| تاريخ مصر الحديث من عصر الاحتلال و مابعد الخلافة الى الان |
![]() |
| حفظ الرابط | أدوات الموضوع | طرق مشاهدة الموضوع |
| مصرى جديد |
عهدنا بكتابة المذكرات العسكرية انها كتابات (أكاديمية) تحتشد فيها المصطلحات ، والقوانين ، والتعريفات الفنية ، التى يعجز القارئ – غير المتخصص ، فضلا عن جمهرة القراء – عن فهمها. وبالتالى .. فهى كتابة لفئة معينة ، دون غيرهم من الناس . لكن الكتاب الذى معنا ، يمثل نسيجا وحده ؛ لإعتبارات عديدة ، يمكن إجمال أهمها فيما يلى : · أنه كتب بطريقة سهلة ، تضع القواعد ، والمصطلحات الفنية – دون نقص ، أو لبس فى متناول العامة بأسلوب أدبى ميسر ، وعبارة مفهومة ، وعرض شيق جذاب . · مضمون الكتاب : الذى يستهدف تقديم مرحلة من أهم مراحل تاريخ النضال المصرى بصفة خاصة ، والعربى بصفة عامة – إستهدافا يعتمد على صدق الوقائع التاريخية المجردة ، التى يندر عرضها .. مع عدم الإقتراب من خطوط التماس ، التى تفرضها ظروف الحرب ، وسرية المعلومات .. شأن مؤلفه العظيم فى حياته كلها : " الإيمان ، الصراحة ، الدقة ، الصرامة ، الموضوعية ، الإلتزام " · مما يمتاز به هذا الكتاب أمور أخر ، ذات عمق إيمانى قيمى فريد ، يندر وجوده فى عصر تسود فيه " الأنا " ، وتستبد الماديات ؛ بالروحانيات ، والأخلاقيات ، والقيم ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر : o رد الفضل لأهله ، وإعطاء كل ذى حق حقه ، وإن تناساه الناس أو أعرضوا عنه. o تذكيرنا بماضى السلف الصالح من نسبة النصر إلى صناعه من الجنود.. الذين غالبا ماينساهم القادة عند تلقى تهانى الفوز، وأوسمة الإنتصار . o إحياء ما أماتته الماديات الطاغية من رد النصر فى حقيقته الى الإيمان بالله ، وقوة الروح المعنوية ، وما يصنعه الله تعالى لأوليائه من خوارق العادات ، وصور الكرامة . وبالتالى فهو كتاب : حقيق أن يحرص عليه الخاصة .. وهو حاجة ملحة للجميع أبطال المغازى أريد أن أوجه كلماتى هذه إلى الفريق / يوسف عفيفى حيث قرأت فى كتابه " مقاتلون فوق العادة " نبذة عن البطل الشهيد / العقيد كمال رءوف ، وكيف آنه قاتل فى شجاعة ، وإستبسال ، واستطاع الصمود لمدة أربعة أيام مع أفراد كتيبته فى حرب سنة 1967 ولم يتمكن العدو من إختراق موقعة ؛ الى أن اتخذ العدو خطة أخرى ، وهى ضرب الكتيبة الصامدة من الجو ، ولو لم يحدث هذا لما استطاع العدو إكتساح الموقع ، وكيف أن الإسرائيلين يعرفون هذا جيدا ، وكتبوا عن هذا القائد . قرأت هذه الفقرة أنا وأبنائى ، ولم نصدق أعيننا .. يا إلهى ! هذه معلومات لم نكن نعلمها من قبل ... هذه أول مرة أعرف أن زوجى الشهيد قد قام بهذه البطولات ! ! . فألف شكر للفريق المنصف ؛ فقد ملأ إبنى فخرا بوالدهما العظيم الذى تركهما طفلين صغيرين ، وهما الآن طبيبان بفضل الله وعنايته . وجزاه الله كل خير . . حرم الشهيد / كمال رؤوف دور نكسة 67 فى نصر 73 أكثر من ثلاثة وعشرون عاما مرت حتى الآن على نكسة 1967 .. وعلى الرغم من إنقضاء كل هذه السنين ، فإنه - حتى الآن - لا يزال الحديث عن هذه الحرب يبدو وكأنه نوع من السير فى حقل من الألغام . ولا يستطبع أى محايد وهو يتجه الى محطة النصر الكبرى فى أكتوبر 1973 إلا أن يتوقف قليلا عند يونيه 1967 . والبعض قد يرى ان هذه الوقفة قد تتسبب فى نبش جرح قديم أردنا له جميعا أن يندمل . لكن الواقع يقول : أن حرب يونية 67 قد سجلت فى صحائف التاريخ : شئنا أم أبينا .. وأن هناك كثيرا من الشهود لم يدلوا بشهاداتهم بعد . الحقيفة الهامة هنا هى : أن دروس نكسة 67 كان لها أثرها الهام فى نصر 73 .. وأن العسكرية المصرية قد ظلمت ظلما كبيرا فى حرب الأيام الستة ، وأن فارق كبيرا – وكبيرا جدا – بين إدارة حرب أكتوبر ، وإدارة حرب يونيو ، وكثير .. وكثير من الآسباب الأخرى التى أقررها .. حيث كنت أحد القادة فى المعركتين وإن إختلفت الظروف والنتائج . تلك المقارنة الضرورية بين ماحدث فى ظرفين لاتفصلهما سوى 6 سنوات ، وأستطيع أن أؤكد أنه لم يكن هناك أدنى أمل فى كسب حرب الأيام الستة ، أو على الأقل التعادل فيها . فقد كانت قواتنا تتحرك كقطع من الشطرنج ، حتى طلب منها أن تتوقف لتدافع .. وبعدها طلب منها أن تنسحب .. بل