أهلا بكم فى منتدي مصر رئيسية موقع مصر اجعل جميع المنتديات مقروءة
منتدي مصر




شخصيات أسلامية منتدى خاص بالصحابه و التابعين و الشخصيات الأسلامية

تركواز 

بنفسجي وردي احمر بني اخضر 

إفتراضي

المنتدى الحالى: شخصيات أسلامية ,الموضوع الحالي: سلسلة تراجم أعلام المسلمين , المنتدى الرئيسي: السيرة, نبذة من الموضوع: ابن الجوزى حظي "ابن الجوزي" بشهرة واسعة، ومكانة كبيرة في الخطابة والوعظ والتصنيف، كما ‏برز في كثير من العلوم والفنون، ...

لنك مختصر للموضوع: http://forum.egypt.com/arforum/showthread.php?t=8635


رد

سلسلة تراجم أعلام المسلمين

حفظ الرابط أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
 
 
 
مصري مميز
الصورة الرمزية hamo81

رد مع اقتباس
 
تاريخ التسجيل: May 2007
المشاركات: 8,261
26-10-2007
 
ابن الجوزى



حظي "ابن الجوزي" بشهرة واسعة، ومكانة كبيرة في الخطابة والوعظ والتصنيف، كما ‏برز في كثير من العلوم والفنون، وبلغت مؤلفاته أوج الشهرة والذيوع في عصره، وفي ‏العصور التالية له، ونسج على منوالها العديد من المصنفين على مر العصور.‏
هو "أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن عبيد الله بن عبد الله بن حمادي بن أحمد بن ‏جعفر" وينتهي إلى "أبي بكر الصديق" رضي الله عنه.‏
ولد ببغداد سنة [ 510هـ= 1116م] وعاش حياته في الطور الأخير من الدولة العباسية، ‏حينما سيطر الأتراك السلاجقة على الدولة العباسية.‏
وقد عرف بابن الجوزي لشجرة جوز كانت في داره بواسط، ولم تكن بالبلدة شجرة جوز ‏سواها، وقيل: نسبة إلى "فرضة الجوز" وهي مرفأ نهر البصرة.‏
وقد توفي أبوه وهو في الثالثة من عمره فتولت تربيته عمته، فرعته وأرسلته إلى مسجد " ‏محمد بن ناصر الحافظ" ببغداد، فحفظ على يديه القرآن الكريم، وتعلم الحديث الشريف، وقد ‏لازمه نحو ثلاثين عامًا أخذ عنه الكثير حتى قال عنه: "لم أستفد من أحد استفادتي منه".‏

شيخوخة وأساتذته
تعلم "ابن الجوزي" على عدد كبير من الشيوخ، وقد ذكر لنفسه (87) شيخًا، منهم:‏
‎•‎ أبو الفضل محمد بن ناصر بن محمد بن علي بن عمر [ 467 ـ 550 هـ= ‏‏1074- 1155م]: وهو خاله، كان حافظًا ضابطًا متقنًا ثقة، وفقيهًا ولغويًا بارعًا، وهو ‏أول معلم له.‏
‎•‎ أبو منصور موهوب بن أحمد بن الخضر الجواليقي [ 465- 540هـ= ‏‏1072م-1145م]: وهو اللغوي المحدث والأديب المعروف، وقد أخذ عنه اللغة ‏والأدب.‏
‎•‎ أبو القاسم هبة الله بن أحمد بن عمر الحريري المعروف بابن الطبري [ 435-‏‏531هـ=1043-1136م] وقد أخذ عنه الحديث.‏
‎•‎ أبو منصور محمد بن عبد الملك بن الحسين بن إبراهيم بن خيرون [ 454-‏‏539هـ= 1062-1144م] وقد أخذ عنه القراءات.‏

منزلته ومكانته
كان "ابن الجوزي" علامة عصره في التاريخ والحديث والوعظ والجدل والكلام، وقد ‏جلس للتدريس والوعظ وهو صغير، وقد أوقع الله له في القلوب القبول والهيبة، فكان يحضر ‏مجالسه الخلفاء والوزراء والأمراء والعلماء والأعيان، وكان مع ذيوع صيته وعلو مكانته ‏زاهدًا في الدنيا متقللا منها، وكان يختم القرآن في سبعة أيام، ولا يخرج من بيته إلا إلى ‏المسجد أو المجلس، ويروى عنه أنه كان قليل المزاح.
يقول عن نفسه: "إني رجل حُبّب إليّ العلم من زمن الطفولة فتشاغلت به، ثم لم يحبب إلي فن ‏واحد بل فنونه كلها، ثم لا تقصر همتي في فن على بعضه، بل أروم استقصاءه، والزمان لا ‏يتسع، والعمر ضيق، والشوق يقوى، والعجز يظهر، فيبقى بعض الحسرات".‏

مجالس وعظه
بدأ "ابن الجوزي" تجربة موهبته في الوعظ والخطابة في سن السابعة عشرة، وما لبث أن ‏جذب انتباه الناس فأقبلوا على مجلسه لسماع مواعظه حتى بلغت شهرته في ذلك مبلغًا عظيمًا، ‏فلم يعرف تاريخ الوعظ والمجالس الدينية ـ على مر العصور ـ مجلسًا كمجلس "ابن الجوزي" ‏يحفل بعدد هائل من المريدين يصل إلى عشرة آلاف رجل.
وكان يحضر مجلسه الخلفاء والأمراء والسلاطين والوزراء، وكان مجلسه بإزاء داره على ‏شاطئ "دجلة" بالقرب من قصر الخليفة، فكانت الأرض تُفرش بالحصير ليجلس عليها الناس، ثم ‏يصعد "ابن الجوزي" المنبر، ويبتدئ القرّاء بقراءة القرآن، يتناوبون التلاوة بأصوات شجية ‏مطربة، فإذا فرغوا من التلاوة بدأ "ابن الجوزي" خطبته، فتناول فيها تفسير الآيات التي تلاها ‏القراء، فيأخذ بألباب وعقول سامعيه، ينظم فيها عقود الحكمة ورقائق الزهد والمواعظ، بما ‏يرقق القلوب ويحرك الأشجان، فتدمع العيون، وتخشع النفوس، وتذوب المشاعر في خشوع ‏وجلال للخالق العظيم يحركها الشوق والوجد والإيمان.‏

أقوال العلماء فيه
اتفق العلماء والأدباء على الثناء على "ابن الجوزي" فمدحوا علمه وورعه ومهارته في ‏الخطابة والفقه والحديث والتاريخ والأدب.
قال عنه "ابن كثير": "أحد أفراد العلماء، برز في علوم كثيرة، وانفرد بها عن غيره، وجمع ‏المصنفات الكبار والصغار نحوًا من ثلاثمائة مصنف".‏
وقد وصفه "ابن الجزري" بأنه: "شيخ العراق وإمام الآفاق".‏
وقال عنه "ابن العماد الحنبلي": "كان ابن الجوزي لطيف الصوت حلو الشمائل، رخيم ‏النغمة، موزون الحركات، لذيذ الفاكهة".‏
وقال عنه "ابن جبير": "آية الزمان، وقرة عين الإيمان، رئيس الحنبلية، والمخصوص في ‏العلوم بالرتب العلية، إمام الجماعة، وفارس حلبة هذه الصناعة، والمشهود له بالسبق الكريم في ‏البلاغة والبراعة".‏
وقال عنه "شمس الدين الذهبي": "ما علمت أن أحدًا من العلماء صنف ما صنف هذا ‏الرجل".

