بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين في جميع أمورنا
حياة الصحابي الجليل عبد الله ابـن أم مكتـوم رضي الله عنه
هو الصحابي الجليل ( ابـن أممكتـوم ) الأعمـى ، وهو الصحابي,الذي عُوتب فيه النبي صلى الله عليه وسلم منفوق سبع سماوات,من قِبل الله سبحانه ونزل في شأنه قرآن يُتلى إلى يومالقيامة ،اسمه في المدينة عمرو بن قيس بن زائدة القرشي العامري وفي,العراق اسمه عبد الله ، وهو قرشي مكي ، تربطه بالرسول صلىاللهعليه وسلم رحم ، فهو قريب من أقرباءه وابن خال أم المؤمنين,خديجة بنت خويلدرضي الله عنها، وأمه عاتكة بنت عبد الله ، وقددُعيت بأم مكتوم ، لأنهاولدته أعمى مكتوما ، فكان ضريرا طول
إسلامه
شهد عبد الله بن أم مكتوم رضي الله عنه مطلع النور فيمكة ،فشرح الله له صدره للإيمان ، فأسلم مبكرا، فكان منالمسلمين الأوائل ، وعاشمحنة المسلمين في مكة بكل ما حفلت به من تضحية وثبات وصمود وفداء ، وعانى منقريشما عاناه أصحابه من بطش وقسوة ، ثم هاجر إلى المدينةالمنورة
بعد مصعب بن عمير رضي الله عنهما ،قبل أن يهاجر الرسول صلىالله عليه وسلم إليهاوقبل بدر قال البراء رضي الله عنه : أول منقدم علينا من أصحاب رسول الله صلى الله عليهوسلم مُصعب بن عمير وابن أممكتوم ، فجعلا يُقرئانالناس القرآن
عبس وتولى
لقد بلغ حرص ابن أم مكتوم رضي الله عنه على حفظ القرآنالكريم ،أنه كان لا يترك فرصة إلا اغتنمها ، ولا سانحة إلاابتدرها ، وكان أحيانايأخذ نصيبه من النبي صلى الله عليهوسلم ونصيب غيره ، لرغبته القوية أنيكون مع النبي صلى الله عليه وسلم دائما ، فالمؤمن لا ترتاح نفسه إلامعالمؤمنين .ولقد كان صلى الله عليه وسلم في هذه الفترةكثير التصديلسادات قريش ، شديد الحرص على إسلامهم ، فالتقى
ذات يومبعتبة بن ربيعة وأخيه شيبة بن ربيعة ، وعمروبن هشام المكنى بأبي جهل ،وأمية بن خلف ، والوليدبن المغيرة ، والد سيف الله خالد رضي الله عنه ،وطفقيفاوضهم ويناجيهم ويعرض عليهم الإسلام ، وهو يطمع أنيستجيبواله ، لأنهم إن أسلموا أسلم معهم خلق كثير ،وإن اقتنعوا بالإسلام ولميسلموا ، فالحد الأدنى أنهم كفواأذاهم عن ضعاف المؤمنين الذين يعذبونهمآناء الليلوأطراف النهار .
وفيما هو كذلك أقبل عليه عبد الله بن أممكتوم رضي اللهعنه يستقرئه بعض آيات الكتاب الكريم ، فرأى النبيصلىالله عليه وسلم أن هذا الوقت غير مناسب ، و بإمكانه أنياتي فيأي وقت يشاء غير هذا ، فاعرض عنه وعبس في وجهه ، ثم تولى نحو أولئك النفر منقريش ، وأقبلعليهم أملا في أن يسلموا ، فيكون في إسلامهم عزلدينالله ، وتأييد لدعوة رسول الله .وما إن قضى رسول الله صلى اللهعليه وسلم حديثه معهموهَم أن ينقلب إلى أهله حتى أمسك الله حتى جاءه الوحي،ونزل عليه قوله تعالى : (عبس وتولى أن جاءه الأعمى( ست عشرةآية نزل بها جبريل عليه السلام على قلب النبيصلى الله عليه وسلم في شأن عبدالله بن أم مكتوم رضي الله عنه ، لا تزال تُتلى وسوف تظل تتلى حتى يرث اللهالأرض ومن عليها .
ومنذ ذلك اليوم بقيء النبي صلى الله عليه وسلميكرممنزل عبد الله بن أم مكتوم الذي عوتب فيه من فوق سبعسماوات ،ويدني مجلسه إذا أقبل ، ويسأل عن شأنه ويقضيحاجته .