أن هناك الكثير والكثير .. مما أغفله معظم من تناولوا أحداث حرب 67 . إن بطولات الإنسحاب فى حرب يونيو 67 لا تقل أهمية عن بطولات الدفاع .. فقد كان من الممكن أن نجعلها بطولات عظيمة .. ولكن ما حدث قد حدث ... فى حرب أكتوبر 73 كانت القيادات مختلفة فى طريقة تفكيرها وطبيعة حركتها .. لقد ابتعدت السياسة عن عقول القيادات ، وتم تجهيز مسرح العمليات قبل أكتوبر .. وكان التدريب الشاق وكان القرار حاسما لارجعة فيه ، وتم التخطيط لكل شئ قبل بداية الحرب . كثيرة هى تلك المقارنات ، بين حربين : وقع فى الأولى هزيمة قاسية ، وتحقق فى الثاني نصر عزيز . مظاهرة عسكرية لقد كنت خلال حرب 67 قائدا للكتيبة 12 من اللواء الرابع مشاه التابع للفرقة الثانية التى كانت تحت قيادة اللواء عبد الحليم عبد العال ، ثم اللواء عثمان نصار . وصدرت لى الأوامر بالتحرك الى سيناء ليلة 17-18 مايو .. وقد حدث ذلك كله فجأة ، بدون ترتيب مسبق ، وبدون إستعدادات ، أو خطة محددة . وعندما سألت قيادتى .. قالوا : إنها مجرد مظاهرة عسكرية الهدف منها تهديد العدو . وقطعنا سيناء كلها خلال 20 يوما من الكونتلا الى العريش الى الكيلو 161 بدون هدف محدد ... فما نكاد نصل الى موقع حتى تصدر الأوامر بالتحرك الى موقع آخر فى اليوم التالى .. ووجدت نفسى فى وضع محرج مع رجال الكتيبة ، فأنا أدفعهم للحركة دون خطة ، ولا أستطيع أن أحدد لهم الهدف من إنتقالاتنا .. وحتى أرفع من معنوياتهم المنخفضة نتيجة لإنعدام التخطيط ، وعدم وضوح الخطة والهدف ، أخذت أشارك معهم فى حفر الخنادق ، وأتظاهر بأن هناك هدفا محددا من وراء هذه التحركات .. ولكننى كنت فى حالة نفسية سيئة ، فقد كنت أعرف الحقيقة .. وأنه ليس هناك هدف .. ولا خطة .. وفى نهاية المطاف إستقر بنا المقام ، وصدرت الأوامر بأن نبقى خلف " القسيمة " حول محـور ( القسيمة – الحسنة) حتى يكون هناك خط دفاعى ثان لحماية القوات فى حالة الإنسحاب من الخط الأول . وفعلا كنا خط الحماية الذى إنسحبت من خلاله قوات القسيمة ، وصمدنا حتى اللحظات الأخيرة . أسباب النكسة ولعل السؤال الذى عاش بيننا طوال هذه السنوات ، يلح علينا ، وتتعدد حوله إجتهادات : ما أسباب النكسـة ؟ وأنا بدورى أقول : أن هناك عناصر متداخلة كانت سببا فى الهزيمة .. ولم يكن خروج الطيران من المعركة – وحده – هو السبب فى الحجم الضخم من الخسائر . ولقد كانت خسائر الطيران المصرى هى الشماعة التى علقت عليها الهزيمة .. ولم تكن هذه الحجة صحيحة ، لأن الطيران لا يستطيع أن يتدخل فى أى عمليات أرضية مادام هناك التحام بين قوات الطرفين . ومن هنا فإنه لو أن قواتنا فى 67 كانت قد إلتحمت بالجيش الإسرائيلى ، واتخذت موقفا هجوميا أو دفاعيا ، لكانت قد أخرجت الطيران الإسرائيلى من المعركة ، ولكانت الخسائر أقل كثيرا مما وقعت . أضف الى ذلك أسلوب الإنسحاب العشوائي ، الذى تبع أسلوب الحشد العشوائي .. ولو كانت هناك خطة مدروسة للإنسحاب ، لإنسحبت القوات الى غرب القنال دون أن تحدث الفوضى الشاملة التى ضخمت من حجم الخسائر . وهناك صورة لأسلوب الحشد العشوائى ، توضح مقدار الفوضى التى دخلنا معركة 67 مسلحين بها .. فإلى جانب كتيبتى العاملة كانت هناك كتيبتا مشاة من الأفراد إحتياط المستدعون ، يرتدون الجلاليب والملابس المدنية ، إستدعتهم القيادة على عجل ، ووصلوا سيناء بالجلاليب ، وبلا أسلحة ، ولا عتاد أو تموين .. وبلا خطة موضوعة لتسليحهم ، لمشاركتهم فى المعارك . والغريب : أنهم وضعوا على الخط الدفاعى فى القسيمة على هذا الحال ، وتركوا حتى بدأت العمليات . قد صورت إسرائيل عددا من هؤلاء ، وإستغلت صورهم للدعاية ضد الجيش المصرى عالميا . وقد قمت قبل أن تبدأ العمليات بمعالجة حالة الكتيبة المجاورة فوزعت عليهم بعض الأسلحة الإحتياطية فى كتيبتى – لحين وصول أسلحتهم – وكلفت جنودى بتدريبهم ، وإعطائهم بعض الملابس العسكرية وزمزميات المياه ، ولكن الوقت كان متأخرا ، وبعض الإمكانيات كانت غير متاحة .