مؤلفاته

تميز "ابن الجوزي" بغزارة إنتاجه وكثرة مصنفاته التي بلغت نحو ثلاثمائة مصنف شملت ‏الكثير من العلوم والفنون، فهو أحد العلماء المكثرين في التصنيف في التفسير والحديث ‏والتاريخ واللغة والطب والفقه والمواعظ وغيرها من العلوم، ومن أشهر تلك المصنفات:‏
‎•‎ أخبار الظرّاف والمتماجنين.‏
‎•‎ أخبار النساء.‏
‎•‎ أعمار الأعيان.‏
‎•‎ بستان الواعظين.‏
‎•‎ تلبيس إبليس.‏
‎•‎ تلقيح فهوم أهل الأثر في عيون التاريخ والسير.‏
‎•‎ تاريخ بيت المقدس.‏
‎•‎ تحفة المودود في أحكام المولود.‏
‎•‎ الثبات عند الممات.‏
‎•‎ جواهر المواعظ.‏
‎•‎ الجليس الصالح والأنيس الناصح.‏
‎•‎ حسن السلوك في مواعظ الملوك.‏
‎•‎ ذم الهوى.‏
‎•‎ زاد المسير في علم التفسير.‏
‎•‎ سيرة عمر بن عبد العزيز.‏
‎•‎ صفوة الصفوة.‏
‎•‎ صيد الخاطر.‏
‎•‎ الطب الروحاني.‏
‎•‎ فنون الأفنان في علوم القرآن.‏
‎•‎ كتاب الأذكياء.‏
‎•‎ كتاب الحمقى والمغفلين.‏
‎•‎ لطائف المعارف فيما للموسم العام من الوظائف.‏
‎•‎ لفتة الكبد إلى نصيحة الولد.‏
‎•‎ مناقب عمر بن الخطاب.‏
‎•‎ المنتظم في تاريخ الملوك والأمم.‏
‎•‎ الناسخ والمنسوخ في الحديث.‏
‎•‎ الوفا في فضائل المصطفى.‏
‎•‎ اليواقيت في الخطب.‏

شعره
كان "ابن الجوزي" شاعرًا مجيدًا إلى جانب كونه أديبًا بارعًا وخطيبًا مفوهًا، وله أشعار ‏حسنة كثيرة، منها قوله في الفخر:‏
مازلت أدرك ما غلا بل ما علا ** وأكابد النهج العسير الأطولا
تجري بي الآمال في حلباتـه ** جري السعيد إلى مدى ما أمّلا
لو كان هذا العلم شخصًا ناطقًا ** وسألته: هل زار مثلي؟ قال: لا
ومنها قوله في الزهد والقناعة:‏
إذا قنعت بميسور من القوت ** بقيت في الناس حرًا غير ممقوت
يا قوت يومي إذا ما در خلفك لي ** فلست آسي على در وياقوت
وأوصى أن يُكتب على قبره:‏
يا كثير العفو عمن ** كثر الذنب لديه
جاءك المذنب يرجو ** الصفح عن جرم يديه
أنا ضيف وجزاء ** الضيف إحسان لديه

وفاته
توفي "ابن الجوزي" ليلة الجمعة [ 12 من رمضان 597هـ= 16 من يونيو 1200] عن ‏عمر بلغ سبعا وثمانين سنة بعد أن مرض خمسة أيام، فبكاه أهل بغداد، وازدحموا على جنازته، ‏حتى أقفلت الأسواق، فكان ذلك يومًا مشهورًا مشهودًا، يشهد بمكانة "ابن الجوزي" وحب الناس ‏له.‏



من مصادر الدراسة:‏
‎•‎ البداية والنهاية: عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي-‏تحقيق: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي ـ دار هجر للطباعة والنشر ـ القاهرة [ ‏‏1419هـ= 1998م].‏
‎•‎ شذرات الذهب في أخبار من ذهب: أبو الفتح عبد الحي بن العماد الحنبلي ـ ‏دار إحياء التراث العربي ـ بيروت [د.ت].‏
‎•‎ العبر في خبر من غبر: شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي- تحقيق: ‏أبو هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت: ‏‏[1405هـ= 1985مم]‏
‎•‎ الكامل في التاريخ: ابن الأثير: أبو الحسن على بن أحمد بن محمد بن عبد ‏الكريم بن عبد الواحد الشيباني- دار صادر ـ بيروت ـ [د.ت].‏
‎•‎ النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة: جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن ‏تغري بردي الأتابكي ـ تحقيق: محمد حسين شمس الدين ـ دار الكتب العلمية ـ ‏بيروت: [1413هـ= 1992م].‏
‎•‎ وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان: أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن ‏أبي بكر بن خلكان ـ تحقيق: د. إحسان عباس ـ دار الثقافة ـ بيروت [د.ت].‏

************
__________________
سبحان الله
والحمد لله
ولا إله إلا الله
والله أكبر
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم


 Egypt.Com - منتديات مصر

 Egypt.Com - منتديات مصر
عايزين نغير الصورة دي
 
 
 
 
مصري مميز
الصورة الرمزية hamo81

رد مع اقتباس
 
تاريخ التسجيل: May 2007
المشاركات: 8,261
26-10-2007
 
ابن الصلاح



حمل الأئمة المحققون من السلف الصالح تكاليف الجهاد العلمي منذ أن نشطت حلقات ‏العلم، وازدهرت حركة التأليف في القرون الأولى، وكان كل جيل يسلم ما لديه من أمانة العلم ‏إلى من خلفه، فيحمل المشعل المتّقد، ويصونه ويسدّ ثغراته، ويكمل ما يحتاج إلى إكمال ‏وتنظيم.‏
وفي الوقت الذي نشطت فيه حركة جمع الحديث، ووضع المؤلفات الجامعة، كانت توضع ‏الضوابط الدقيقة للأسانيد والرواة، والآليات التي تمكّن من البصر بعلل المرويات ومظان الوهم ‏أو التدليس والخطأ.‏
وكان جهابذة المحدثين يجمعون بين الاشتغال بالرواية والجمع وتصنيف السنن والصحاح ‏من جانب، والبصر بالأسانيد ومعرفة الرجال: كأحمد بن حنبل، والبخاري، ومسلم من جانب ‏آخر، وقد يغلب جانب على آخر، فتغلب مشاركة صاحبه في التأليف فيه.‏
وكانت دواوين السنة أسبق في الظهور من الكتب التي تتعلق بعلم الحديث الذي يتناول ‏الرواية وشروطها، وأنواعها، وأحكامها، وحال الرواة، وشروطهم، وأصناف الكتب التي تجمع ‏الحديث من الجوامع، والسنن، والمسانيد، والمعاجم، وغيرها.‏
ويعد القاضي "أبو محمد الرامَهُرمزي" المتوفى سنة (360 هـ = 970م) أول من صنف ‏في هذا الفن الذي يُعرف بعلم الحديث، وقعّد قواعده، وأرسى أصوله، في كتابه "المحدث ‏الفاصل بين الراوي والواعي"، وإن لم يستوعب جميع أبحاث هذا الفن، ثم جاء الحاكم ‏النيسابوري، صاحب "المستدرك على الصحيحين" المتوفَّى سنة (405هـ = 1014م)، فخطا ‏بهذا الفن خطوات واسعة، في كتابه "معرفة علوم الحديث"، وهو الكتاب الذي سار على نهجه ‏من صنفوا بعده الكتب الجامعة في علوم الحديث.‏
ثم جاء الحافظ أبو بكر البغدادي المتوفى سنة (463هـ=1070م)، فعكف على تحرير ‏مناهج المحدثين من شوائب الخلل التي طرأت عليها، فصنف عدة كتب لمعالجة هذا الأمر، ‏فوضع في أصول الحديث كتابه "الكفاية في علم الرواية"، وألف في آداب الرواية كتابه "الجامع ‏لآداب الشيخ والسامع".‏


وأسهم علماء المغرب في هذا الفن، وكان قد صار دار حديث ورواية، وأنجب أفذاذًا من ‏المحدثين، فيضع حافظ المغرب "القاضي عياض" المتوفى سنة (544هـ = 11449م) كتابه ‏المعروف "الإلماع في ضبط الرواية وتقييد السماع".‏
وفي القرن السابع الهجري يتقدم "ابن الصلاح" المتوفى (643هـ=1245م) فيحيي تراث ‏السلف الصالح في هذا الفن، ويعيد إليه حيويته ونضارته بكتابه المعروف بـ"مقدمة ابن ‏الصلاح"، الذي يعد عمدة في المنهج النقلي لتوثيق المصادر وتحقيق النصوص في مجال ‏الدراسات الإسلامية.‏

المولد والنشأة
في سنة (577 هـ = 1181م) وُلد "تقي الدين عثمان بن الصلاح عبد الرحمن بن عثمان" ‏في بلدة "شرخان" قرب "شهرزور" التابعة لإربل بالعراق، وغلب عليه لقب أبيه الصلاح عبد ‏الرحمن، فصار لا يعرف إلا به. وكان والده من مشايخ بلدته، فأولاه عنايته؛ حيث عهد به إلى ‏من حفّظه القرآن وعلمه التجويد، ثم تلقى على يديه علومه الأولى في الفقه، وقد أرسله إلى ‏‏"الموصل" فسمع الحديث من "أبي جعفر عبيد الله بن أحمد" المعروف بابن السمين، فكان أول ‏شيوخه بعد أبيه، ثم تردد على عدد من علماء الموصل يسمع منهم الحديث، ولزم أستاذه "عماد ‏الدين أبا أحمد بن يونس" الذي اصطفاه معيدًا له، فأقام لديه فترة، ثم بدأ الرحلة في طلب ‏الحديث، فرحل إلى همذان ونيسابور ومرو وبغداد ودمشق يسمع من أعلامها ويروي عنهم.‏

الاشتغال بالتدريس
وبعد هذه السياحة الطويلة في طلب العلم، استقر في مدينة القدس في بادئ الأمر مدرسًا ‏بالمدرسة الصلاحية نسبة إلى صلاح الدين الأيوبي، وأقبل الناس عليه لِمَا رأوا من علمه ‏وتقواه، ثم انتقل إلى دمشق تسبقه شهرته وفضله، فتولى التدريس في المدرسة الرواحية، ولَمّا ‏بنى الملك الأشرف ابن الملك العادل دار الحديث الأشرفية، تولى ابن الصلاح أمرها والتدريس ‏بها، ثم عهد إليه- إلى جانب ذلك- التدريس في مدرسة "ست الشام"، وهي المدرسة التي ‏أنشأتها "زمرد خاتون" بنت "أيوب" زوجة "ناصر الدين بن أسد الدين شيركوه" صاحب حمص.‏
ويذكر المؤرخ الكبير ابن خلكان أنه قدم عليه في (شوال 632هـ=مايو 1235م) وأقام ‏عنده، وذكر أنه كان يقوم بوظائفه على خير وجه دون إخلال، وقد تتلمذ عليه كثيرون، منهم: ‏ابن خلكان، وفخر الدين عمر بن يحيى الكرجي، وزين الدين الفارقي، وغيرهم.‏

مقدمة ابن الصلاح
لم تشغله أعباء مناصبه عن الفتيا والتأليف، فصنّف في علوم الحديث والرواية، والرجال ‏والفقه، بالإضافة إلى شروحه وأماليه وفتاواه، ومن تلك المؤلفات: "شرح صحيح مسلم"، و"أدب ‏المفتي والمستفتي"، و"طبقات فقهاء الشافعية"، و"مشكل الوسيط في فقه الشافعية"، و"مقدمة ابن ‏الصلاح في علوم الحديث"، وقد جمع في هذا الكتاب ما انتهت إليه جهود العلماء الذين سبقوه ‏من المشارقة والمغاربة، وأحسن تصنيفها وثبوتها.‏
وقد تلقت الأمة هذا الكتاب بالقبول، واستأثر بمنزلة خاصة عند العلماء في عصر ابن ‏الصلاح والعصور التي تلته، وتتابع عليه العلماء شرحًا وتلخيصًا ونظمًا، وعَدُّوه من أحسن ما ‏صنف أهل الحديث في معرفة اصطلاح الحديث.‏
فلخصه الإمام محيي الدين النووي المتوفى سنة (676هـ = 1277م) في كتاب سماه ‏‏"الإرشاد إلى علم الإسناد"، ثم اختصر التلخيص في كتابه "التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير ‏النذير"، وهو الذي شرحه الحافظ السيوطي في كتابه التدريب، كما اختصر المقدمة قاضي ‏القضاة "بدر الدين بن جماعة" المتوفى سنة (733هـ=1332م) في كتابه "مختصر مقدمة ابن ‏الصلاح".‏
وقد نظّم قاضي "القضاة شهاب الدين الخولي" المتوفى سنة (693هـ = 12933م) مقدمة ‏ابن الصلاح شعرًا في أرجوزته "أقصى الأمل والسول في علوم أحاديث الرسول"، وقام بهذا ‏العلم أيضًا الحافظ "زين الدين العراقي" في ألفيته (أي ألف بيت) المعروفة بألفية العراقي، ‏وعمل لها شرحًا سماه "فتح المغيث".‏
وقام جماعة من كبار حفاظ الحديث فوضعوا شروحًا لتلك المقدمة، يأتي في مقدمتها: ‏‏"محاسن الاصطلاح" لسراج الدين البلقيني المتوفى (805هـ=1402م)، و"التقييد وإيضاح لما ‏أطلق وأغلق من كتاب ابن الصلاح" لزين الدين العراقي المتوفى (806هـ=1403م)، ويجدر ‏بالذكر أن الدكتورة "عائشة عبد الرحمن" قد نشرت في مصر مقدمة "ابن الصلاح" مع كتاب ‏‏"محاسن الاصطلاح" نشرة علمية دقيقة، مع مقدمة نفيسة، سنة (1394هـ = 1974م).‏

وفاة ابن الصلاح
وبعد حياة حافلة تُوفي ابن الصلاح في دمشق في سحر الأربعاء الموافق (25من ربيع ‏الآخر 643هـ = 19من سبتمبر 1245م)، وقد ازدحم الناس للصلاة عليه، وتم دفنه في مقابر ‏الصوفية.‏


من مصادر الدراسة:‏
‎•‎ تاج الدين السبكي- طبقات الشافعية الكبرى- تحقيق عبد الفتاح محمد الحلو ‏ومحمود محمد الطناحي- هجر للطباعة والنشر- القاهرة (1413 هـ = 1992). ‏
‎•‎ ابن خلكان- وفيات الأعيان- تحقيق إحسان عباس- دار صادر- بيروت- ‏بدون تاريخ. ‏
‎•‎ الذهبي- سير أعلام النبلاء- تحقيق بشار عواد معروف ومحيي هلال ‏السرحان- المجلد (23)- مؤسسة الرسالة- بيروت (1412 هـ = 1992م). ‏
‎•‎ عائشة عبد الرحمن- مقدمة تحقيقها لكتابي مقدمة ابن الصلاح ومحاسن ‏الاصطلاح- دار الكتب المصرية- القاهرة (1994م).‏

********************

__________________
سبحان الله
والحمد لله
ولا إله إلا الله
والله أكبر
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم


 Egypt.Com - منتديات مصر

 Egypt.Com - منتديات مصر
عايزين نغير الصورة دي
 
 
 
 
مصري مميز
الصورة الرمزية hamo81

رد مع اقتباس
 
تاريخ التسجيل: May 2007
المشاركات: 8,261
26-10-2007
 
أبو بكر الطرطوشى



كان المسلمون الأوائل يعتقدون أن الإقامة في الرباطات والحياة في الثغور نوع من ‏الجهاد، لأنهم يحرسون الحدود ويكونون طلائع الجيوش الإسلامية التي تصد هجمات الأعداء، ‏وكانت الإسكندرية واحدة من تلك الثغور التي احتشدت بالمجاهدين والمرابطين منذ فتحها ‏عمرو بن العاص وأشرق عليها نور الإسلام، وجذبت إليها عددًا كبيرًا من المسلمين وبخاصة ‏من المغرب والأندلس.‏
وكان المسلمون في هذه البلاد النائية يمرون بالإسكندرية وهم في رحلتهم الشاقة إلى ‏الحجاز للقيام بمناسك الحج، أو في طريقهم إلى حواضر العلم في المشرق الإسلامي لتلقي العلم ‏ومشافهة العلماء والأخذ منهم، فإذا ما ألقوا رحالهم وطلبوا الراحة من وعثاء السفر، عاودوا ‏رحلتهم إلى حيث يريدون.‏
وكان كثير من هؤلاء المارين تجذبهم الحياة في الإسكندرية فيقيمون بها ويتخذونها موطنًا ‏لهم، فينالون شرف المرابطة في الثغور، أو المساهمة في إثراء حلقات العلم التي كانت تمتلئ ‏بها مساجد الإسكندرية، وذلك إن كانوا من حملة العلم والفقه.‏
وازداد توثق الإسكندرية بالمغرب قوة وترابطًا بعد قيام الدولة الفاطمية، وهي التي قامت ‏في بلاد المغرب ثم انتقلت إلى مصر وأنشأت القاهرة واتخذتها عاصمة لها، وأصبح المغرب ‏منذ ذلك الحين ولاية تابعة لمصر، وكان من شأن هذا أن كثرت رحلات المغاربة والأندلسيين ‏إلى مصر وإلى ثغرها البديع، ومن بين من جذبتهم الإسكندرية للحياة فيها العالم الزاهد والفقيه ‏الكبير: أبو بكر الطرطوشي.‏

المولد والنشأة
في مدينة طرطوشة الأندلسية ولد أبو بكر محمد بن الوليد بن خلف المعروف بأبي بكر ‏الطرطوشي نسبة إلى بلده، وهي مدينة كبيرة تقوم على سفح جبل إلى الشرق من مدينتي بلنسية ‏وقرطبة، بينها وبين البحر المتوسط عشرون ميلا، ومحاطة بسور منيع له أربعة أبواب، وبها ‏دار لصناعة السفن، وتزدهر بها التجارة، وتعمر أسواقها بالبضائع وكان مولده في (26 من ‏جمادى الأولى 451 هـ = 10 من يوليو 1059م).‏
وكانت طرطوشة يومئذ ثغر مملكة سرقطسة التي تتمتع في ظل أمرائها من بني هود ‏بالرخاء وسعة العيش، وفي الوقت نفسه كانت من حواضر العلم في الأندلس، وتموج بالعلماء ‏وحلقاتهم التي تمتلئ بطلبة العلم، وكان أبو الوليد الباجي أحد علمائها الكبار الذين تُشدّ إليهم ‏الرحال، وعُدّ إمام عصره في الفقه وفي مسائل الخلاف.‏
حفظ الطرطوشي في بلده القرآن، وتعلم مبادئ القراءة والكتاب، ودرس شيئا من الفقه قبل ‏أن ينتقل إلى مدينة سرقسطة ويتصل بكبير علمائها أبي الوليد الباجي، ويتتلمذ عليه وهو في ‏العشرين من عمره أو نحوها، أي حوالي سنة (470 هـ = 1077م)، وظل ملازمًا له ينهل من ‏علمه الواسع ويتأثر بمنهجه في التفكير.‏

الرحلة إلى المشرق
غادر الطرطوشي وطنه سنة (476 هـ = 1083م) وهو فتى غض الإهاب في السادسة ‏والعشرين إلى المشرق العربي، فنزل مكة، وأدى مناسك الحج وألقى بعض الدروس، ثم قصد ‏بغداد حاضرة الخلافة العباسية، وملتقى أئمة العلم، ومحط طلاب المعرفة من أرجاء الدنيا، ‏وكان الوزير نظام الملك قد أنشأ المدارس التي سميت باسمه "المدارس النظامية" وكان أول من ‏أنشأ معاهد مستقلة للعلم، يتفرغ فيها المعلمون للتدريس والتلاميذ للتعلم، وأوقف عليها أموالا ‏طائلة حتى تنهض برسالتها السامية، وقد شهد الطرطوشي نظامية بغداد وهي في أوج تألقها ‏وازدهارها، وتتلمذ بها.‏
وفي بغداد تفقه الطرطوشي على عدد من أعلام بغداد، فتتلمذ على كبير الفقهاء الشافعية ‏في بغداد أبي بكر الشاشي، وكان يتولى التدريس بالمدرسة النظامية، ولزم أبا أحمد الجرجاني، ‏وأبا سعد بن المتولي، وهم يومئذ أئمة الفقه الشافعي، ثم رحل إلى البصرة وتتلمذ فيها على أبي ‏علي التستري المتوفى سنة (479 هـ = 1086م) وسمع منه سنن أبي داود.‏
ثم رحل إلى الشام، وطوّف في مدنه، فزار حلب وإنطاكية ونزل بمدينة بيت المقدس –رد ‏الله غربتها، وأعادها إلى أحضان المسلمين، وخلصها من رجس اليهود-، وتجمع المصادر التي ‏ترجمت له على أنه قضى الفترة التي عاشها في الشام معلمًا متمكنًا تهفو إلى علمه النفوس ‏وتقبل عليه القلوب، وكان لزهده وورعه أثر في ذلك فاجتمع عليه الناس أينما حل.‏

في الإسكندرية
اتجه الطرطوشي بعد إقامته في الشام فترة من عمره إلى الإسكندرية تسبقه سمعته الطيبة ‏وتهيئ له مكانًا في القلوب، فاشتاقت إلى رؤيته، ونزل الثغر في سنة (488 هـ = 1095م) ‏وكانت مصر في تلك الفترة قد أمسك بزمامها الوزير الأفضل شاهنشاه بن بدر الجمالي، الذي ‏استبد بالحكم دون الخلفاء الفاطميين، فلم يعد لهم حول ولا قوة، وأصبح تصريف الأمور كلها ‏في يد الوزير القوي.‏
استقر الطرطوشي في الإسكندرية وأقبل عليه طلاب العلم، وامتلأت حلقاته الدراسية ‏بالراغبين في تعلم الفقه والحديث ومسائل الخلاف، ولم يمض وقت على مجيئه حتى تزوج ‏بسيدة موسرة من نساء الإسكندرية، فتحسنت أحواله ولانت له الحياة، ووهبته دارًا من أملاكها، ‏فاتخذ من دورها العلوي سكنا له معها، وجعل طابقها السفلي مدرسة يلقي فيها دروسه.‏

الدين النصيحة
وبعد أن استقرت به الحياة خرج الطرطوشي إلى القاهرة عاصمة البلاد وحاضرة الخلافة ‏الفاطمية، وفي أثناء إقامته هناك زار الوزير الكبير الأفضل بن بدر الجمالي، لا ليمدحه أو يقدم ‏له آيات الشكر، وإنما لينصحه ويعظه دون نظر إلى مكانته وهيبته، فقد امتلأ قلب الطرطوشي ‏بخشية الله والخوف منه، فانتزع منه كل خوف لما سواه، واستوى عنده كل شيء، وهذا ما عبر ‏عنه أحد الصالحين حين شاهد الطرطوشي وحضر دروسه في الشام فقال: "الذي عند أبي بكر ‏الطرطوشي من العلم هو الذي عند الناس، والذي عنده مما ليس مثله عند غيره.. دينه".‏
ومما قاله الطرطوشي لهذا الوزير: "... واعلم أن هذا الملك الذي أصبحت فيه إنما صار ‏إليك بموت من كان قبلك، وهو خارج عن يديك مثل ما صار إليك؛ فاتق الله فيما حولك من هذه ‏الأمة، فإن الله سائلك عن النقير والقطمير والفتيل، قال الله تعالى: "فوربك لنسألنهم أجمعين عما ‏كانوا يعملون".‏

العلم في الهواء الطلق
عاد الطرطوشي إلى الإسكندرية ليستأنف نشاطه وسيرته الأولى مع تلاميذه الذين التفوا ‏حوله، وكانت له طريقة محببة جعلت قلوب تلامذته تتعلق به وتأنس معه، فلم يكتف بما يعقده ‏لهم من حلقات دراسية في بيته أو في المسجد، بل كان يصطحبهم في رحلات إلى البساتين ‏والأماكن الجميلة، وهناك في الهواء الطلق يلقي دروسه أو يذكرهم بما حفظوه ودروسه.‏
وأترك أحد تلامذته يصف لنا ما يحدث في تلك الرحلات حيث يقول: "كان صاحب نزهة ‏مع طلبته في أكثر الأوقات، يخرج معهم إلى البستان، فيقيمون الأيام المتوالية في فرحة ‏ومذاكرة ومداعبة مما لا يقدح في حق الطلبة، بل يدل على فضلهم وسلامة صدرهم، وخرجنا ‏معه في بعض النزهة فكنا ثلاثمائة وستين رجلا لكثرة الآخذين عنه المحبين في صحبته ‏وخدمته".‏
غير أن هذا الإقبال جلب له خصومة قاضي المدينة "مكين الدولة بن حديد"، وزادها ‏اشتعالا ما كان يثيره الطرطوشي من نقد حول تصرفات القاضي المالية حول المكوس والمغارم ‏الظالمة، وكذلك أطلق الطرطوشي لسانه في نقد كثير من العادات التي تنافي الشرع الحكيم، ‏وقد جمعها في كتاب أطلق عليه "بدع الأمور ومحدثاتها"، وأصدر فتاوى أثارت الرأي العام ‏مثل فتواه بحرمة تناول الجبن الذي يأتي به الروم إلى المدينة.‏
وقد ضاق قاضي المدينة وأعوانه بمسلك الطرطوشي، وبعثوا على الوزير الأفضل ‏بشكاواهم، وصدّر الوزير الأمر على أنه بداية للخروج على النظام وإثارة للشغب، ولا بد من ‏التصرف بشدة مع الطرطوشي الذي اجتمع عليه الناس لعلمه وورعه وزهده، وما كان من ‏الوزير إلا أن بعث في طلب الطرطوشي، فلما قدم عليه قابله مقابلة طيبة، وأمره بالإقامة في ‏مسجد الرصد بالفسطاط، ومنع الناس من الاتصال به، وقرر له راتبًا شهريًا، وسمح لخادمه ‏بالإقامة معه. وظل الطرطوشي محدد الإقامة منذ أواخر سنة (514 هـ = 1120م) حتى ‏‏(شوال سنة 515 هـ = 1121م)، ثم انكشفت الغمة بمقتل الأفضل وتولي مأمون البطائحي ‏أمور الوزارة، فأفرج عن الشيخ وأحسن وفادته.‏

