| مشرف المنتدى الاسلامى
| تاريخ التسجيل: Sep 2007 المشاركات: 3,340 |
14-09-2009
| الحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام على خاتم الانبياء والمرسلين , وعلى آله وصحبه ومن تبعه واستن بسنته إلى يوم الدين , وبعد .
كثر في الآونة الاخيرة المتكلمون في شرع الله بكل شبهة وكل رخصة دون توخي الدقة وأمانة النقل , ودون الإلمام الشامل والكامل بواقع وحالة الحدث وماهية حيثياته , وبالتالي أخذ التصور الشرعي السليم المستقيم للحالة وحكمها .
وبتنا نسمع للأسف كلاما لا يحتمل طال خير رجال هذه الامة من الخلفاء الراشدين المهديين دون تثبت وإدراك مستقيمين , وهذا مبعث لنا للنهوض والذب عن رجال الإسلام الذين حموا بيضته في أول القرون ونافحوا عن حامل الرسالة الصادق الامين وجاهدوا في سبيل الله لا يخشون في سبيله لومة لائم , وأول وأهم مقصد من مقاصد الجهاد هو تحكيم شرع الله في الأرض , فهؤلاء الأئمة الربانيين هم من حملوا إلينا هذا الدين , وعلمونا أحكام الشريعة الغراء , وحكموا الناس بما انزل الله , إمتثالا لأمره عز وجل : " " وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ ... " , حتى قضوا على الجادة مسلمين مبشرين بجنة رب العالمين .
فعمر بن الخطاب رضي الله كان شديدا في الحق , ونزل القرآن يوافقه في ثلاث مواطن , نسمع من البعض في هذه الأيام , أنه عطل حد السرقة !!
ويتصدر هذا القائل المجالس والمنابر يحدثهم بهذه الشبهات دون فهمها , علاوة على الإحتجاج والأستدلال بها , نسأل الله العفو والعافية .
فهل حقا عطل عمر بن الخطاب حد السرقة ؟
للتفصيل في هذه المسألة , يجب أن نعرج على بعض الأمور , من مقاصد الشرع , وشروط السرقة الموجبة للقطع , والفرق الجلي بين الدرأ بالشبهة والترك لغلبة المفسدة , والتعطيل بلا شبهة ..
فمن المسلمات الواضحات في فقه العقوبات أن مقاصد الشرع جاءت بحفظ الضرورات الخمس وهي : النفس , والدين , والعقل , والمال , والعرض والنسل .
وهذه الضرورات كفلت الشريعة ومقاصدها حفظها وصونها وأجابت كل إعتداء على أي منها بعقوبات توقيفية لا تتدبل ولا تتغير مع بعض صلاحيات التعزير للحاكم أو الأمير أو الوالي , ويجب ان نؤكد هنا أن التعزير ليس بديلا مطلقا عن الحد ولكنه معه أو بعده أو ياتي لأعتداء ليس فيه حد توقيفي ثابت .
وقد فصل الغزالي رحمه الله الضرورات ومقاصد الشرع بحفظها وصونها وإجابة الإعتداء عليها بالحدود , فصله في كتابه المستصفى حيث قال : " ومقصود الشرع من الخلق خمسة وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة وإذا أطلقنا المعنى المخيل والمناسب في كتاب القياس أردنا به هذا الجنس وهذه الأصول الخمسة حفظها واقع في رتبة الضرورات فهي أقوى المراتب في المصالح ومثاله قضاء الشرع بقتل الكافر المضل وعقوبة المبتدع الداعي إلى بدعته فإن هذا يفوت على الخلق دينهم وقضاؤه بإيجاب القصاص أدبه حفظ النفوس وإيجاب حد الشرب إذ به حفظ العقول التي هي ملاك التكليف وإيجاب حد الزنا إذ به حفظ النسل والأنساب وإيجاب زجر الغصاب والسراق إذ به يحصل حفظ الأموال التي هي معاش الخلق " . المستصفى لأبو حامد الغزالي ( 174 )
لذلك فإيجاب قتل النفس التي حرم الله , بالقصاص , وإيجاب الشرب الذي فيه ذهاب للعقول بالجلد , وإيجاب السرقة التي فيها اعتداء على المال بالقطع , وهكذا باقي العقوبات .
