يختلف عن نظيره، الذي برر العنف والعمليات الإرهابية طوال السبعينيات والثمانينيات.
ويمكن اعتبار المراجعات، التي قامت بها الجماعات الإسلامية الجهادية، نقطة فاصلة في تاريخها، فهي من ناحية تعد اعترافاً بفشل خيار العنف والتغيير بالقوة والعمليات الإرهابية، ومن ناحية أخري تعتبر محاولة لتقديم تفسيرات فقهية جديدة مناقضة لتلك التي بررت عمليات العنف، التي اجتاحت البلاد لأكثر من عقدين.
والسؤال المطروح في هذا السياق: لماذا حدثت المراجعات، وهل هي نتاج الضغوط الأمنية والتعذيب الذي تعرض له كثير من العناصر الجهادية، أم هي صفقة مع النظام القائم، تقوم علي مراجعة الجهاديين لأفكارهم في مقابل الإفراج عنهم، وربما توظيفهم سياسيا في مواجهة تيارات إسلامية أخري، وعلي رأسها الإخوان المسلمين؟!
وتبدو هذه القراءة غير دقيقة إلي حد كبير، فرغم أن العناصر الجهادية تعرضت للعديد من الضغوط الأمنية، فإن «فلسفة المراجعات» تعود أساساً إلي فشل المشروع الجهادي في إسقاط «الدولة الطاغوتية»، كما سماها، عن طريق العنف والثورة الإسلامية، وأدي انكسار التنظيمين، وربما إنهاؤهما، إلي جعل المراجعة أمراً حتمياً كنتيجة للفشل، وليس أساسا للضغوط الأمنية.
وقدمت الجماعة الإسلامية مراجعتها مبكراً، وتمثلت أولاً في مبادرة وقف العنف عام ١٩٩٧، ثم في إصدار أربعة كتب في عام ٢٠٠٢، تمثل مراجعة للأساس الفقهي، الذي قام عليه المشروع الجهادي للجماعة الإسلامية تحت عنوان «سلسلة تصحيح المفاهيم»، وهي:
ــ مبادرة وقف العنف.. رؤية واقعية ونظرة شرعية.
ــ حرمة الغلو في الدين وتكفير المسلمين.
ــ تسليط الأضواء علي ما وقع في الجهاد من أخطاء.
ــ النصح والتبيين في تصحيح مفاهيم المحتسبين.
والحقيقة أن جوهر هذه المراجعات يعني أن الجماعات الجهادية أعادت النظر في الأسس الفقهية، التي بررت العنف والعمليات الإرهابية بعد فشلها، ولكنها لم تعن أنها بنت رؤي عقائدية جديدة، تؤسس لنشاط سلمي جديد.
من المؤكد أن جانباً كبيراً من القضايا، التي جرت مناقشتها في كتب المراجعات، ترد علي وقائع وممارسات جرت في عصر سابق، دون أن تتعرض إلي تحديات العصر الجديد، ورغم أنه أمر جيد أن تتم مراجعة هذه الممارسات فإنها بالتأكيد لا تكفي لبناء خبرة جديدة، أي أنها نجحت في رفض أساليب الماضي، دون أي استشراف للمستقبل.
فعلي سبيل المثال، جاءت في الفصل الأخير من كتاب «النصح والتبيين في تصحيح مفاهيم المحتسبين»، مجموعة من القضايا والممارسات لا علاقة بها بالقضايا السياسية، كاعتراض البعض لرجل وامرأة في الطريق العام، أو الاعتداء علي الفنانين عند عودتهم في الليل، أو اقتحام منازل تحت شبه ممارسة الرذيلة داخلها، وضرب السكاري، والاعتداء علي الفتيات المتبرجات، وغيرها من الأساليب.
