بسم الله الرحمن
والصلاة والسلام علي اشرف المرسلين وامام الغر المحجلين سيدنا محمد عليه افضل الصلاة واتم التسليم
إن الأمة الإسلامية أحوج ما تكون إلى التوحد والاتفاق في هذه الأزمنة العصيبة التي يعمل فيها أعداء الإسلام على تفرقة المسلمين وزرع بذور النزاعات والخلافات والعداوات بينهم، لتذهب ريحهم، ويسهل كسر شوكتهم وتشتتهم وإخضاعهم، ولذا فقد آن الأوان لأن تأخذ الأمة حذرها وتتوجَّه إلى الاجتماع والائتلاف، والتوحد والاتفاق. كيد الأعداء لتمزيق صفوف المسلمين
إن أعداء الإسلام الذين اجتمعوا على محاربته في مختلف البلدان، لم تفرق بينهم مسافات الخلاف الداخلية أو الخارجية في محاولاتهم تدميره وتحويل أهله عنه بكل وسيلة لديهم ظاهرة أو خفية اتفقوا وتوافقوا على كل هذا، وهم لا تجمعهم عقيدة صحيحة، ولا أخوة إيمانية صادقة، ولا كتاب سماوي حق، ولا رسول كريم يؤمنون به، فوحدت بينهم عدواتهم للإسلام. ونحن معشر المسلمين تجمعنا العقيدة الواحدة الحقّة، والكتاب الرباني العظيم، والرسالة النبوية الهادية الجامعة، فإن منا من يقوم بتصديع وحدة الأمة، وشق عصا المسلمين، وتغذية تفرقتهم وتمزيق جماعتهم، وتوسيع مسافة الخلاف والشقاق بينهم، وهو يظن بنفسه أنه ينصر ديناً، ويحمي يقيناً وينشر شريعة، وهو في الحقيقة لهذه المعاني قاصم، ولهذه الروابط ممزق حاسم. اشتداد الاختلاف بين طوائف المسلمين
والمراد بالاختلاف هنا ذلك الذي يتطور، وتتعمق أخاديده فيسيطر على الشخص، ويتملك عليه حواسه إلى درجة ينسى معها المعاني الجامعة والصعيد المشترك الذي يلتقي عليه المسلمون، ويعدم صاحبه الإبصار إلا للمواطن التي تختلف فيها وجهات النظر، وتغيب عنه أبجديات الخلق الإسلامي، فتضطرب الموازين، وينقلب عنده الظنيُّ إلى قطعي، والمتشابه إلى محكم، وخفيُّ الدلالة إلى واضح الدلالة، والعام إلى الخاص، وتستهوي النفوس العليلة مواطن الخلاف فتسقط في هاوية تكفير المسلمين، وتفضيل غيرهم من المشركين عليهم. وهذا هو الخلاف الذي حذرنا منه القرآن الكريم، وضرب لنا الأمثلة عليه بما وقع للأمم السابقة بمثل قوله تعالى : { وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعدما جاءتهم البيِّناتُ بغياً بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم } (سورة البقرة، الآية 213). وقد تنقلب الآراء الاجتهادية والمدارس الفقهية التي محلها أهل النظر والاجتهاد، على أيدي المقلدين والأتباع، إلى ضرب من التحزب الفكري والتعصب السياسي والتخريب الاجتماعي، وقد يشتد التعصب ويشتد فتعود إلينا مقولة الجاهلية : >كذاب ربيعة أفضل من صادق مضر<. لقد اختلف السلف الصالح رضوان الله عليهم، لكن اختلافهم في الرأي لم يكن سبباً لافتراقهم، إنهم اختلفوا، لكنهم لم يتفرقوا، لأن وحدة القلوب كانت أكبر من أن ينال منها شيء، إنهم تخلصوا من العلل النفسية، وإن أصيب بعضهم بخطأ الجوارح. وكان الرجل الذي بشر الرسول# الصحابة بطلعته عليهم وأخبرهم أنه من أهل الجنة هو الذي استكنهوا أمره وعمله، فتبين أنه لا ينام وفي قلبه غِلٌّ على مسلم(1). أحاديث شريفة في أهمية التوحد والائتلاف