فلم يكن عند هذه الكتيبة الإحتياطى من الإمدادات الكافية ، حيث أنتزع هؤلاء من وظائفهم ، وبيوتهم ، بطريقة مفاجئة وعشوائية ، وكانوا فى حالة نفسية سيئة للغاية . الإنسحاب العشوائى فى منتصف ليلة 7-8 يونية وصلنى أمر قيادة بالإنسحاب الى غرب القناة .. ولم يتضمن أمر القيادة سوى ذلك . أصدرت أوامرى بالإنسحاب على المحور الأوسط للإسماعيلية ، فى الأرض المفتوحة ، والحقيقة ورغم الظروف المحيطة السيئة أننا كنا نحاول فى " القسيمة " أن نفعل شيئا يحفظ علينا ماء وجوهنا .. ولكن الوقت كان قد فات .. هناك بعض العمليات الفردية للتصدى للعدو ، وهناك بعض البطولات التى قامت بها بعض القوات . ولكن فى ظل المناخ الردئ ضاعت المحاولات ، فانسحبنا الى غرب القناة يوم 9 يونيو ، تحت الغارات الجوية الإسرائيلية المكثفة ، وتحت نيران مدفعية العدو ، ولكننى حاولت ونجحت فى أن أحمى قواتى فلم أتكبد خسائر تذكر فى كتيبتى والحمد لله . قطع الشطرنج كانت الفكرة أن نوصل للعدو " مضمونا " أن قواتنا كبيرة ، تستطيع أن " تردعه " أو بالتعبير العـادى " تخيفه " .. وكانت الخطة ( هجومية ) ، ثم إنقلبت ( دفاعية ) . ومسالة أن تتغير الخطة ليست بالأمر السهل ؛ فهى تؤدى الى قلب كل الخطط الأخرى ، وتغيير كثير من الإجراءات العسكرية ، التى تحتاج الى قوات مدربة تدريبا عاليا .. لذلك كانت القوات تتحرك فى سيناء مثل قطع الشطرنج : تنقل من مكان لمكان ويحركونها بسرعة .. كل الوحدات كانت تتحرك فى وقت واحد .. لم يوجد وضع الثبات ، وكانت الحركة تتم فى أماكـن مختلفة ، لدرجة أن قدما واحدة لم تكن لتستقر على الأرض . وكانت هذه هى الفرصة السانحة للعدو لكى يقوم بضربته .. لقد ظلم المقاتل المصرى فى حرب 67 ظلما كبيرا وسوف أسوق هنا بعض الوقائع ؛ التى توضح سمات هذا المقاتل وأصالته . فى طريق المليز .. كانت ترتكز إحدى الكتائب .. ولم تصل الى قائدها أوامر إنسحاب ، واستمر هذا القائد الشهيد العقيد كمال رؤوف يقاتل مدرعات العدو .. وكانت لواءات مدرعة .. لمدة أربعة أيام ولم بمكنها من إختراق موقعه .. إلى أن إتخذ العدو خطة اخرى وهى ضرب الكتيبة من الجو .. فظهرت أسراب الطائرات ، لتقوم بنسف الموقع كاملا . . ولو لم يحدث ذلك لما استطاع العدو إكتساح هذا الموقع .. ويعرف الإسرائيليون هذا جيدا .. وكتبوا عن هذا القائد .. إنه العقيد كمال رؤوف قائد إحدى كتائب المشاة .. وهو أحد أبطال حرب 1967 وإذا لم نكن قد إعتدنا على سماع كلمة البطولة فى هذه الحرب : فلنعتد على ذلك الآن . ثم .. هل يعرف أحد : أن أحد القادة قام بالسباحة فى البحر المتوسط من رفح حتى العريش على فترات متقطعة ؛ حتى لا يتعرض للأسر بعد إنسحاب كتيبته .. وفى العريش قام بركوب جمل ، وصل به الى غرب القناة .. وهو العقيد محمد نبيه السيد ، الذى كان قائدا للمنطقة الشمالية فى فتـرة من الفترات .. وأذكر أيضا أحد القادة الشهداء : الذى حمل ذخيرة وحدته فى عربات قطار، وقام مع أفراد قوته بدفع العربات بسواعدهم ، وظلوا يدفعونها أمامهم ( بلا قاطرة) لكى يصلوا بها الى مواقع الكتائب التى كانت فى حاجة إليها : إنه العقيد سعد درويش الشامى .. وهو ضابط شئون إدارية ، قام بأعمال خطيرة فى معركة رفح .. وفى نفس المعركة التى قادها اللواء جعفر العبد نحتاج الى مؤلفات ، حيث قامت القوات المصرية فيها بأعمال قتالية تدرس الآن فى المعاهد العسكرية . وسوف أسرد بعض الوقائع التى شهدتها إحدى السـرايا المشـاة التى كانت ضمن الكتيبة 12 مشاة قيادتى .. أثناء الإنسحاب أمرت أحد الضباط ، وهو النقيب أحمد الزهيرى - لواء متقاعد الآن - وكان فى النسق الثانى للكتيبة ؛ أن يفرغ كل حمولة سيارات نقل الكتيبة والذخيرة والإمدادات ، ويستقبل أفراد سرايا المشاة لتركب العربات مكانها ، مع توزيع ما تيسر من الإمدادات على الجنود ، وينتظرنى حتى أصل اليه .. وفعل ذلك بكفاءة منقطعة النظير بعد أن وصلت اليه السرايا الأمامية ، واستطاع حماية القوات المنسحبة .. وكنا معا آخر من إنسحب .. لدرجة أن كتيبتنا قد عادت كاملة ، فلم يفقد من 900 مقاتل إلا 17 فردا رغم السيادة الجوية للعدو . وكانت آخر كتيبة تنسحب من سيناء فى حرب 1967 بفضل الله .. ثم بسالة أحمد الزهيرى . إن هذه الأمثلة القليلة توضح معدن المقاتل المصرى الذى ظلم فى كثير من الأمور التى سيذكرها التاريخ يوما ما .. إن الذين كانوا يخططون لحرب 67 كانوا بعيدين عن الذين ينفذون : فالقيادة كانت فى واد .. والقيادات الفرعية فى واد آخر .. كانت الأوامر تصدر إلينا ، وما علينا إلا التنفيذ ، بغض النظر عن الإعتبارات الميدانية التى تواجهنا .. كانت هناك خطط ولكنها لم تخرج الى حيز التنفيذ .. وسأعطى نموذجا للدلالة على ذلك .. فى يناير 67 ذهبت مع مجموعة من ضباط اللواء الرابع الى منطقة شرم الشيخ ، ورأس نصرانى ، ونفذنا عملية إستطلاع شاملة للمنطقة .. وبعد المهمة الإستطلاعية وضعنا خطة كاملة للدفاع عن شرم الشيخ ، وعرضت على المسئولين وصدق عليها .. وبالرغم من تصديق القيادة عليها فوجئنا بعد إغلاق مضايق تيران ، وبدء الحشد فى المنطقة بإرسال وحدات خاصة أخرى جديدة الى المنطقة ليس لديها معرفة بها ، وبلا خطة مدروسة ، وكان من المفروض أن نذهب بوحداتنا الى هذه المنطقة التى وضعنا – بعد دراسة جادة – خطة الدفاع عنها . وهكذا نجد فروقا شاسعة كانت بين حربى يونيو 67 وأكتوبر 73 .. لقد كان تخطيط حرب أكتوبر عمليا مائة فى المائة .. لقد تم تنظيم التعاون والربط والتنسيق ، بحيث أصبحت هناك خطة قابلة للتنفيذ إشتركت فيها القاعدة وليست القيادة فقط .. إستدعت القيادة قادة الفرق وطلبت منهم الحوار مع كل المستويات حتى قادة الفصائل ، بحيث يتم وضع الخطة حسب الإمكانيات المتاحة ، مع توجيه أسئلة محددة للجميع ، فيتم سؤال الفصيلة مثلا عن إمكانياتها لتنفيذ الخطة بأى عمق ؟ وأى مواجهة ؟ وفى أى وقت ؟ .. وهكذا تصاعدت الدراسة من الفصيلة إلى السرية إلى الكتيبة إلى اللواء فالفرقة فالجيش وهكذا .. ثم تم ربط الخطط بعضها ببعض لتصبح خطة إسترتيجية تعبوية على مستوى القوات المسلحة مع التنسيق مع كافة الأسلحة الأخرى . فى حرب 1967 لم يكن هناك تدريب حتى على مستوى السرية ، أما فى 1973 فقد وصل التدريب الى مستوى الجيش والقيادة العامة .. كان الجيش كله يقوم بمناورة .. لهذا وصلنا الى قمة التدريب ، وقمة التفاعل بين قوات ضخمة . فى 1967 كانت المشكلة أننا لم نتدرب على مستوى السرية .. ومطلوب أن نحارب على مستوى اللواءات . لقد كانت حرب 1973 تبدو وكأنها إمتداد لإحدى المناورات الضخمة التى كانت تتم فى هذا الوقت ، وهنا أذكر أن أحد المقاتلين تساءل أثناء الحرب .. متى تنتهى المناورة ؟ ظنا منه أنها مناورة وليست معركة ، وإن دل ذلك على شئ فإنما يدل على وصول القوات لأعلى مستويات التدريب القتالى الذى لا يفرق بين التدريب والقتال الفعلى . قيادات مختلفة وعلى صعيد القيادات - أيضا - فقد كانت مختلفة : فقيادات 1967 - مع الأسف - كان كل ما يهمها هو الإستعراض ، ولم تكن قيادات حرب . . أما قيادات 1973فقد كانت قيادات حرب فعلا . . كل همهم كان المعركة وليس خارجها . قبل ذلك كانت هناك هموم أخرى تسيطر على هذه القيادات : هموم سياسية خارج المعركة سيطرت فى 1967 ، أما فى حرب أكتوبر ؛ فقد كان هناك إلتزام كامل بالخط العسكرى دون أى حياد عنه . لقد كان مسرح العمليات فى 1967 غير مجهز بينما كان فى 1973مجهز بطريقة كاملة . وكانت العملية فى 1973 كبيرة . . الرديف يخرجون ويعودون ، وفتح باب الحج للقوات المسلحة ، والرثيس السادات أعلن أنه لن تحدث أية حروب ، بعكس ما كان يحدث قبل ذلك عندما ارتفعت الأصوات : (حنحارب . . حنحارب) . . . وكأننا ننصح العدو بالإستعداد لقتالنا . فى 1973 كنا - كما بدا للعدو . . فى أجازة ، ونذهب للحج . . وهذه كانت قمة الخداع ثم المفاجأة. | | ||
| مصرى جديد |
عبقرية القرار وفى حرب رمضان تجلت عبقرية القرار: لقد كان حاسما لا تردد ، ولا رجعة فيه ، وأختير التوقيت بطريقة لا يمكن أختيارها إلا على أساس علمى كامل ، من المد والجزر ، وتأثيرات القمر والشمس ، وإرتفاع المياه في الترع ، والأهوسة . درست كل صغيرة وكبيرة بدقة من أسوان حتى الجبهة . شىء آخر هام : كيف عبرت الطائرات خط الجبهة فى لحظة واحدة ؟ بينما اقلعت من مطارات منتشرة على مستوى الجمهورية ، وفى مناطق متباعدة ؟ وفى نفس الوقت : تصبح على خط واحد فوق قناة السويس ! ! إنها عملية حسابية دقيقة ، وصلت إلى الجزء من الثانية ، قادها وخطط لها اللواء طيار (حسنى مبارك) قائد القوات الجوية . كيف تجمعت ضربة موحدة ؟ . وعبرت الطائرات فى ثانية واحدة ؟ هذا هو إعجاز الضربة الجوية : الحقيقة أن وجود الطائرات المصرية فوق رؤوسنا على خط الجبهة فى توقيت واحد . . قد أشعرنا بالزهو والقوة ، والثقة .. وضاعف لدينا الأمل فى النصر أما إذا قارنا ذلك بما حدث فى 1967 - فالمسألة مختلفة . الخطة جرانيت ان البعض يقول : إن خطة جرانيت وضعت بعد حرب 67، وهى نفس الخطة التى دخلنا بها حرب أكتوبر 73، ونفذناها . وأنا أقول : نعم . لقد كانت هذه الخطة قائمة بالفعل ، ولكنها : تطورت ، وتبلورت .. المهم ! هو الخطة النهائية . لقد تغيرت هذه الخطة بشكل شبه كامل . . وتغيرت فيها نقاط كثيرة : لقد اشترك فى التخطيط لحرب أكتوبر قادة الفصائل الذين يقومون بالتنفيذ المباشر .. وبدأت عملية التجميع المشترك بين الفصائل فى إطار السرايا ، ثم الكتائب ، وهكذا . . وبدأت الأفكار تتبلور ؛ حتى أصبحت الخطة تنبثق من القاعدة المنفذة للمخطط الأعلى . . فمن ينفذ : أشترك فى الخطة . . ولن يستطيع التحفظ على أى شئ . والأهم : أن المنفذ إشترك فيها بعمله وبوجدانه ! فقناعته جذرية حيث يقوم بعمل إشترك فى تخطيطه . بعد ذلك بدأ التنسيق المتكامل : بين قوات المشاة والقوات الجوية ، والدفاع الجوى مع المدفعية والمدرعات وغيرها . . فأصبحت لأول مرة فى تاريخ حروب مصر تحدث معركة بالأسلحة المشتركة . . هذا هو الفارق .. ففى هذه المعركة .. يعلم كل شخص فيها واجبه فى إطار من التعاون الكامل الذى لم يكن قائما قبل ذلك. وهذه العملية التنظيمية تقدم تصورا للمعركة وما يحدث فيها ، وكافة الإحتمالات المتوقعة ، وكيفية مواجهتها . . كانت المسألة تشبه درسا كبيرا كاملا لكل ما سيواجهه الإنسان ؛ حتى لا يفاجأ بأى إحتمال لا يتوقعه ، وحتى لو حدث إحتمال من هذا النوع ؛ سوف يستطيع مواجهته من خلال خبرته السابقة ، أو من التعامل مع موقف مماثل . فى حرب 1967 لم يكن هناك أى تخطيط بالمرة . . حالة لا تخطيط . مجرد أوامر متتالية . . وكل مجموعة تعمل بمفردها .. فى حين أن المهم : أن تعمل الأسلحة مشتركة . . وليس كل سلاح منفردأ فالقتال الحديث هو قتال الأسلحة المشتركة . دروس مستفادة إن الدرس الذى تعلمناه فى حرب الخامس من يونيه قد كان له الكثير من الآثار الإيجابية فى التخطيط لحرب أكتوبر. لقد درسنا السلبيات جميعها . . كانت - هناك - ولا شك دروس (تكتيكية) وأخرى (تعبوية واستراتيجية) . ثم هناك التعرف على الفكر العسكرى الإسرائيلى . وأستطيع أن أقرر أن نتائج الحروب - فى معظم الأحيان - فى (الاستراتيجيات) العسكرية للدول المحاربة غالبا ما تستبعد الدولة المنتصرة مبدأ - أو أكثر- من مبادئها (الاستراتيجية) لعدم حاجتها إليه - مؤقتا - بعد إنتصارها . وقد يكون إستبعادها - أو تقليلها - من أهمية هذا المبدأ من أهم العوامل المساعدة لإنتصار الجانب المنهزم عند تجدد القتال مرة أخرى : إن الواقع : يؤكد أن إسرائيل - ومنذ قيامها - قد وضعت مبادىء إستراتيجية ؛ تمسكت بها ؛ وعملت من جانبها على الحفاظ عليها ، ولقد دفعها ذلك إلى وضع قواتها في حالة تأهب دائم ، إلى جانب العمل على تنشيط جهاز إستخباراتها ، وأجهزة الإنذار لديها ، كذلك بناء المستوطنات الدفاعية على حدودها ؛ لعرقلة تقدم القوات العربية ، حتى تتمكن قوات الإحتياط الإسرائيلية من التعبئة . ولم تكتف إسرائيل بذلك ؛ بل سعت إلى تفوقها النوعى ؛ تجنبا لكثرة العرب العددية إلى جانب مواصلة تدريباتها لمختلف قواتها ؛ حتى تتمكن فى النهاية من توجيه ضربة وقائية أولى ضد أى إستعداد عربى للحرب تشعر به . وكان من الجوانب الهامة فى العقيدة العسكرية الإسرائيلية : الحرص على نقل الحرب مع العرب إلى داخل الأراضى العربية ؛ وذلك لضمان بعدها عن الحدود والمراكز السكانية ، والإقتصادية الإسرائيلية . ولقد أوضح ذلك - (حاييم لاسكوف) • قائد المنطقة الجنوبية فى حرب 1956- فى إحدى مقالاته التى كتبها سنة 1968حيث قال : إننا لا نستطيع بناء خطة دفاعية تعتمد على القتال فوق أراضينا . . . وهذا يعنى نقل الحرب إلى أرض العدو ، وإذا كان هذا الإستنتاج صحيحا : يجب أن تتغير جميع إتجاهاتنا فى المستقبل بالنسبة إلى تخطيط هيكلية الجيش وتدريب الجنود ، إن شرط قدرتنا على ضرب العدو فوق أراضيه هو : إستخدامنا لتقنيات تعتمد على الحركة السريعة ، وإذا ما هوجمنا يجب