الآذان
كان بلال يؤذن وابن أم مكتوم رضي الله عنهما يقيم الصلاة،وربما أذن ابن أم مكتوم وأقام بلال الصلاة، ولكن بعد حينوجه النبيصلى الله عليه وسلم أن الذي يؤذن هو الذي يقيمالصلاة .وكان لبلالوابن أم مكتوم رضي الله عنهما شأن آخر في رمضان ،فقد كان المسلمون فيالمدينة يتسحرون على أذان أحدهما ويمسكونعند أذان الآخر ، قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم : إن بلالاً ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابنأم مكتوم.
إكرام النبي له
لقد بلغ من إكرامالنبي صلى الله عليه وسلم لابن أم مكتومرضي الله عنه أن استخلفه علىالمدينة عند غيابه عنها بضععشرة مرة ، كانت إحداها يوم غادرها لفتح مكة ،وهذه مرتبةعالية جدا أن يختار النبي هذا الصحابي الجليل نائبا عنه فيإدارةشؤون المدينة في غيابه .
حبه للجهاد
في أعقاب غزوة بدر أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلممن آيالقرآن ما يرفع شأن المجاهدين ويفضلهم على القاعدين ،لينشط المجاهد إلىالجهاد ، ويأنف القاعد من القعود ، فأثر ذلكفي نفس ابن أم مكتوم رضي اللهعنه وعز عليه أن يُحرم من ذلكالفضل وقال: يا رسول الله لو أستطيعالجهاد لجاهدت
ثم سأل الله بقلب خاشع أن ينزل القرآن في شأنه وشأن أمثالهممن تعوقهم عاهاتهم عن الجهاد ، فهو بحكم عاهته محروم منهذهالعبادة العظيمة ، فكان يتألم وكان يبكي ، وكان يسألالنبي صلى الله عليهوسلم ، أن يسأل ربه أن ينزل قرآنا فيشأن ابن أم مكتوم رضي الله عنهالمعذور ، وشأن أمثاله ممنتعوقهم عاهاتهم عن الجهاد ، وجعل يدعو في ضراعة : اللهم أنزل عذري ، اللهم أنزل عذريفما أسرع أن استجاب اللهسبحانه لدعائه ، حدث زيد بن ثابترضي الله عنه كاتب وحي رسول الله صلى اللهعليه وسلم فقال : كنت إلى جنب الرسول صلى الله عليه وسلم ، فغشيته السكينة،ونزل عليه الوحي ، فلما سُري عنه قال : اكتب يا زيدفكتبت) لا يستوي القاعدون من المؤمنين(فقام ابن أم مكتوم وقال :
يارسول الله فكيف بمن لا يستطيع الجهاد قال فما انقضى كلامه حتى غشيت رسولالله صلى الله عليه
وسلم السكينة ، ولما سُري عنه قال : اقرأ ما كتبته يازيدفقرأت ) لا يستوي القاعدون من المؤمنين(
قال : اكتب ( غيرأولي الضرر)فكأن من إكرام الله سبحانه أن يستجيب لهذا الصحابي الجليل ،
وينزل به وبأمثاله المعذورين ما يبرر قعودهم .ورغم انه أُعفىوأمثاله من الجهاد ، فقد أبت نفسه أن يقعدمع القاعدين ، وعقد العزم أنيكون مع المجاهدين ، وحدد لنفسهوظيفتها في ساحات القتال فكان يقول :
أقيموني بين الصفين ، وحملوني اللواء أحمله لكم وأحفظهفأنا أعمىلا أستطيع الفرار.
الشهادة
في السنة الرابعةعشرة للهجرة ، عقد عمر بن الخطابرضي الله عنه العزم على أن يخوض مع الفرسمعركةفاصلة تزيل دولتهم وتزيل ملكهم ، وتفتح الطريق أمامجيوشالمسلمين ، فأمر الفاروق رضي الله عنه على الجيشالكبير سعد بن أبي وقاص ،ووصاه وودعه ، ولما بلغ الجيشالقادسية ، برز عبد الله بن أم مكتوم رضي اللهعنه لابسا درعهمستكملا عدته ، وندب نفسه لحمل راية المسلمين والحفاظ
عليها أو الموت دونها ، والتقى الجمعان في أيام ثلاثة قاسيةعابسة ،فكانت حربا لم يشهد لها تاريخ الفتوح مثيلا ،حتى انجلى الموقف في اليومالثالث عن نصر مؤزر للمسلمين ،وكان ثمن هذا النصر المبين مئات الشهداء ،وكان من بينهؤلاء الشهداء عبد الله بن أم مكتوم رضي الله عنه ، فقد وجد
صريعا مضرجا بدمائه وهو يعانق رايةالمسلمين رضي الله عنه , هذا وصلوا وسلموا على الهادي البشير نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه وأزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين