| مصرى جديد
| تاريخ التسجيل: Apr 2008 المشاركات: 22 |
17-08-2008
| بسم الله الرحمن الرحيم
اللغة : ( سلف ) مضى وانقضى ، و ( السلف ) الآباء والأجداد . والسلفية :مصدر صناعي أخذ من كلمة السلف ، ومعنى هذا المصطلح - بعامة - حبّ جيل اليوم والأجيال الآتية الآباءَ والأجداد الذين سبقــــــوا في هذه الحياة الدنيا ، وكذلك الاعتزاز بما كانوا يؤمنـون به وبأعمالهم ومواقفهم ، والتمسك بفكرٍ آمنوا به من قبــــل و عاداتٍ التزموا بها في حياتهم ، وسلوكٍ ساروا عليه في تصرفاتهم . والسلفية في الاصطلاح الشرعي الإسلامي : السير على منهاج السلف الصالح ، وبالأخص الصحابة الكرام في العقيدة والعبادات والمعاملات . ومن العسير أن يكون المسلم صادقاً في إيمانه إذا لم يأخذ بهذا المبدأ ، ولكن هيهات أن نسمع اليوم صوت رسولنا – صلى الله عليه وسلّم - ( حاشا الرؤيا الصادقة ) ، أو أن نتعرف بالبصر أو بالسمع على التطبيق الإسلامي الحيّ لهذه النماذج البشرية . والقضية تتكرر مع الصحابة ، فقد تعرفنا عليهم من طريق التابعين ، وعلينا أن نتابع سلسلة التابعين إلى يومنا هذا . وإذا تكوّنت مذاهب عديدة - بقي منها عدد قليل لظروف لا حاجة لتفصيلها هنا - فالمطلوب منا أن ندرس هذه المذاهب كلها ، ونطّلع على آرائهم الفكرية أولا – لا قصد التحجّر عليها – بل للوصول إلى ذلك الماضي البعيد ، وبعد الإلمام التام بهذه المذاهب – والإلمام لغة العلم المكين - والوصول عبرها إلى مذاهب الصحابة – والمذهب يعني الرأي - يستطيع العلماء بعد البحث والتحقيق – وفق الأصول العلمية المعروفة - الوصول إلى أصول العقيدة وأحكام العبادات والمعاملات والواجب والحرام والمكروه والمستحبّ والبدعة المحرمة شرعاً وما يجوز لنا الأخذ به من جديد العصر . فالمسلم الصادق سلفيّ لا محالة ، ولو أخذنا بهذا الفهم ما كان خلاف ، ولا كان لدينا تياران متناحران . بيد أن المشكلة فيما وراء ذلك ، عندما نخرج من هذا النطاق العام إلى التمسك بما وصل إليه الاجتهاد في فروع الأحكام ، أو يتحكم الاختلاف في بعض الأصول المطلوبة للاجتهاد ، وتخريج الأحاديث وما يتبعها من درس للسند والمتن .... أو الجهل بها كلها أو بعضها ، والأنكى من هذا أن يتحكم ( التعصب ) لرأي في الجدل العلميّ ، وكثيرا ما نجد الخلاف اللفظي متحكما في الجدل ، فتعمى البصائر عن الحقائق . والسلفية ( بالمعنى الأخصّ ) : من هذا الخلاف أطلق قوم على أ نفسهم هذا اللفظ ، بدءا بالشيخ ( محمد بن عبد الوهاب ) – رحمه الله - الذي انطلقت دعوته في الجزيرة العربية ، وامتدت بعض الامتداد إلى العراق والشام ، والمغرب العربي – وإن مسخت مسخاً شبه كامل لدى المغاربة وبخاصة المقيمين في الغرب – فكان منهم ابن باز في الحجاز ، وناصر الدين الألباني في الشام ، ولكن المصيبة الكبرى – التي لا تُلام عليها السلفية – أنْ حملها فئة تدّعي