ولكل هذه الأعتداءات شروط إن حصلت استوجبت العقوبة ألا وهي الحد , ولا يقام الحد بدون استيفاء الشروط , ولهذا فهناك قاعدة صحيحة وهامة ( الحدود تدرأ بالشبهات ) ولا يختلف إثنان من أهل العلم أنها قاعدة معمول بها زمن النبي صلى الله عليه وسلم وزمن الخلفاء الراشدين المهديين رضي الله عنهم أجمعين .
لذلك إن لم تكن هناك شبهة معتبرة لدرء حد السرقة فالسارق يقطع ولا يدرأ الحد وإلا فهذا تعطيل لحكم الله بدون وجه حق , وقد عد ابن قيم الجوزي أحد عشر شرطا من شروط القطع , أي السرقة التي ليس فيها شبهة تدرأ حدها وهي كما ذكر منها : العقل , والبلوغ , وإخراج المسروق من الحرز , وبلوغ المسروق النصاب .. وغيرها , وأهمها في هذا الموضوع الذي نحن بصدده هو الشرط الخامس حيث قال : " ( الخامس ) أن لا يضطر إلى السرقة من جوع " القوانين الفقهية ( 235 )
وفي هذا مقصد عظيم من مقاصد الشرع , فإن الجوع للمعوز المحوج وقع بين أمرين , إما أن يهلك وأهله وفي هذا إزهاق للنفس التي في مقصد الشريعة حفظها وبين السرقة والتي هي بالمحصلة
اعتداء على المال بغير حق , فتقدم حفظ النفس على حفظ المال , وكان الجوع شبهة قوية درأ بها القطع ولم يجب الحد في هذه الحالة وسميت سرقة لا توجب الحد , فإنما سرق ليطعم وينقذ
أهله او نفسه , ولم يسرق ليغتني .. فتأمل أخي القارئ .
وهنا أثر أخرجه الإمام مالك في موطأه يحكي قصة غلمان حاطب سقوا ناقة لرجل مزني , فأمر أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه بقطعهم , ثم ردهم قبل التنفيذ ودرأ الحد عنهم لعلمه أنهم
يستعملونهم ويجيعوهم فدرأ الحد بهذه الشبهة , وهذا نص الإمام مالك : " و حَدَّثَنِي مَالِك عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍأَنَّ رَقِيقًا لِحَاطِبٍ سَرَقُوا نَاقَةً لِرَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ فَانْتَحَرُوهَا فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَأَمَرَ عُمَرُ كَثِيرَ بْنَ الصَّلْتِ أَنْ يَقْطَعَ أَيْدِيَهُمْ ثُمَّ قَالَ عُمَرُ أَرَاكَ تُجِيعُهُمْ ثُمَّ قَالَ عُمَرُ وَاللَّهِ لَأُغَرِّمَنَّكَ غُرْمًا يَشُقُّ عَلَيْكَ ثُمَّ قَالَ لِلْمُزَنِيِّ كَمْ ثَمَنُ نَاقَتِكَ فَقَالَ الْمُزَنِيُّ قَدْ كُنْتُ وَاللَّهِ أَمْنَعُهَا مِنْ أَرْبَعِ مِائَةِ دِرْهَمٍ فَقَالَ عُمَرُ أَعْطِهِ ثَمَانَ مِائَةِ دِرْهَمٍ . " موطأ مالك باب القضاء في الضواري والحريسة ( 5 / 46 )
فلما لم تستوفي الحالة شروط السرقة الموجبة للحد درأ بالشبهة .