سراج الملوك
عاد الطرطوشي إلى الإسكندرية واستأنف حياته السابقة: حياة الدرس والإقراء، وبدأ ‏يؤلف كتابًا في فن السياسة والحكم، وما يجب أن يكون عليه الراعي والرعية، وأتم هذا الكتاب ‏في سنة واحدة وسماه "سراج الملوك" وتوجه به إلى القاهرة (516 هـ = 1122م) ليقدمه إلى ‏الوزير الجديد "مأمون البطائحي"، فاستقبله أحسن استقبال وجلس بين يديه؛ إمعانًا في التقدير ‏والإجلال، وأغدق عليه عطفه ورعايته.‏
ولم يكن الطرطوشي ليكتفي بالاستقبال الطيب دون أن يعرض عليه ما يراه منافيًا ‏للشرع، وبخاصة فيما يتعلق بالنظم المتبعة للمواريث، حيث كان القضاة الشيعة يفتون بأن ترث ‏البنت كل تركة أبيها إذا كانت وحيدة لا أخ لها ولا أخت، وكان هذا مخالفًا للشرع؛ حيث تحرم ‏العصبة من المشاركة في الميراث، فلما عرض الطرطوشي الأمر على الوزير وذكّره بأن هذا ‏مخالف للمذاهب السُّنّية التي تقضي بألا ترث البنت في هذه الحالة أكثر من نصف التركة، وبعد ‏مناقشة طويلة اعتذر الوزير بأنه لا يملك تغيير ما يقضي به المذهب الشيعي، لكنه وافق على ‏حل وسط يرضي المذهب الشيعي ويرضي ما يقوله الطرطوشي، وأصدر أمرًا للقضاة بأن يُتّبع ‏في الميراث مذهب الميت، فإن كان سنيًا اتُّبع المذهب السني، وإن كان شيعيًا اتبع المذهب ‏الشيعي.‏


موضوع الكتاب
وكتاب "سراج الملوك" يتألف من أربعة وستين فصلا تتناول سياسة الملك وفن الحكم ‏وتدبير أمور الرعية، وقد تناول في كتابه الخصال التي يقوم عليها الملك، والخصال المحمودة ‏في السلطان والتي تمكّن له ملكه، وتسبغ الكمال عليه، والصفات التي توجب ذم السلطان، ‏وعرّج على ما يجب على الرعية فعله إذا جنح السلطان إلى الجور، وتناول صحبة السلطان ‏وسيرته مع الجند، وفي اقتضاء الجباية وإنفاق الأموال.‏
وتحدث الطرطوشي في كتابه عن الوزراء وصفاتهم وآدابهم، وتكلم عن المشاورة ‏والنصيحة باعتبارهما من أسس الملك، وعرض لتصرفات السلطان تجاه الأموال والجباية، ‏ولسياسته نحو عماله على المدن، وتناول سياسة الدولة نحو أهل الذمة، وما يتصل بذلك من ‏أحكام، وتحدث عن شئون الحرب وما تتطلبه من سياسة وتدبير.‏
وللطرطوشي إلى جانب هذا الكتاب القيم عدد آخر من الكتب منها: مختصر تفسير ‏الثعالبي، وشرح لرسالة الشيخ ابن أبي زيد القيرواني، في الفقه المالكي، والكتاب الكبير في ‏مسائل الخلاف، وكتاب الفتن، وكتاب الحوادث والبدع، أو بدع الأمور محدثاتها.‏
وكان الطرطوشي إلى جانب تضلعه في أمور الشريعة ومسائل الخلاف أديبًا بارعًا، ‏ويظهر ذلك في أسلوبه الرشيق الجميل في كتابه سراح الملوك، وكان شاعرًا محسنًا، وقد ‏احتفظ كتابه هذا بنماذج طيبة من شعره، ظلت أبيات منها سائرة على الألسنة حتى يومنا هذا، ‏مثل قوله:‏
إن لله عبادًا‎ ‎فطنا طلّقوا الدنيا وخافوا‎ ‎الفتنا
فكروا فيها، فلما‎ ‎علموا أنها ليست لحي‎ ‎وطنا
جعلوها لجّة‎ ‎واتخذوا صالح الأعمال فيها‎ ‎سُفنا

وفاة الشيخ
بلغ أبو بكر الطرطوشي مكانة عالية، وصار من أقطاب الفقه المالكي في عصره، ‏وأصبح ملجأ الناس في الفتوى يلوذون به حتى تضل بهم السبل، ثقة منهم في علمه ودينه ‏وأمانته، وتطلع إليه الحكام التماسًا للرأي والمشورة وطلبا للفتيا فيما يقدمون عليه من أعمال، ‏فطلب منه عاهل دولة المرابطين "يوسف بن تاشفين" فتواه في إقدامه على خلع ملوك الطوائف ‏في الأندلس لانغماسهم في اللهو وانصرافهم عن الرعية، فأفتاه بذلك، متفقًا مع ما أفتى به فقهاء ‏المغرب والأندلس من جواز ذلك.‏
نجح الشيخ أثناء إقامته بالإسكندرية، من إحداث نشاط علمي وافر، وتتلمذ عليه عدد كبير ‏من الفقهاء، حمل بعضهم الراية من بعده، مثل: سند بن عنان الذي خلف الطرطوشي في ‏مدرسته، وأبي طاهر بن عوف، وكانت له مدرسة مستقلة.‏
ظل الطرطوشي يواصل عمله في مدرسته حتى توفي في (26 من جمادى الأولى 520 ‏هـ = 20 من يونيو 1127م) وهو في التاسعة والستين من عمره.‏


من مصادر الدراسة:‏
‎•‎ ابن خلكان: وفيات الأعيان – تحقيق إحسان عباس – دار صادر بيروت.‏
‎•‎ الذهبي: سير أعلام النبلاء – مؤسسة الرسالة – بيروت – 1412 هـ = ‏‏1992م.‏
‎•‎ جمال الدين الشيال: أبو بكر الطرطوشي – دار الكتاب العربي للطباعة والنشر ‏‏– القاهرة – 1968م.‏
‎•‎ محمد عبد الله عنان: تراجم شرقية وأندلسية – مكتبة الخانجي – القاهرة – ‏‏1390 هـ= 1970م.‏

**************

__________________
سبحان الله
والحمد لله
ولا إله إلا الله
والله أكبر
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم


 Egypt.Com - منتديات مصر

 Egypt.Com - منتديات مصر
عايزين نغير الصورة دي
 
 
 
 
مصري مميز
الصورة الرمزية hamo81

رد مع اقتباس
 
تاريخ التسجيل: May 2007
المشاركات: 8,261
26-10-2007
 
إبن دقيق العيد


لم تكن القاهرة وحدها في العصر المملوكي حاضرة العلم في مصر، ومركز الإشعاع ‏الثقافي وملتقى العلماء والفقهاء، بل نافستها مراكز أخرى في صعيد مصر، امتلأت بالمدارس ‏ودور الحديث، وازدانت بأعلامها من رجال الفقه والحديث واللغة والأدب، وكانت إسنا وقوص ‏وأسيوط وأخميم، وأسوان، ومنفلوط، تموج حركة ونشاطًا، بحلقات العلم التي تحتضنها ساحات ‏المساجد وقاعات المدارس. ويذكر ابن دقماق المؤرخ المصري أنه كان بقوص وحدها ستة ‏عشر مكانًا للتدريس، وبلغ من ازدهار الحركة العلمية بصعيد مصر في تلك الفترة المملوكية أن ‏وضع الأدفوي كتابه المعروف "الطالع السعيد" وخصصه فقط لتراجم نجباء علماء الصعيد.‏