انتسابها إليهم ليس لها من علم يؤهلها لحمل هذا العبء ، بل فيها أميون لا يعلمون الكتاب إلا أمانيّ . أما خصوم هذه الدعوة فلا يقبلون نسبتهم إلى السلف الصالح – لأنهم خارجون عن هذا المذهب ومدّعون له بغير حقّ – ويكتفون بنسبتهم إلى صاحب الدعوة ، فيدعونهم الوهابيين . كان الشيخ ( محمد بن عبد الوهاب ) – رحمه الله - حنبلي المذهب عقيدة و فقهاً ، وبدأت حركته بالدعوة إلى التوحيد ، وهجر التمسح بالقبور ، والتبرك بمقامات من يُدعَوْن الأولياء ، ومحاربة البدع التي أدخلت في الدين في عصور قلّ فيها زاد الناس من العلم ، فضلّ فريق منهم ، وأضلّوا . ثم كانت العودة إلى كتب ابن تيمية الحنبلي ، وهو فقيه متأخر عن الأئمة الأربعــة ( يدلّ هذا الرقم على المذاهب الباقية ، أما المذاهب المندثرة فأكثر من هذا العدد ) ، وكانت له صولات وجولات وجهاد في سبيل الله ضد الغزاة القادمين من الشرق الأقصى ، فصار من العلماء الذين جمعــوا بين العلم والجهاد بعد فترة قلّ فيها هذا الجمع بعد العصر الأول – عصور الصحابة و التابعين . وكانت له صولات وجولات مع الطرق الصوفية ، وحارب سلطة شيوخهم الدينية والمادية، وحاول أن يخلّص المريدين من القول المعروف : ( على المريد أن يكون بين يدَيْ شيخه كالميت بين يدي غاسله ) وما تبع هذا من ألاعيب سحرية أو خزعبلات يدّعونها كراماتٍ للخاصّة منهم ، والبدع التي كانوا ينسبونها إلى الدين كالتمسح بالقبور ، والتبرك بمقامات من يُدعَوْن الأولياء ... وكانت لابن تيمية بالأمس و تابعيه اليوم جولات مع الأشاعرة ( والماتريدية التي أخذ بها أبو حنيفة النعمان ) في قضايا العقيدة ، واتهموهم بالخروج عن مذهب الصحابـــة في تأويل الآيات التي وصف بها الله نفسه بصفات تقترب من صفات مخلوقيه لفظياً ، كالكرسي واليد والوجه ، وقالوا : إنهم يخرجون عن النص في هذا . و الأشاعرة والماتريدية يقولون : إنما يفعلون هذا لنفي تشبيه الخالق بالمخلوق ، ويردّون على ابن تيمية و تابعيه اليوم : إن الهروب من التأويل يؤدّي إلى التجسيد . ثم تجيء مسألة أعمال الإنسان والقدر والتخيير والتسيير والجبر ، فمذهب الصحابة لا يحاول مناقشة التعارض ( في الظاهر ) بين الآيات ( وما تشاؤون إلا أن يشاء الله ، وهديناه النجدين ، ومحاسبة الإنسان عن أفعاله الإرادية – حسب التقسيم الشائع ، وإلا فإن المؤمنين بالجبر يرفضون أن تكون للإنسان إرادة أصلاً ، فكيف يقبلون بهذا التقسيم ! ) ، أما الأشاعرة والماتريدية فيحاولون أن يضعوا حلاً ( استعاروه من مسلمين اخذوا بالفلسفة اليونانية مبتعدين كثيراً عن الإسلام الصافي ) ، فلا يكون عمل إرادي للإنسان إلا بإرادتي الله ثم إرادة العبد ، ويحاسب العبد على إرادته أي الكسب ( ما كسبت يداه ) . ومن المعلوم أن الأمر دقيق جدا ولا يمكن بالجدل الوصول إلى القطع في هذا ، والحل الالتزام بما كان يفعله الصحابة