علينا أن ندافع عن أنفسنا فى مكان الهجوم ، ولكن علينا أن نهاجم فى النقطة التي نجدها أكثر ملاءمة لذلك . من ناحية أخرى ركزت إسرائيل على مبدأ ضرورة خوض معارك قصيرة ، وذلك لإعتبارات : سياسية ، واقتصادية ، وعسكرية ، فقد كان تقدير إسرائيل دائما أن الدول الكبرى، ومجلس الأمن الدولى ؛ لن تسمح بإستمرار حروب طويلة . لذلك يجب - من وجهة النظر الإسرائيلية - : تحقيق قدر من الأهداف الرئيسية للحرب خلال وقت قصير قدر الإمكان . هذا إلى جانب أن الجيش الإسرائيلى يتألف معظمه من جنود إحتياطيين ، تتم تعبئتهم وقت الحرب ، بينما يشكلون وقت السلم نسبة مهمة من الأيدى العاملة ، الشابة في مختلف المرافق الإقتصادية الإسرائيلية . لذا كان حرص إسرائيل على إنهاء حربها فى أقصر وقت ممكن ، حتى لا يصاب اقتصادها بأضـرار كبيرة .. كما أن قصر الحرب يعد عاملا هاما ، يقلل من نسبة الخسائر البشرية فى صفوف القوات الإسرائيلية . وعندما وقعت حرب 1967، وتغير الحال - حيث الواقع الجديد وسيطرة إسرائيل على مساحات شاسعة على طول حدودها مع مصر وسوريا والأردن وبالتالى أصبح لها عمق إستراتيجى كانت تفتقر إليه فى الماضى ، كما بعدت خطوط المواجهة عن المناطق السكانية والإقتصادية الحيوية - أدى هذا بدوره إلى تقليل أهمية مبدأ توجيه الضربة الأولى ، وبالتالى إلى عدم التيقظ لأهمية عنصر المفاجأة . وبالطبع : أدى عدم الإكتراث بهذين المبدأين : - بفعل الإنتصار الإسرائيلى - إلى جانب ما توفر لدى الجانب المصرى من عوامل إيجابية ، بناء على المستوى العسكرى العالى - لم تكن في الحسبان - الى خلق حقائق جديدة انتهت بذلك إلى الإنتصار الساحق للقوات المسلحة المصرية فى حرب 1973 . الأمر الذى دفع إسرائيل إلى مراجعة حساباتها ، وكان من أبرزها : إدخال تغييرات جديدة على العقيدة العسكرية الإسرائيلية كان من أهمها : الضربة الأولى: بعد حرب أكتوبر 1973: عاد مبدأ الضربة الأولى ، أو شن الحرب الوقائية ليصبح المبدأ الأساسى ؛ بعد أن نبه المسئولون العسكريون الإسرائيليون بأهمية الأخذ به . و إن كانت هناك بعض الآراء ترى غير ذلك . لقد كانت القوة الرادعة تشكل أحد المبادئ الهامة فى العقيدة العسكرية الإسرائيلية قبل حرب أكتوبر سنة 1973 ، وكان رئيس الأركان الإسرائيلى ( دافيد اليعازر) الذى شغل منصبه هذا من سنة 1972 إلى سنة 1974 من المشجعين على أهمية الأخذ بهذا المبدأ قائلا : " إن الهدف الأول للجيش الإسرائيلى : هو الحفاظ على قدرته الرادعة ، فإذا لم نستطع منع الحرب : نكون قادرين على تحقيق نصر سريع حاسم ، كما كان الحال فى السابق " . . وكان (عيزرا فايتسمان) وزير الدفاع الإسرائيلى السابق يؤيد وجهة نظر ( دافيد اليعازر) حينما قـال : " ينبغى لأية دولة لا تسعى الى الحرب أن تؤمن لنفسها أقصى درجة من الردع ، أى أن تمنع من البداية نشأة ظروف تجبرها على شن حرب فعلية ، كى تحقق أهدافها السياسية ، أو لتمنع العدو من أن يجبرها على الخضوع لإرادته . ويمكن إحراز ذلك من خلال إقناع العدو بأن كل جهد عسكرى من جانبه محكوم عليه بالفشل سلفا ". ولكن عقب حرب أكتوبر: تعرض مبدأ القوة لانتقادات شديدة فى الأوساط الإسرائيلية . ملحمة العبور يا لها من أيام صعبة . . مريرة قاسية . . تلك الأيام التي أعقبت إنقشاع غبار حرب يونيو 67. . ها هم قادة إسرائيل وصقورها . . مالت بهم الرؤوس من نشوة الإنتصار الساحق على الجبهات العربية الثلاث ! ! ها هى حملاتهم الإعلامية ؛ المشبعة بالغرور والغطرسة : لقد انتهت الحرب . . . ليست حرب الأيام الستة وحدها . . . بل إنتـهت كل الحروب وحسم الصراع العربى الإسرائيلى إلى الأبـد لصالح المنتصرين . وهذا هو (موشى ديان) .. نجم هذه الحرب . . يزهو بأنه قد حسم المعركة فى ستة أيام فقط . !! لقد دفعه صلفه وغروره : أن يعلن فى التلفزيون والإذاعة الإسرائيلية عن رقم تليفونه ؛ الذى سيحتاجه حتما الزعماء العرب ، فهو ينتظرهم ليتحدثوا اليه .. قريبا جدا .. ليعلنوا له إستسلامهم وإعترافهم بإسرائيل الكبرى .. ها هى الأفراح والنشوة تملأ كيان كل إسرائيلى . . عبارات الإنتصار والصلف تتردد فى أرجاء الشارع الإسرائيلى .. وأما على الجانب الآخر: فقد بلغت القلوب الحناجر ، والمرارة