والحقيقة أن هذا الفصل الأخير الذي جاء تحت عنوان «نماذج من التجاوز علي أرض الواقع» لم يتعرض إلي قضية سياسية معاصرة واحدة، ولم يناقش أي تحديات جديدة طرأت علي الحركة الإسلامية بغرض استشراف مستقبلها، وظلت القضايا الواقعية التي نوقشت مجرد قضايا تخص «السلوك الفردي» والأخلاقي، وإيجاد تفسيرات فقهية جديدة لتبرير التحول الذي جري، وتقديم نقد ذاتي ومراجعة شاملة لهذه النوعية من الممارسات.
ولذا لم يكن غريباً أن تكون الغالبية العظمي لمصادر كتب المراجعات الأربعة الرئيسية هي كتب لفقهاء أوائل، وتطرقت لماماً إلي فقهاء معاصرين كالشيخ القرضاوي.
بالمقابل، فقد جاءت مراجعات الشيخ إمام مختلفة وذات طابع فقهي وعقائدي، يخص السلوك السياسي العنيف لتنظيم الجهاد، ووضع قيود علي ممارسة العنف ضد الحاكم المسلم، وبحق الأبرياء المدنيين، كما جاء في وثيقته عن ترشيد الجهاد.
ومع ذلك فإن الواقع السياسي، الذي خرجت إليه عناصر تنظيم الجهاد، يختلف بصورة كبيرة عن الواقع الذي «قاتلوا» فيه السلطة القائمة طوال الفترة السابقة، فهناك الإخوان المسلمون كقوة إسلامية شبه مسيطرة علي الساحة السياسية، علي عكس الحال في السبعينيات والثمانينيات حين ناطحتها الجماعات الجهادية في الجامعات المصرية، وتفوقت عليها في وجه قبلي، وهناك ضعف للأحزاب المدنية، وركود في الحياة العامة، وتدهور هائل في أداء الدولة لا يحتاج إلي تنظيمات جهادية لمواجهتها، إنما أصبح يعاني خطر الفوضي والتحلل الداخلي، وأخيراً هناك انهيار لكل المشاريع الأيديولوجية المطلقة عربياً وعالمياً، سواء كانت ذات أساس ديني أو علماني.
هذا الواقع الجديد لا يبدو أن خطاب المراجعات الفكرية قد استهدفه من الأساس، فمن الأصل ناقشت المراجعات قضايا فقهية، تتعلق بمبررات وقف العنف، وفتح باب فقهي جديد أمام «المجاهدين» مختلف عن الذي تبنوه أثناء مرحلة المواجهة العنيفة مع النظام المصري.
ولا يبدو في الأفق أي قدرة لهذه العناصر علي المشاركة في الحياة العامة، لسببين: الأول وضعته الدولة، بأنها أعادت الجهاديين إلي الحياة بالإفراج عنهم من السجون، وليس إلي الحياة العامة بالسماح لهم بالمشاركة في المجال العام وفي العملية السياسية الراكدة من الأصل، أما السبب الثاني فهو داخلي يتعلق بالخبرة الجهادية نفسها، والتي قامت أساساً علي بناء تنظيمات عقائدية مغلقة، لم تؤمن بالعمل السياسي أو النقابي ولم تمارسه، وبالتالي فإن تراثها السابق لا يؤهلها لبناء حركة سياسية سلمية، لأنه سيحتاج إلي إعادة تأسيس ثان للخبرة الجهادية بالمعني الفقهي والسياسي، يتجاوز التأسيس للعنف ثم التأسيس لوقفه، لصالح اكتشاف خيار سلمي وسياسي آخر، يدفع نحو الانخراط في العملية السياسية.
إن هذه التحديات الجديدة لا يبدو أن خطاب المراجعات الفكرية قد حاول من الأساس التفاعل معها، وربما لن يكون قادراً علي ذلك، لأنه سيعني في حال قيامه بذلك أنه تحول إلي حالة أخري غير جهادية، تحتاج إلي شروط سياسية واجتماعية وثقافية أخري، غير التي نراها الآن، لكي تنضج وتطور في اتجاه الفعل السلمي.