المولد والنشأة
في عرض البحر ولد ابن دقيق العيد، وأبواه متوجهان إلى الحجاز لأداء فريضة الحج في ‏‏(25 من شعبان 625هـ=31 من يونيو 122م)، ولما قدم أبوه مكة حمله، وطاف به البيت، ‏وسأل الله أن يجعله عالمًا عاملاً.‏
ونشأ ابن دقيق العيد في قوص بين أسرة كريمة، تعد من أشرف بيوتات الصعيد وأكرمها ‏حسبًا ونسبًا، وأشهرها علمًا وأدبًا، فأبوه أبو الحسن علي بن وهب عالم جليل، مشهود له بالتقدم ‏في الحديث والفقه والأصول، وعُرف جده لأبيه بالعلم والتقى والورع، وكانت أمه من أصل ‏كريم، وحسبها شرفًا أن أباها هو الإمام تقي الدين بن المفرج الذي شُدّت إليه الرحال، وقصده ‏طلاب العلم.‏
وتعود سبب شهرته باسم ابن دقيق العيد، أن جده "مطيعًا" كان يلبس في يوم عيد طيلسانًا ‏ناصع البياض، فقيل كأنه دقيق العيد، فسمي به، وعُرف مطيع بدقيق العيد، ولما كان "علي بن ‏وهب" حفيده دعاه الناس بابن دقيق العيد، واشتهر به ابنه تقي الدين أيضًا، فأصبح لا يُعرف إلا ‏به.‏
بدأ ابن دقيق العيد طريق العلم بحفظ القرآن الكريم، ثم تردد على حلقات العلماء في ‏قوص، فدرس الفقه المالكي على أبيه، والفقه الشافعي على تلميذ أبيه البهاء القفطي، ودرس ‏علوم العربية على محمد أبي الفضل المرسي، ثم ارتحل إلى القاهرة واتصل بالعز بن عبد ‏السلام، فأخذ عنه الفقه الشافعي والأصول، ولازمه حتى وفاته. ثم تطلعت نفسه إلى الرحلة في ‏طلب العلم، وملاقاة العلماء، فارتحل إلى دمشق في سنة (660هـ=1261م) وسمع من علمائها ‏ثم عاد إلى مصر.‏

قيامه بالتدريس والتأليف

استقر ابن دقيق العيد بمدينة قوص بعد رحلته في طلب الحديث، وتولى قضاءها على ‏مذهب المالكية، وكان في السابعة والثلاثين من عمره، ولم يستمر في هذا المنصب كثيرًا، ‏فتركه وولى وجهه شطر القاهرة وهو دون الأربعين، وأقام بها تسبقه شهرته في التمكن من ‏الفقه، والمعرفة الواسعة بالحديث وعلومه.‏
وفي القاهرة درس الحديث النبوي في دار الحديث الكاملية، وهي المدرسة التي بناها ‏السلطان الكامل سنة (621هـ=1224م)، ثم تولى مشيختها بعد ذلك، وكان على تبحره في ‏علوم الحديث يتسدد في روايته، فلا يروي حديثًا إلى عن تحرٍّ واحتراز، ومن ثم كان قليل ‏التحديث لا عن قلة ما يحفظه ولكن مبالغة في التحري والدقة. ويصف ابن سيد الناس مكانة ‏شيخه ابن دقيق العيد في هذا الفن بقوله: "وكان للعلوم جامعًا، وفي فنونها بارعًا مقدمًا في ‏معرفة علل الحديث على أقرانه، منفردًا بهذا الفن النفيس في زمانه". ولابن دقيق العيد كتاب ‏عمدة في علم مصطلح الحديث سماه "الاقتراح في معرفة الاصطلاح" والكتاب مطبوع نشرته ‏وزارة الأوقاف بالعراق.‏
ودرّس الفقه الشافعي في المدرسة الناصرية التي أنشأها صلاح الدين الأيوبي بجوار قبة ‏الإمام الشافعي، ولما كان شيخًا قد تضلّع في الفقه وأحاط بمسائله في المذهبين المالكي ‏والشافعي؛ فقد قام بتدريسهما في المدرسة الفاضلية.‏
ولم يقف الشيخ الجليل على أدلة المذهبين، والاجتهاد في نطاقهما، وإنما تجاوز ذلك إلى ‏مرحلة الاجتهاد المستقل في بعض ما كان يعرض له من قضايا، حيث كان يستخرج الأحكام ‏من الكتاب والسنة، غير مقلد لأحد في اجتهاده، وقد شهد له معاصروه بالسبق والتقدم في الفقه، ‏وأقروا له بالاجتهاد، فوصفه الإسنوي بأنه "حافظ الوقت خاتمة المجتهد". ويقول الأدفوي: "ولا ‏شك أنه من أهل الاجتهاد ولا ينازع في ذلك إلا من هو من أهل العناد، ومن تأمل كلامه علم ‏أنه أكثر تحقيقًا وأمتن وأعلم من بعض المجتهدين فيما تقدم وأتقن".‏
وله مؤلفات فقهية تنطق بعلو كعبه في هذا الميدان، منها: إحكام الأحكام شرح عمدة ‏الأحكام للعلامة الحافظ عبد الغني النابلسي. وكتاب العمدة يحتوي على مجموعة من الأحاديث ‏مبوبة على أبواب الفقه، مثل باب الطهارة وباب الوضوء، وباب التيمم، وقد قام ابن دقيق العيد ‏بشرح الكتاب، فتصدى لبيان معاني الحديث، وما به من بيان، واستنبط ما فيه من أحكام، ‏وأقوال الفقهاء فيه واختلافاتهم. وقد أملى ابن دقيق العيد هذا الشرح على تلميذه عماد الدين بن ‏الأثير. وقد طُبع هذا الكتاب بالقاهرة سنة (1342هـ= 1924م) واعتنى بنشره محمد منير ‏الدمشقي.‏
وإلى جانب هذا له شرح مقدمة المطرزي في أصول الفقه، وشرح مختصر الزبيدي في ‏فقه الشافعية، وشرح مختصر ابن الحاجب في فقه المالكية، غير أن هذه الكتب فُقدت ولم يصل ‏إلينا منها شيء.‏
وله جملة من الفتاوى والمباحثات الفقهية والأصولية، لا يجمعها كتاب، وقد أورد السبكي ‏في طبقات الشافعية نماذج منها، وقد صدرها بقوله: "فوائد الشيخ تقي الدين ومباحثه أكثر من ‏أن تُحصى، ولكنها غالبًا متعلقة بالعلم من حيث هو؛ حديثًا وأصولاً وقواعد كلية".‏

الأديب الشاعر

كان ابن دقيق العيد على انشغاله بالفقه والحديث أديبًا بارعًا، وخطيبًا مفوهًا، وشاعرًا ‏مجيدًا، ولو انصرف إلى الأدب لكان له منزلة ومكانة، ويجمع معاصروه على براعته في ‏الخطابة وتفوقه فيها، فكان يملك أفئدة الناس بأسلوبه المؤثر ونبراته الصادقة، وعظاته البالغة، ‏وذكر السبكي أن لابن دقيق العيد "ديوان خطب". وله أيضًا "ديوان شعر" جمعه صلاح الدين ‏الصفدي المؤرخ المعروف، ونُشر بالقاهرة.‏