سدت الحلوق ، واليأس يخيم على مشاعر الشارع العربى فى سائر أقطاره .. وعلى الرغم من أن الوقائع الرسمية لحرب أكتوبر حدثت يوم 6أكتوبر 1973 : لكن الحقيقة تؤكد أن هذه الحرب بدأت بعد هزيمة يونيو مباشرة . كانت هناك ثلاث مراحل : مرحلة الصمود . . ومرحلة الردع . . ومرحلة الإستنزاف . . وقد حققت هذه المراحل الثلاث إستنزاف قوة الجيش الإسرائيلى ، وعدم إتاحة الفرصة لأفراده من العيش بأمان على الأرض التي احتلت . . كما كانت تدريبأ واقعيا وميدانيا على القتال . لقد كانت هذه المراحل الثلاث : بمثابة " بروفة " للمعركة الكبرى . . لقد إعتقد قادة إسرائيل ، أن حرب يونيو 67 قد أنهت جميع الحروب بينهم وبين العرب .. أما على الجانب الآخر.. فقد كان الجميع مؤمنين بأنها مجرد كبوة فارس ، فقد كانت البداية بعد حرب يونيو مباشرة ، وحتى أغسطس 1968 كانت مرحلة الصمود . . وكانت معارك (رأس العش) هى بداية مرحلة جديدة . فى هذه المرحلة شهدت جبهة القتال أحداثا لها دلالتها . . ففى 14يوليو 67 .. إنطلقت البقية الباقية من طائرات القوات الجوية المصرية تقصف قوات العدو المدرعة في عمق سيناء . . ودارت معارك جوية ضارية ، أذهلت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ، وسجلت وكالات الأنباء العالمية ذعر وهلع الجنود ، والقادة الإسرائيليين . وفى يوم 21 أكتوبر 1967 تسجل البحرية المصرية حدثا فريدا بإغراقها للمدمرة ( إيلات ) .. وتتوالى الأيام ، وتبدأ مرحلة الردع فى سبتمبر 1968 الى مارس 1969. وتبدأ الدوريات المصرية فى العبور ، والقيام بأعمال متعددة تدمر فيها للعدو بعضا من قطعه ، وتأسر عددا من أفراده . . وفى مارس 1969 تبدأ مرحلة الإستنزاف . . حيث تقوم المدفعية المصرية على طول المواجهة بقصف العدو ، وتحطيم أكثر من 80 % من تحصينات وقلاع خط بارليف - ويومها - إستشهد الفريق أول (عبدالمنعم رياض) رئيس أركان حرب القوات المسلحة .. وبعدها تتابع القوات المصرية مخططها لإستنزاف العدو ، فكانت عمليات العبور والإغارة على العدو شرق القناة ليلا ونهارا ؛ تدمر معداته ، وتقتل وتأسـر أفراده . وأصبحت عمليات العبور" ليلا " أملا يراود كل ضابط وجندى ؛ بل أصبحت هذه المهام وساما يعلق على صدور الرجال . ثم تبدأ القوات المسلحة المصرية مرحلة جديدة . . وأحداثا هامة ؛ لها دلالتها وسط ظروف معقدة ومتشابكة ، وفى فترات تباينت فيها الأحداث بين حالة " اللا حرب واللا سلم " ، و(الإستنزاف) ، و(الحرب شبه المنظمة) ، و (الردع المضاد) . لقد شهدت سنوات الصمود ساعات وأياما صعبة على الجميع : قادة ، ومقاتلين ، كما شهدت عملا متواصلا وعلى كافة المجالات . . فى أواخر عام 1972 كانت مصر قد إستنفدت كل الوسائل الدبلوماسية لتحريك القضية : فقبلت كل قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن . . وقبلت أيضا كل المبادرات الدولية ، وأيدت مساعى الدول غير المنحازة ، والدول الأفريقية . . ثم قبلت مبادرتى (روجرز الأولى والثانية ) ومبادرة (يارنج) .. لكن إسرائيل كانت لا تزال واقفة عند تعنتها وإستمرارها فى إحتلال الأراضى العربية . كان قرار القيادة السياسية : أن مصر لن تخرج من حالة " اللا حرب واللا سلم " إلا بالقوة المسلحة ، وكان الإختيار: هو القيام بجهد عسكرى يفوق حرب الإستنزاف التى إستنفدت أغراضها . وقد سبق هذا التخطيط - ومنذ اللحظة الأولى لإنتهاء حرب يونيو 67 - جهد خارق ، قامت به القوات المسلحة ؛ تمثل فى إعادة تنظيم القوات المسلحة التى تحطمت فى هذه الحرب الخاطفة ، ثم العمل الشاق والدؤوب لبناء القوة الدفاعية على طول قناة السويس ، بل وداخل العمق المصرى .. ثم هذه المرحلة الهامة : وهى الإعداد لمعركة تحرير الأرض وما تبعه من تدريب شاق على المعدات الحديثة ، إضافة إلى : دراسة كل التفاصيل التى أحاول إستدعاءها من ذاكرة تنبض بالأحداث التى لا يمكن أن تمحى من وجدانى ، وكذلك من أوراق ظللت أحتفظ بها طويلا حتى جاء وقت الإفراج عن بعضها ، وصور لا تزال ماثلة فى خيالى ، تكاد تنطق ويعلو صوتها . يالهـا مـن أيـام !! لم تكن قناة السويس وخط بارليف مجرد مانع حصين - فحسب - فى مواجهة القوات المسلحة المصرية ، لكنها كانت مانعا فريدا ليس له