وأهمية التوحد والاجتماع، والاتفاق والائتلاف في الشرع الحنيف أوضح من أن تبيَّن، ونصوص الكتاب والسنة وأقاويل علماء السلف من الصحابة فمن بعدهم في الحث على ذلك والتحذير من التفرق والتشتت والشقاق متضافرة لا يأتي عليها الحصر. روى الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه(2) >عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما أن رجلاً سأل رسول الله# : أيُّ المسلمين خير ؟ قال : من سلم المسلمون من لسانه ويده<. قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرح هذا الحديث : >فيه جمل من العلم، ففيه الحث على الكف عما يؤذي المسلمين بقول أو فعل، بمباشرة أو بسبب، وفيه الحث على الإمساك عن احتقارهم، وفيه الحث على تآلف قلوب المسلمين، واجتماع كلمتهم، واستجلاب ما يحصل ذلك<. وما أسمى هذه الكلمة التي قالها القاضي عياض حين قال : >والألفة إحدى فرائض الدين وأركان الشريعة ونظام شمل الإسلام<، فإنها من عظيم فقه الإسلام عند العلماء الأعلام. وروى الإمام أحمد رحمه الله تعالى في مسنده(3) عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال : قال رسول الله# : >المؤمن مألفة، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف<. قال المناوي رحمه الله في شرح هذا الحديث : >المؤمن يألف لحسن أخلاقه، وسهولة طباعه، ولين جانبه، ويألف الخير وأهله، ويألفونه بمناسبة الإيمان، بل المؤمن مكان الألفة ومنتهاها. ومنه إنشاؤها، وإليه مرجعها، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف لضعف إيمانه، وعسر أخلاقه وسوء طباعه<. والتآلف سبب الاعتصام بالله، وبه يحصل الاجتماع بين المسلمين، وبضده تحصل التفرقة بينهم، وإنما تحصل الألفة بتوفيق الله تعالى وتأليفه بين القلوب، لقوله سبحانه : { واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً }(4). وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله# : >المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشدُّ بعضه بعضا، ثم شبك بين أصابعه<(5). وقال النووي رحمه الله تعالى : >هذا الحديث صريح في تعظيم حقوق المسلمين بعضهم على بعض، وحثهم على التراحم والملاطفة والتعاضد في غير إثم ولا مكروه<(6). احترام السلف لآراء المخالف
ولا ريب في أن السلف رضوان الله عليهم اختلفوا في كثير من المسائل العملية وبعض المسائل العلمية الاعتقادية، ومازال الاختلاف بين من بعدهم من الأئمة واقعاً في الفروع وبعض الأصول، ولكن هذا كان منهم مع الحفاظ على أدب الاختلاف والألفة والمحبة والتوقير واحترام رأي المخالف، ومع التحرز عن التحاسد والتقاطع والتباغض، ومع الحث على التزام التوحد والتجمع والابتعاد عن التشتت والتفرق. أخرج الطبراني عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال : >يا أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة، فإنها حبل الله الذي أمر به، وإن ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة<(7). وروى الحافظ الخطيب البغدادي في "كتاب الرواة عن مالك" قال : قال هارون الرشيد للإمام مالك بن أنس : يا أبا عبد الله نكتب هذه الكتب، ونفرقها في آفاق الإسلام، لنحمل عليها الأمة، قال : يا أمير المؤمنين : إن اختلاف العلماء رحمة من الله تعالى على هذه الأمة، كلٌّ يتبع ما صحَّ عنده، وكلٌّ على هدى، وكلٌّ يريد الله تعالى(8). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : صنَّف رجل كتاباً في الاختلاف، فقال الإمام أحمد لا تسمِّه (كتاب الاختلاف)، ولكن سمّه كتاب السعة(9) أي يسميه بهذا دلالة على تعدد المروي عن النبي# وبساط السنة فسيحٌ فيه سعة. قال : ولهذا كان بعض العلماء يقول : إجماعهم حجة قاطعة واختلافهم رحمة واسعة(10). وكان عمر بن عبد العزيز يقول : ما يسرني أن أصحاب رسول الله# لم يختلفوا، لأنهم إذا اجتمعوا على قول فخالفهم رجل كان ضالاً، وإذا اختلفوا فأخذ رجل بقول هذا ورجل بقول هذا، كان في الأمر سعة(11). ولهذا قال المصنفون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصحاب الشافعي وغيره : >إن المسائل الاجتهادية لا تنكر باليد وليس لأحد أن يلزم الناس باتباعه فيها، ولكن يُتكلم فيها بالحجج العلمية، فمن تبين له صحة أحد القولين تبعه، ومن قلد أهل القول الآخر فلا إنكار عليه<. الحفاظ على الأخوة مع اختلاف الآراء
ويستفاد من أخبار أئمتنا وعلمائنا السابقين ما يدل على أنهم رحمهم الله تعالى كانوا يحافظون على المودة والأخوة مع اختلاف مسالكهم وآرائهم، وما أكثر ما نقل من ذلك. 1. نقل الحافظ الذهبي في سِيَر أعلام النبلاء في ترجمة الإمام الشافعي، رضي الله تعالى عنه عن الإمام الحافظ أبي موسى يونس بن عبد الأعلى الصدفي المصري، أحد أصحاب الإمام الشافعي، أنه قال : ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرتُه يوماً في مسألة، ثم افترقنا، ولقيني، فأخذ بيدي ثم قال أيا أبا موسى : ألا يستقيم أن نكون إخواناً، وإن لم نتفق في مسألة(12) قال الذهبي : هذا يدلُّ على فقه الإمام وفقه نفسه، فمازال النظراء يختلفون. 2. وفي سِيَر أعلام النبلاء أيضاً في ترجمة الإمام إسحاق ابن راهويه : قال أحمد بن حفص السعدي : >سمعت أحمد بن حنبل الإمام يقول : لم يعبر الجسر إلى خراسان مثل إسحاق وإن كان يخالفنا في أشياء، فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضاً<(13). 3. روى الحافظ المؤرخ الإمام أبو عمر بن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" في باب إثبات المناظرة والمجادلة وإقامة الحجة >عن محمد بن عتاب بن المربع قال : سمعت العباس بن عبد العظيم العنبري، أخبرني قال : كنـت عـند أحـمد بـن حـنبل وجاءه علي بن المديني راكباً على دابة قال : فتناظرا في الشهادة وارتفعت أصواتهما، حتى خفت أن يقع بينهما جفاء. وكان أحمد يرى الشهادة، وعلي يأبى ويدفع، فلما أراد عليُّ الانصراف، قام أحمد فأخذ بركابه<. وفي هذه الأخبار وكثير غيرها، أمثلة واضحة لتآخي العلماء وتحابّهم، وتقدير بعضهم لبعض مع الإجلال والتكريم وإن اختلفت مذاهبهم وأفهامهم. وما عقد الندوات والمؤتمرات وتأسيس المراكز العلمية لشرح فكرة التقريب هذه، وتوضيح أهدافها وتيسير سبلها، وتذليل الصعاب التي تقف في طريق إنجازها وإنجاحها إلا خطوة في طريق الوصول إلى الهدف الأسمى وهو وحدة الأمة الإسلامية. لكن لا بد من التأكيد هنا على بعض الملاحظات الأساس لفهم رسالة التقريب التي ندعو اليوم جميعاً إليها : الملاحظة الأولى : إن الدعوة إلى التقريب بين المذاهب الفقهية الإسلامية لا تعني انصهار المذاهب في بوتقة واحدة، أو الذوبان في مذهب واحد، بل هي خطوة نحو توحيد المسلمين، وتقوية أسباب التعارف والتآلف بينهم، والتقائهم بعد تنافرهم وتباعدهم واستثمار ما بلغته المذاهب الإسلامية الفقهية والكلامية في الوصول إلى انطلاقة الفكر الإسلامي وبيان سعة الفقه وقدرته على المواجهة والتصدي لكل التيارات المناوئة للإسلام. الملاحظة الثانية : تتعلق بضرورة الفصل بين حقيقة الخلافات الفكرية والعلمية في المسائل الفرعية بين أئمة المذاهب الإسلامية كما هو السائد بين العلماء قديماً وحديثاً، وفي فهم القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وأثره في استنباط الأحكام الشرعية وبين مسارات الأحداث الدامية التي شهدتها الأمة الإسلامية في عصور سابقة من خلال بث روح التفرقة بين المسلمين. وقد صنِّفت في هذا المضمار الموسوعات الكبيرة والصغيرة منذ القرن الثالث وحتى القرن الحاضر ـ فمن ذلك ما أفرده الشافعي في أواخر كتابه (الأم) من الرسائل في اختلاف الصحابة في ما بينهم، كاختلاف علي كرَّم الله وجهه، وابن مسعود أو الاختلاف بين الفقهاء أنفسهم مثل ما اختلف فيه أبو حنيفة وابن أبي ليلى، أو اختلاف مالك والشافعي. كما أفرد المزني من أصحاب الشافعي كتاباً اختصر فيه (الأم) مع بيان ما خالف الشافعي فيه من المسائل، وغير ذلك مما ذكره أصحاب الموسوعات المختصة بتعريف المصنفات. ومعنى ذلك أن الاختلاف في المسائل الفرعية ـ وإن اختلفت مدارسها الفقهية والفكرية ـ أمر طبيعي يجب أن ننظر إليه في إطار تنوّع الفكر والعطاء، ولا يجوز بحال أن يكون عقبه مانعة أمام توحيد الأمة والتعاون في ما بينها في ظل الأسس المشتركة المتفق عليها، ولا أن يؤثر في الأخوة الإسلامية وضرورة حفظ حرمات المسلمين كافة لقوله تعالى { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً }(14)، فيكفي من المسلم التسليم والإذعان الظاهري ما لم يظهر منه ما يخالف ذلك. الملاحظة الثالثة : إن التبليغ السيء عن المذاهب الفقهية الإسلامية أدى وما زال إلى تمزيق هذه الأمة في الوقت الذي تداعى عقلاء البشرية لدعم فكرة حوار الحضارات، والمساهمة في نشرها. وبذلك فإن ما تسعى إليه المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة من التقريب بين المذاهب، هو مطلب إسلامي مهم لجمع كلمة الأمة وتحقيق وحدتها الفكرية في المنطلقات العامة، مع التفتح على آفاق الاجتهاد الرحبة التي تقف عند الفروع وتمثل سعةً ورحمةً وثراءً في الفقه الإسلامي. جهود التقريب بين المذاهب الإسلامية
لم يعد الحديث عن المذاهب الإسلامية يثير في الذهن مشكلة عندما يتعلق الأمر بالمذاهب الفقهية كما كان الأمر في مراحل تاريخية سابقة، وإنما ينصرف التفكير فيما يتعلق باختلافات المذاهب التي تحتاج إلى تقريب الاختلافات العقدية، وقد بدأت ملامح التمايز في هذا الشأن بين أبناء الأمة في القرن الهجري الثاني، وعملت الخلافات السياسية على تغذية حدة الخلاف وإثارة التعصب وتوسيع الشقة، حتى أصبح لكل طائفة مرجعياتها من الرواة والعلماء والكتب. لكن هذه الصفحة في التاريخ الإسلامي لم تكن هي القاعدة في العلاقة بين المذاهب الإسلامية، فثمة صفحات عديدة عكست التقارب والتسامح والتفاعل العلمي، وغلب عليها الإنصاف والبحث عن الحق وحسن الظن بأن الاختلاف القائم لا يطال أسس الاعتقاد، ولا يمنع من اعتبار أهل التوحيد أمة واحدة. ومع أن الأصل في التشيّع هو الاعتقاد بأحقية علي كرم الله وجهه ورضي عنه بالخلافة بعد رسول الله# من غيره، ثم الأئمة من آل البيت بعده، فإن علياً عليه السلام قد بايع الخلفاء قبله وأخلص لهم النصح، وحتى عندما اختلف معه بعض الصحابة وكان بينه وبينهم ما كان من دماء في معركة الجمل، فإن صدره لم يعرف الغل والعداوة. ويروى أن عمران بن طلحة دخل على علي رضي الله عنه بعدما فرغ من معركة الجمل، فرحب به وأدناه وقال : >إني لأرجو أن يجعلني الله وإياك من الذين قال الله فيهم { ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً على سرر متقابلين } (سورة الحجر، الآية 47) يا ابن أخي كيف فلانة ؟ وكيف فلانة ؟ وسأله عن أمهات أولاد أبيه، فيقول رجلان جالسان ناحية أحدهما الحارث الأعور : الله أعدل من ذلك، أن نقتلهم ويكونوا إخواننا في الجنة ؟ قال : قوما أبعد أرض الله وأسحقها فمن هو إذن إن لم أكن أنا وطلحة ؟!<(15). والروايات في هذا المجال كثيرة في مصادر السنة والشيعة عن علي وأولاده وأحفاده. ويروى عن يزيد بن علي (122-80هـ) أنه جلس إليه قوم من أهل العراق فذكروا أبا بكر وعمر رضي الله عنهما ونالوا منهما، ثم ابتدأوا بعثمان فأوقفهم، وقال لهم : أخبرونا أنتم من المهاجرين الأولين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً، وينصرون الله ورسوله ؟ قالوا : لا. قال : أفأنتم من الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم، يحبون من هاجر إليهم ؟ قالوا : لا. فقال : أما أنتم فقد أقررتم على أنفسكم، وشهدتم على أنفسكم على أنكم لستم من أولئك، ولا من هؤلاء... وأنا أشهد أنكم لستم من الفرقة الثالثة التي قال الله تعالى في أصحابها : { والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم } (سورة الحشر، الآية 10)، ثم طردهم بقوله : قوموا عني، لا بارك الله فيكم، ولا قرب دوركم... أنتم مستهزئون بالإسلام، ولستم من أهله !(16). وفي مجال العلم فإن العلماء الذين أنشأوا المذاهب أنفسهم قد أخذوا العلم عن بعضهم بعضاً، لم يمنعهم من ذلك مانع، فهذا أبو حنيفة النعمان ومالك بن أنس يتتلمذان على عبد الله بن الحسين بن علي، ويكون بينهما وبين الإمام جعفر الصادق من العلاقة الوثيقة ما تذكره كتب المسانيد. وتجاوز ذلك إلى حد قيام أبي حنيفة بنصرة زيد بن علي بالمال عندما أعلن خروجه. وكذلك الأمر جاهر أبو حنيفة بنصرة محمد النفس الزكية وأخيه إبراهيم ابنَيْ عبد الله بن الحسن المثنى عندما خرجا على أبي جعفر المنصور. وفي الحرص على إبقاء ساحة الحوار العلمي مفتوحة يرفض مالك بن أنس رأي الخليفة المنصور في فرض تعليم كتابه الموطأ دون غيره، لأن حمل الناس على رأي واحد وقد توزع العلم في الأمصار سيكون مصدر فتنة. وعندما ألف الشريف الرضي تفسيره "حقائق التأويل"، كان يروي غالباً عن علماء أهل السنة، حتى إن القارئ للكتاب يصعب عليه تصنيفه ضمن كتب السنة أو الشيعة. ولم يتحرّج الإمام البخاري والإمام مسلم أن يخرّجا أحاديث عديدة لرواة من الشيعة حتى إن السيوطي يقول إن كتاب مسلم بن الحجاج ملآن من الشيعة. وحين انتشرت مجالس العلم في بغداد في القرن الرابع الهجري اشتهرت فيها المناظرات العلمية التي كانت مثالاً لأدب الحوار والاختلاف، ومن أشهر ما يروى في هذا المجال مناظرات إمام أهل السنة في عصره أبي بكر الباقلاني وإمام الشيعة الإمامية المشهور الشيخ المفيد، والشيخ المفيد نفسه هو تلميذ ابن عيسى الكرماني شيخ المعتزلة في وقته. وفي القرن الخامس اشتهر من بين علماء الأمة أبو جعفر محمد بن علي الطوسي المتوفى عام 460هـ، وهو من كبار علماء الشيعة في عصره، بمنهجه المتوازن والموضوعي والعادل في عرض المسائل ومناقشتها ونقدها، حتى إن الخليفة العباسي فوض إليه أهم كرسي علمي يومئذ يجتمع إليه طلبة العلم من جميع المذاهب. ولعله أول من ألف في الفقه المبسوط على الطريقة الاستدلالية التفريعية المشابهة لما كان معروفاً في المذهب الحنفي. ولقد تتلمذ الفخر الرازي (تـ 606هـ) وهو من علماء السنة على أشهر فقهاء الشيعة