قاضي القضاة
تولى ابن دقيق العيد منصب قاضي القضاة في أخريات حياته في (18 من جمادى الأولى ‏‏695هـ= من مارس 1296م) بعد وفاة القاضي ابن بنت الأعز، وقبله بعد تردد وإلحاح، ‏وكانت فترة توليه القضاء على قصرها من أكثر سني عمره خطرًا وأعظمها شأنًا، فقد أصبح ‏على اتصال وثيق بالسلطان وكبار رجال الدولة، لكن كان له من ورعه ودينه وعلمه ما يجعله ‏يجهر بالحق ويدافع عنه، فلا يقبل شهادة الأمير؛ لأنه عنده غير عدل، وإن كان الكبراء ‏والعلماء يتملقونه ويقتربون إليه، فرد شهادة "منكوتمر" نائب السلطنة حين بعث إليه يعلمه أن ‏تاجرًا مات وترك أخًا من غير وارث سواه، وأراد منه أن يثبت استحقاق الأخ لجميع الميراث ‏بناء على هذا الإخبار، فرفض ابن دقيق العيد، وترددت الرسل بينهما، لكن القاضي كان يرفض ‏في كل مرة، على الرغم من إلحاح منكوتمر عليه؛ لأن الأدلة لم تكن كافية لإثبات أخوة ‏المذكور إلا شهادة منكوتمر، وأمام إصرار نائب السلطنة، استقال ابن دقيق من منصب القضاء ‏احترامًا لنفسه وإجلالاً لمنصب القضاء، فلما بلغ السلطان "حسام الدين لاجين" ذلك أنكر على ‏نائبه تصرفه في التدخل في عمل القضاء، وأرسل في طلب الشيخ، فلما جاء قام إليه وأجلسه ‏بجواره، وأخذ يسترضيه ويتلطف به حتى قبل أن يعود إلى منصبه.‏
ويذكر له وهو في منصبه أن رفض قيام السلطان "الناصر محمد بن قلاوون" بجمع المال ‏من الرعية لمواجهة التتار، معتمدًا على الفتوى التي أصدرها العز بن عبد السلام بجواز ذلك ‏أيام سيف الدين قطز، وقال للسلطان: إن ابن عبد السلام لم يفت في ذلك إلا بعد أن أحضر ‏جميع الأمراء كل ما لديهم من أموال، ثم قال له في شجاعة: كيف يحل مع ذلك أخذ شيء من ‏أموال الرعية، لا والله لا جاز لأحد أن يتعرض لدرهم من أولاد الناس إلا بوجه شرعي" ‏واضطر السلطان أن يرضخ لكلام القاضي الشجاع.‏
ولا شك أن ابن دقيق العيد قد ارتفع بمنزلة القاضي وحافظ على كرامة منصبه، فتطبيق ‏الأحكام الشرعية هو سبيله إلى العدل دون تفرقة، والالتزام بالحق هو الميزان الذي يستعمله في ‏قضاياه وفتاواه، فحين رأى بعض الناس تستحلّ أموال اليتامى القصّر الذين لا يستطيعون ‏التصرف فيما يرثونه من أموال أنشأ ما يسمى "المودع الحكمي"، وهو شبه في زماننا "الديوان ‏الحسبي" تُحفظ فيه أموال اليتامى الصغار، يقول ابن حجر العسقلاني: "وهو أول من عمل ‏المودع الحكمي، وقرر أن من مات وله وارث إن كان كبيرًا أقبض حصته، وإن كان صغيرًا ‏أحمل المال في المودع، وإن كان للميت وصي خاص ومعه عدول يندبهم القاضي لينضبط ‏أصل المال على كل تقدير".‏
وكان ابن دقيق معنيًا بشئون القضاة الذين يتبعونه في الأقاليم، فيرسل إليهم الرسائل ‏المطولة التي ترسم لهم ما يجب عليهم أن ينتهجوه ويلتزموه في أحكامهم، وكيفية معالجة قضايا ‏الناس، وتضمنت رسائله أيضًا وصاياه لهم بالتزام العدل وتطبيق أحكام الشرع.‏

وفاة الشيخ

يذكر عدد كبير من المؤخرين أن ابن دقيق العيد كان على رأس المائة السابعة الذي حدد ‏للأمة أمر دينها بعلمه الغزير واجتهاده الواسع، وشهد له معاصروه بالسبق والتقدم في العلم، فقد ‏كان ضليعًا في جميع العلوم اللغوية والشرعية والعقلية. ويؤكد السبكي ذلك فيقول: "ولم ندرك ‏أحدًا من مشايخنا يختلف في أن ابن دقيق العيد هو العالم المبعوث على رأس السبعمائة، المشار ‏إليه في الحديث النبوي، وأنه أستاذ زمانه علمًا ودينًا".‏
وقضى الشيخ حياته بين التأليف والتدريس نهارًا، والعبادة والصلاة ليلاً، حتى لقي الله في ‏يوم الجمعة (11 من صفر 702هـ=5 من أكتوبر 1302م).‏


من مصادر الدراسة:‏
‎•‎ عبد الوهاب السبكي: طبقات الشافعية الكبرى – تحقيق محمود محمد الطناحي ‏وعبد الفتاح محمد الحلو – دار هجر للطباعة والنشر – القاهرة – 1413هـ=1992م.‏
‎•‎ الأدفوي: الطالع السعيد الجامع لأسماء نجباء الصعيد – تحقيق سعد محمد حسن ‏‏– الدار المصرية للتأليف والترجمة – القاهرة – 1966م.‏
‎•‎ الإسنوي: طبقات الشافعية – تحقيق عبد الله الجبوري – رئاسة ديوان الأوقاف ‏‏– بغداد – 1390هـ.‏
‎•‎ محمود رزق سليم: عصر سلاطين المماليك ونتاجه العلمي والأدبي – مكتبة ‏الآداب – القاهرة – بدون تاريخ.‏
‎•‎ علي صافي حسين: ابن دقيق العيد حياته وديوانه – دار المعارف – القاهرة – ‏‏1960م.‏

************
__________________
سبحان الله
والحمد لله
ولا إله إلا الله
والله أكبر
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم


 Egypt.Com - منتديات مصر

 Egypt.Com - منتديات مصر
عايزين نغير الصورة دي
 
 
 
 
مصري مميز
الصورة الرمزية hamo81

رد مع اقتباس
 
تاريخ التسجيل: May 2007
المشاركات: 8,261
26-10-2007
 
الجوينى إمام الحرمين


مولده ونشأته:‏
ولد الجويني في 18 من المحرم 419هـ - 12 من فبراير 1028م، في بيت عرف ‏بالعلم والتدين؛ فقد كان أبوه "عبد الله بن يوسف بن محمد بن عبد الله بن حيويه" واحدًا من ‏علماء نيسابور المعروفين، وأحد فقهاء المذهب الشافعي، وله مؤلفات كثيرة في التفسير والفقه ‏والعقائد والعبادات، وقد اشتهر بحبه الشديد للعلم، كما عرف بالصلاح والورع، ومن ثم فقد ‏حرص على تنشئة ابنه "عبد الملك" تنشئة إسلامية صحيحة، في جو من العلم والأدب والثقافة ‏الإسلامية.‏
وكان مثالا أو قدوة احتذي بها ابنه في كثير من الصفات، وحرص الأب على أن يعلم ‏ابنه بنفسه منذ حداثة سنه؛ فدَرَّس له الفقه والعربية وعلومها، واجتهد في تعليمه الفقه والخلاف ‏والأصول، واستطاع الجويني أن يحفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، وكان يحضر مجالس ‏والده حتى برز على أقرانه، وتفوق على كثير ممن كانوا يتلقون العلم في مدرسة أبيه، وقد ‏ساعده على ذلك ما حباه الله به من عقل راجح، وذهن موقد، وحافظة قوية، مع حبه للعلم ‏وشغفه بالاطلاع والبحث.‏

الجويني بين الدرس والتدريس:
وكان الجويني ذا روح وثّابة إلى الحق والمعرفة، يميل إلى البحث والنقد والاستقصاء؛ ‏فلا يقبل ما يأباه عقله، ويرفض ما بدا له فيه أدنى شبهة أو ريبة، وظل الجويني ينهل من العلم ‏والمعرفة في شغف ودأب شديدين حتى صار من أئمة عصره المعروفين، وهو لم يتجاوز ‏العشرين من عمره، فلما توفى أبوه جلس مكانه للتدريس وهو في تلك السن المبكرة؛ فكان ‏يدرس المذهب الشافعي، ويدافع عن العقيدة الأشعرية، ولكن ذلك لم يمنعه من الاستمرار في ‏البحث ومواصلة التحصيل والاطلاع؛ فكان تلميذا وأستاذا في آن واحد.‏

شيوخه وأساتذته:‏
ومع أن والده كان هو المعلم الأول في حياته، فإن ذلك لم يمنعه من التلقي على مشاهير ‏علماء عصره؛ فأخذ علوم الفقه عن "أبي القاسم الإسفراييني"، كما تلقى علوم القرآن الكريم على ‏يد "أبي عبد الله محمد بن علي النيسابوري الجنازي" والذي عرف بشيخ القراء وغيرهم.‏
* الرحيل إلى الحجاز:
كان نجم الجويني قد بدأ يلمع في نيسابور وما حولها، وانتشر صيته حتى بلغ العراق ‏والشام والحجاز ومصر، لكنه تعرض لبعض العنت والتضييق، فاضطر إلى مغادرة نيسابور، ‏وتوجه إلى بغداد فأقام فيها فترة وتوافد عليه الطلاب والدارسون، وما لبث أن رحل إلى الحجاز ‏فأقام بمكة وظل بها أربع سنوات يدرس ويفتي ويناظر حتى لقبه الناس "إمام الحرمين" لعلمه ‏واجتهاده، فكان يقضي يومه بين العلم والتدريس ويقيم ليله طائفا متعبدا في الكعبة المشرفة؛ ‏فصفت نفسه، وعلت همته، وارتفع قدره.‏

