1- مقدمة بكاء الشباب: لابن الرومي مقدمات بكى فيها شبابه، وهي كثيرة تقع في بضع وعشرين مقدمة، تتّصف بالطول والتفصيل، إذ تبلغ أحيانا سبعين بيتا، وهو ما لم نعهده في الشعر العربي. وابن الرومي يصدر فيها عن نفس عصرتها الأحزان، لضياع شبابه، ومما زاده ألما أنه لم يعد يسبي قلوب الحسان، بل إن المرأة أخذت تُعيّره بالشيب. واستمع إليه يقول في فاتحة مدحته البائية للحسن بن عبيد الله بن سليمان، من آل وهب، وهم أسرة فارسية: ما أنسَ لا أنس هندا آخر الحِقَبِ على اختلاف صُروف الدهر والعُقُبِ وعيّرتني بشيب الرأس ضاحكة من ضاحك فيه أبكاني وأضحكَ بي قد كنت تسقين خدِّي مرة وفمي يا هند من وَشَلٍ طوراً ومن ثَغَبِ([6]) ويرى الدكتور حسين عطوان أن ابن الرومي "اتَّخذ حرمانه من المتاع بالمرأة وسيلة إلى التعبير عن حرمانه في حياته"([7]) وهي عقدة زادته لهفة على الدنيا. وابن الرومي في هذه المقدمات يستلهم الطبيعة في شكواه المُرَّة من ضياع الشباب، فيمزج بين شبابه وحبه للطبيعة، على نحو ما نراه في واحدة من أطول مقدماته افتتح بها مدحته البائية في عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، حاكم بغداد([8]): صِبا من شاب مفرقه تَصاب
وإن طلب الصِّبا والقلبُ صابي
ومنها: يُذكرني الشبابَ جنانُ عدنٍ
على جنباتِ أنهار عِذابِ
يُذكرني الشبابَ رياضُ حَزْنٍ
ترنَّمُ فوقها زُرقُ الذبابِ
يذكرني الشبابَ وميضُ بَرقٍ
وسجعُ حمامةٍ وحنينُ نابِ
وإذ وجد في الطبيعة شبابا غضّاً فقد وجد فيها شبابه الضائع. ومن هنا أخذ يُعزّي نفسه، فيقول: فيا أسفاً ويا جزعاً عليه
ويا حُزنا إلى يوم الحسابِ
أَأُفجعُ بالشباب ولا أُعَزَّى
لقد غَفَلَ المُعزّي عن مُصابي
وهو لا يبكي شبابه بقدر ما يبكي نعيمه الزائل، وهو نعيم يتمثل في النساء اللائي أعرضن عنه، بعد أن ولّى شبابه. وهو يرثي هذا الشباب في فاتحة مدحته الدالية لصاعد بن مخلد كبير الوزراء لعهد المعتمد: أبين ضلوعي جمرةٌ تتوقّدُ على ما مضى أم حسرةٌ تتجددُ؟ خليليَّ ما بعد الشباب رزيّةٌ يُجَمُّ لها ماءُ الشؤون ويُعتَدُ فلا تلحيا إن فاض دمعٌ لفقده فقلَّ له بحر من الدمع يُثْمَدُ([9]) والخُلاصة، فإن ابن الرومي في مقدمات بكاء الشباب يبكي شبابه، ويذكر المرأة التي فقدها، وفقد لذاذاته بها. إنها كما يرى العقاد "كاهنة المعبد التي تتمُّ على يديها مراسم عبادته للحياة، ومحورها الذي تلتفّ حوله الشعائر والقرابين"([10]).