الكرام في الوقف عند النصوص والتسليم بمضمونها. أما في الفقه ( العبادات والمعاملات ) فالاختلاف كبير ، وفي القول بوجوب العودة إلى الصحابة لا يعني أبدا أن الأئمة الأربعة تعمّدوا مخالفة الصحابة الكرام ( ولا يدّعي أبدا ابن تيمية و تابعوه اليوم من العلماء على الأئمة الأربعة بتعمد المخالفة – إلا فئة تدّعي انتسابها إليهم ليس لها من علم يؤهلها لحمل هذا العبء ) ، كل ما في الأمر أن ( السلفية ) وقفوا عند الإمام أحمد وابن تيمية وابن القيم غالباً ، أما الآخرون فقد تمسكوا بالمذاهب الأربعة التي وصلتنا ( بما فيها المذهب الحنبليّ ) ، - و لا يخفى أن محاولات بذلت للاجتهاد منها ما تمسك بالمذاهب الأربعـــة ، ومنها ما خرج إلى المذهبين الظاهريين ، بل منهم من رجع إلى المذهب الجعفري ( وكلنا يعلم أن جعفرا الصادق كان أحد أساتذة لأبي حنيفة – ليس معنى ذلك أن نسبة هذا المذهب إليه بوضعه الحالي تعني أنه صاحبه ) ، وكان منهم من التزم المنهـــج العلمي ، فدرس الأدلة ، ورجّح رأياً بناء على الدليل الذي رآه أقوى ، ومنهم من أخذ يتتبع المصلحـــــة ( وليست المصلحة المرسلة أو الاستصلاح الذي له أصوله ) ، و آخرون فتّشوا في المذاهب عن الآراء التي تتماشى والعصر !! . لا يستطيع أحد أن يتخلى عن اجتهادات الصحابة ( السلف الصالح ) ، فقد كان أبو حنيفة – مثلا – إذا أراد الاجتهاد يبدأ بالصحابة ، و كل ما يفعله أن ينتقيَ من آرائهم ما يراه أقوى دليلاً ، فإن لم يجد بادر إلى الاجتهاد ، وقال : فإذا خرج الأمر من الصحابة إلى غيرهم من التابعين اجتهدنا ، فهم رجال ، ونحن رجال . انظر إلى مكانة الصحابة عنده وعند غيره من الفقهاء ، بل قال يعضهم : إن المصدر الرابع للتشريع ليس الإجماع المطلق في كل عصر ، بل هو مقصور على الصحابة ، و لا إجماع في العصور التالية . نعم ! أرى أن ما ذهب إليه ( السلفية ) من التزام بمذهب الصحابة في قضايا العقيدة هو الصحيح ، و لا حاجة للأخذ بالمنطق اليوناني في الدفاع عن الإسلام كما فعل الأشاعرة والماتريدية . أما في الفقه فلا ضرورة للإصرار على تصويب كل ما قاله الإمام ابن حنبل ( كلٌّ يُردّ عليه إلا صاحب هذا القبر ) ، و أنه وحده الملتزم بمذهب السلف . كل ما علينا أن ندرس المذاهب – كل المذاهب – وأن نقدّم آراء الصحابة ، و نأخذ بأرجحها دليلا ، فإذا فرغنا منها درسنا آراء المذاهب المتعدّدة مع أدلتها الشرعية ، و أخذنا بأرجحها دليلا . و لا مانع أن يقوم بهذا العمل عالم رباني واحد تمكن من أدوات الاجتهاد وامتلك قدرة على معرفة المذاهب كلها ، والأفضل من هذا أن تقوم بهذا العمل الجليل الثقيل جدّاً جدّا مجموعة من العلماء الربانيين الذين تمكنوا من أدوات الاجتهاد وامتلكوا قدرة على معرفة المذاهب كلها ، ولكن قد لا نلزم كل عالم بالإحاطة بكل المذاهب ، بل نؤثر التعاون في هذا الأمر الخطير . | |
| |
| | |