في عصره سديد الدين الحلي. بينما تتلمذ محمد بن مكي العاملي "الشهيد" من أكابر علماء الشيعة على أكثر من أربعين شيخاً من علماء السنة. ولقد ظهر في القرن التاسع عشر جمال الدين الأفغاني وتناقضت الأقوال في انتسابه إلى الشيعة أو السنة وانتقاله من مذهب إلى آخر، لكن الذي لا خلاف عليه أنه كان داعية للوحدة الإسلامية التي تتجاوز الانتماءات جميعاً، وتبعه في منهجه التوحيدي التقريبي تلميذه الإمام محمد عبده. أما محمد رشيد رضا، فقد كانت مجلته (المنار) هي مجلة الأمة الإسلامية بمذاهبها كافة. وقد تحولت أفكار التقريب بين المذاهب إلى عمل مؤسسي منظم، عندما أثمرت محاولات الشيخ محمد تقي القمي المتدرجة وحواراته مع علماء الأزهر بإنشاء دار التقريب بين المذاهب الإسلامية في القاهرة، في الأربعينيات من القرن العشرين وأصدرت جماعة التقريب مجلة "رسالة الإسلام" التي كانت لسان التقريب ومنتدى علماء الأمة من مذاهبها المختلفة، كما أصدرت عدداً من الكتب التي تتيح لطلبة العلم معرفة أصول المذاهب ومرجعياتها(17) . وفـي المـملكة الأردنـية الهـاشمية كـان لمؤسـسة آل البـيت للفــكر الإسـلامي جـهود مـقدرة فـي التقـريب بـين الـمذاهب الإسـلامية، فـقد نـص قـانون المـؤسسـة فـي المـادة 4 علـى >تعمـيق الـحوار وتـرسـيخ التـعاون بـين المــذاهب الإسـلامية... تـعزيزاً لجـمع كلـمتها لتـحقيق أقـصى مـدى للـتقريب بيـنها<. وقــد كـان اختـيار الأعـضاء العـاملـين والمـراسلـين فـي المـؤسسة بحـيث يتـم تمثيل علمـاء جـميع الـمذاهب ومـن مخـتلف الأقـطار الإسـلامية. ولذلك فإن اجـتماعات هـؤلاء العـلماء حققت من أهداف التعارف والتفاهم والتعاون الشيء الكثير، نظراً إلى اشتراكهم في مناقشة موضوعات عديدة، ونظراً إلى تبادل أدوار استضافة هؤلاء العلماء وتنظيم اجتماعاتهم في مؤسسات وبلدان من مذاهب مختلفة. وفي طهران أنشئت عام 1991 مؤسسة التقريب بين المذاهب الإسلامية، وذلك تحت اسم المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية. وأعضاء المجمع من مختلف المذاهب والبلدان. ويعقد المجمع مؤتمراً سنوياً، ويصدر مجلة علمية فصلية تعنى بقضايا التقريب وبحوثه بعنوان "رسالة التقريب". وفي عام 1984 أنشئت مؤسسة الإمام الخوئي الخيرية في لندن، واعتبرت قضية التقريب بين المذاهب موضوعاً محورياً في نشاطاتها، وقد نظمت مؤتمراً دولياً لوضع استراتيجية للتقريب بين المذاهب في العاصمة السورية دمشق عام 1999، حضره عشرات العلماء والباحثين من جميع المذاهب الإسلامية. أما المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة التي أنشئت عام 1982، فقد نظمت عدداً من المؤتمرات والاجتماعات المخصصة لهذا الغرض، كان منها الندوتان اللتان عقدتا في الرباط، الأولى سنة 1991 والثانية سنة 1996، واجتماع عقد في العاصمة الأردنية للخبراء خصص لمراجعة مشروع استراتيجية التقريب بين المذاهب الفقهية الإسلامية خلال عام 1422هـ الموافق لـ 2001م.
__________________
[align=center][table1="width:100%;background-color:black;border:6px ridge limegreen;"][cell="filter:;"][align=center]
والله لا يخط قلمي حرف في المنتدي ولم تعد فيه
مني عز الدين
اللهم اغفر لها وارحمها وعافها واعف عنها واكرم نزلها ونقها من الذنوب والخطايا كما ينقي الثوب الابيض من الدنس
كنت هنا ..
وكانت مني عز الدين
[/align]
[/cell][/table1][/align][/align]