الجويني والتصوف:‏
وقد عرف التصوف الحق طريقه إلى قلب الجويني؛ فكانت مجالسه الصوفية رياضة ‏روحية وسياحة نفسية يحلق بها في آفاق إيمانية وحبه، يبكي فيبكي الحاضرون لبكائه، ويجد ‏فيها مجاهدة لنفسه ومراجعة لها.‏

* العودة إلى نيسابور:‏
وعاد الجويني مرة أخرى إلى نيسابور؛ حيث قام بالتدريس في المدرسة النظامية التي ‏أنشأها له الوزير "نظام الملك" لتدريس المذهب السني.‏
وظل الإمام الجويني يدرس بالمدرسة النظامية، فذاع صيته بين العلماء، وقصده الطلاب ‏والدارسون من البلاد الأخرى.‏
وكانت هذه الفترة من أخصب الفترات في حياة الإمام؛ ففيها بلغ أوج نضجها العلمي، ‏وصنف الكثير من مؤلفاته.‏

آثاره ومؤلفاته:‏
ومؤلفات الجويني على كثرتها لم تنل القدر الملائم لها من العناية والاهتمام من قبل ‏الباحثين والمحققين، فمعظمها لا يزال مخطوطا، ولم يطبع منها إلا عدد قليل منها:‏
‏- الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد.‏
‏- البرهان في أصول الفقه.‏
‏- الرسالة النظامية (أو العقيدة النظامية).‏
‏- الشامل في أصول الدين.‏
‏- غياث الأمم في التياث الظلم.‏
‏- لمع الأدلة في قواعد عقائد أهل السنة والجماعة.‏
‏- الورقات في أصول الفقه.‏
وبرغم ما عرفه به الجويني من غزارة العلم، وما اتسم به من رجاحة العقل وحب العلم، ‏وما بذله من جهد صادق في خدمة الدين، فإنه كان هدفا لبعض الطاغين عليه، الذين حاولوا ‏النيل من علمه والتشكيك في صحة عقيدته، وذلك من خلال أقوال اقتطعوها من كلامه، ‏وأخرجوها من سياقها، وراحوا يفسرونها على هواهم، وفق ما أرادوا توجيهها إليه، ولكنها ‏اتهامات مرسلة، ومطاعن واهية لا تستند إلى حقائق علمية.‏

نهاية الرحلة:‏
وبعد رحلة حياة حافلة بالعلم والعطاء، أصيب الجويني بعلة شديدة، فلما أحس بوطأة ‏المرض عليه انتقل إلى "بشتنقان" للاستشفاء بجوها المعتدل، ولكن اشتد عليه المرض فمات بها، ‏وذلك في مساء الأربعاء 25 من ربع الآخر 478هـ - 20 من أغسطس 1185م، عن عمر ‏بلغ تسعا وخمسين عاما.‏ ‏

***********
__________________
سبحان الله
والحمد لله
ولا إله إلا الله
والله أكبر
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم


 Egypt.Com - منتديات مصر

 Egypt.Com - منتديات مصر
عايزين نغير الصورة دي
 
 
 
رد

لنك مختصر للموضوع: http://forum.egypt.com/arforum/showthread.php?t=8635



مواقع النشر

العبارات الدلالية
أعلام, المسلمين, سلسلة, تراجم


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود BB متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع إلى



 
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138 139 140 141 142 143 144 145 146 147 148 149 150 151 152 153 154 155 156 157 158 159 160 161 162 163 164 165 166 167 168 169 170 171 172 173 174 175 176 177 178 179 180 181 182 183 184 185 186 187 188 189 190 191 192 193 194 195 196 197 198 199 200 201 202 203 204 205 206 207 208 209 210 211 212 213 214 215 216 217 218 219 220 221 222 223 224 225 226 227 228 229 230 231 232 233 234 235 236 237 238 239 240 241 242 243 244 245 246 247 248 249 250 251 252 253 254 255 256 257 258 259 260 261 262 263 264 265 266 267 268 269 270 271 272 273 274 275 276 277 278 279 280 281 282 283 284 285 286 287 288 289 290 291 292 293 294 295 296 297 298 299 300 301 302 303 304 305 306 307 308 309 310 311 312 313 314 315 316 317 318 319 320 321 322 323 324 325 326 327 328 329 330 331 332 333 334 335 336 337 338 339 340 341 342 343 344 345 346 347 348 349 350 351 352 353 354 355 356 357 358 359 360 361 362 363 364 365 366 367 368 369 370 371 372 373 374 375 376 377 378 379 380 381 382 383 384 385 386 387 388 389 390 391 392 393 394 395 396 397 398 399 400 401 402 403 404 405 406 407 408 409 410 411 412 413 414 415 416 417 418 419 420 421 422 423 424 425 426 427 428 429 430 431 432 433 434 435 436 437 438 439 440 441 442 443 444 445 446 447 448 449 450 451 452 453 454 455 456 457 458 459 460 461 462 463 464 465 466 467 468 469 470 471 472 473 474 475 476 477 478 479 480 481 482 483 484 485 486 487 488 489 490 491 492 493 494 495 496 497 498 499 500 501 502 503 504 505 506 507 508 509 510 511 512 513 514 515 516 517 518 519 520 521 522 523 524 525 526 527 528 529 530 531 532 533 534 535 536 537 538 539 540 541 542 543 544 545 546 547 548 549 550 551 552 553 554 555 556 557 558 559 560 561 562 563 564 565 566 567 568 569 570 571 572 573 574 575 576 577 578 579 580 581 582 583 584 585 586 587 588 589 590 591 592 593 594 595 596 597 598 599 600 601 602 603 604 605 606 607 608 609 610 611 612 613 614 615 616 617 618 619 620 621 622 623 624 625 626 627 628 629 630 631 632 633 634 635 636 637 638 639 640 641 642 643 644 645 646 647 648 649 650 651 652 653 654 655 656 657 658 659 660 661 662 663 664 665 666 667 668 669 670 671 672 673 674 675 676 677 678 679 680 681 682 683 684 685 686 687 688 689 690 691 692 693 694 695 696 697 698 699 700 701 702 703 704 705 706 707 708 709 710 711 712 713 714 715 716 717 718 719 720 721 722 723 724 725 726 727 728 729 730 731 732 733 734 735 736 737 738 739 740 741 742 743 744 745 746 747 748 749 750 751 752 753 754 755 756 757 758 759 760 761 762 763 764 765 766 767 768 769 770 771 772 773 774 775 776 777 778 779 780 781 782 783 784 785 786 787 788 789 790 791 792 793 794 795 796 797 798 799 800 801 802 803 804 805 806 807 808 809 810 811 812 813 814 815 816 817 818 819 820 821 822 823 824 825 826 827 828 829 830 831 832 833 834 835 836 837 838 839 840 841 842 843 844 845 846 847 848 849 850 851 852 853 854 855 856 857 858 859 860 861 862 863 864 865 866 867 868 869 870 871 872 873 874 875 876 877 878 879 880 881 882 883 884 885 886 887 888 889 890 891 892 893 894 895 896 897 898 899 900 901 902 903 904 905 906 907 908 909 910 911 912 913 914 915 916 917 918 919 920 921 922 923 924 925 926 927 928 929 930 931 932 933 934 935 936 937 938 939 940 941 942 943 944 945 946 947 948 949 950 951 952 953 954 955 956 957 958 959 960 961 962 963 964 965 966 967 968 969 970 971 972 973 974 975 976 977 978 979 980 981 982 983 984 985 986 987 988 989 990 991 992 993 994 995 996 997 998 999 1000 1001 1002 1003 1004 1005 1006 1007 1008 1009 1010 1011 1012 1013 1014 1015 1016 1017 1018 1019 1020 1021 1022 1023 1024 1025 1026 1027 1028 1029 1030 1031 1032 1033 1034 1035 1036 1037 1038 1039 1040 1041 1042 1043 1044 1045 1046 1047 1048 1049 1050 1051 1052 1053 1054 1055 1056 1057 1058 1059 1060 1061