ثم لما كان عام الرمادة أو المجاعة التي حلت في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ساد الجدب والقحط وندر القطر والزرع والمحصول , وألم بالناس فقر وجوع شديدين , فالحاصل أن الناس تسرق في هذا الحال لحفظ النفس , فمن كان يسرق ليغتني وهذا يكاد يكون معدوما فليس ثمة شبهة تدرا الحد عنه , أما المشهور في عام الرمادة السرقة من جوع , والجوع شبهة قوية يدرا بها الحد كما أسلفت , وروي أن عمر رضي الله عنه قال : " لا تقطع اليد في عذق ولا عام سنة " . قال السعدي : " سألت احمد بن حنبل عن هذا الحديث فقال العذق النخلة , وعام سنة المجاعة , فقلت لأحمد تقول به فقال إي لعمري , قلت إن سرق في مجاعة لا تقطعه , فقال لا إذا حملته الحاجة على ذلك والناس في مجاعة وشدة " .
فلذلك نرى أن المجاعة شبهة تدرأ القطع , ووافق ذلك كما نقل عن السعدي , الإمام احمد بن حنبل رضي الله عنه , وكنت قد أدرجت لشروط السرقة الموجبة للحد عند ابن قيم الجوزي وعد منها : " أن لا يضطر إلى السرقة من جوع " .
ووضح العلامة ابن القيم رحمه الله نحوه في إعلام الموقعين : " وعام المجاعة يكثر فيه المحاويج والمضطرون ولا يتميز المستغنى منهم والسارق لغير حاجة من غيره فاشتبه من يجب عليه الحد
بمن لا يجب عليه فدرئ نعم إذا بان أن السارق لا حاجة به وهو مستغن عن السرقة قطع " ( 3 / 12 )
فتأمل قوله " فدرئ نعم إذا بان أن السارق لا حاجة به وهو مستغن " يعني من سرق من جوع درأ , ومن سرق ليغتني قطع .
وقد ألمح الشعراوي رحمه الله إلى لفتة طيبة في شرط النصاب , وذلك أن السارق لحاجة الجوع لم يتجاوز الحد الكافي للضرورة , فبذلك درأ : " كما نسمع مَنْ يقول : إن عمر - رضي الله عنه - عطَّل حَدَّ السرقة في عام الرمادة ، وهذا ادعاء مخالف للحقيقة؛ لأنه ما عطّل هذا الحد إنما عطَّل نصاً وأحيا نصاً؛ لأن القاعدة الشرعية تقول : ادرأوا الحدود بالشبهات . وما دام قد سرق ليسُدَّ جَوْعته فلم يصل إلى نصاب السرقة ، فالسرقة تكون بعد قدر يكفي الضرورة . " تفسير الشعراوي ( 6120 )
والمحصلة هنا أن للإعتداءات عقوبات بالحدود والتعزير , والإعتداء الذي يستوجب الحد يجب ان يستوفي الشروط وإلا فإنه يدرأ بالشبهات حسب القاعدة المعمول بها , وبهذا فإن من الخطأ الجسيم التكلم في الآثار والروايات عن الخلفاء الراشدين , دون التثبت بداية من صحتها , ومن ثم فهم وإدارك حيثياتها وجوانبها بحيث لا نسقطها على وجه معين إلا بدليل وإلا فهي لا تصح للإستدلال علاوة على نتاج هذا من فساد القياس الناتج من الأصل من سوء الفهم , وأخيرا فهم الشرع ومقصده بحيث لا تجابه شبهة بنص أو دليل قطعي , وما دفعني للكتابة هو الكم الكبير من هذه الشبهات التي تثار هنا وهناك لرد النصوص من الكتاب والسنة وايم الله إن هذا لإعوجاج ومسلك أهل الكلام الذين ذمهم الأئمة والعلماء
نسأل الله أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه
فما من خطأ فمن نفسي والشيطان , والصواب بتوفيق الله عز وجل
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
والحمد لله رب العالمين وكتبه أنصار الإسلام
في الثالث والعشرين من رمضان 1430 للهجرة
__________________ | |