مثيل فى العالم بأسره ، بل إن التاريخ العسكرى لم يشهد مانعا - عبرته قوات - مثله . وهنا أذكر: أن الجنرال (دافيد اليعازر) رئيس أركان الجيش الإسرائيلى قد قال قبل حرب أكتوبر بعدة أشهر: " إن (خط بارليف) سيكون مقبرة للجيش المصرى ". لكن إرادة الله قبل كل شئ ، ومن بعدها التخطيط الجيد ، والتدريب الشاق ، والروح المعنوية لدى المقاتل المصرى وإصراره على أن يعيد للعسكرية المصرية إعتبارها : كان وراء إقتحام هذا الخط ، وتحويل دفاعاته الأسطورية إلى مقبرة (لإليعازر) الذى تم عزله بعد الحرب من منصبه . بل إن رئيس أركان الجيش الإسرائيلى قد صرح بعد حرب أكتوبر قائلا : " لقد كانت أكبر مفاجآت هذه الجولة : هى روح المقاتل المصرى العالية ، وكفاءته ". لقد حرصت القيادة المصرية على دراسة كل شئ ، وتهيئة الظروف للمقاتلين ، لإظهار كفاءتهم ، وقدراتهم القتالية الكامنة . فقد وضعت خطة العبور: بحيث يعبر المقاتلون القناة وسط سد من اللهب ؛ والنيران ليصلوا إلى الضفة الشرقية بسلاحهم وعتادهم ، ويتسلقون الساتر الترابى العالى ، ويقتحمون تحصينات وقلاع العدو ويقومون بتدميرها ، ثم يصدون ضربات العدو المدرعة ، وقصفات طيرانه ، ثم يرفع علم مصر خفاقا فوق قمم قلاع العدو الحصينة . كان على المقاتلين - أيضا - أن يتابعوا تقدمهم وفقا للخطة . كان كل ذلك وغيره من المجهود الحربى : يحتاج لمستويات رفيعة من الإعداد والتدريب . ولم يكن ذلك أمرا سهلا .. لم تكن عملية فتح الممرات فى الساتر الترابى على الضفة الشرقية ؛ لإقامة الكبارى لعبور الدبابات والأسلحة الثقيلة : بالأمر اليسير . . وكانت فكرة مدافع المياه التى ابتكرها الشهيد اللواء مهندس (جلال سرى) أحد أبناء القوات المسلحة المصرية ، والتى تم تجربتها عشرات المرات على نماذج متشابهة .. وقد إستطاعت مدافع المياه هذه أن تفتح 85 ممرا فى الساتر الترابى خلال ه ساعات .. ثم كانت أعمال المدفعية وأسلحة الرمى الأخرى : بالغة العنف والدقة ، لتنفيذ أقوى تمهيد نيرانى شهدته الحروب الحديثة . . لقد كان كل شىء معدا إعدادا دقيقا . إننى أستطيع القول- وبمنتهى الثقة - أن حرب أكتوبر : هي الحرب الوحيدة ، الحقيقية ، التى خاضتها القوات المسلحة المصرية . بكل الأبعاد والمقاييس العسكرية . لقد كانت الخطة الموضوعة على أعلى المستويات الإستراتيجية .. والشئ الذى لا يعرفه الكثيرون : أن القيادة العامة كانت شديدة الإرتباط بالقيادات الميدانية .. ومن هنا فقد شارك الجميع فى وضع الخطة . . أى أن الخطة جاءت - ولأول مرة - من أسفل الى أعلى . . ثم إنتقلت من القيادة العليا الى القيادات التنفيذية الميدانية ، بعد أن تمت دراستها ، وتدقيقها وكان العمل : شاقا ومستمرا ، من أجل الإعداد لساعة الصفر (س) . . . لقد كانت : الجدية ، والإيمان : هما الطابع الذى يسود خلال مراحل الخطة المختلفة ، و عند خطوات التنفيذ أيضا .. لقد تزامن الإعداد العسكرى ، ووضع الخطة ، مع الإعداد : السياسى ، والمعنوى ، والنفسى ، والروحى ، والاجتماعى ، لكل المقاتلين . وكان الدافع كبيرا عند القادة والمقاتلين للأخذ بالثأر، وإعادة الإعتبار للعسكرية المصرية ؛ لذلك كان كلما طالت فترة الإنتظار ، والترقب للقرار، كان ذلك دافعا لمضاعفة الجهد والإستعداد .. كان تحدى أسطورة الجيش الإسرائيلى الذى لا يقهر: واحدا من أهم أهدافنا . كان وجود خط ( بارليف) أمامنا يمثل واحدا من أكثر التحديات التى قررنا أن نواجهها رغم كل الدعاية التي أحاط العدو بها نفسه .. من هنا : فقد أخذنا ندرب قواتنا على اقتحامه وتدمير نقطه القوية والحصينة التى أعلن فى مناسبات عديدة إستحالة إختراقها . | | ||
| مصرى جديد |
ظروف صعبة لن أنسى ما حييت هذه اللحظات الحرجة . . فلم تكن الفتحات الشاطئية فى الساتر الترابى قد فتحت أثناء عبور الفرقة 19مشاة . . وظلت القوات فى سيناء 26 ساعة بدون دبابات ومدفعية .. كائت معهم فقط : الأسلحة الخفيفة . . لقد كان مقررا : أن تقوم القيادة الأعلى (قوات مهندسى الجيش الثالث) بفتح الساتر ، وتجريف أجزاء منه خلال 6 ساعات ، ولكن ذلك لم يحدث ؛ لصلابة التربة فى هذه المنطقة ؛ المواجهة للفرقة وقد ظلت القوات ؛ بالرشاشات ، والأسلحة المضادة للدبابات ، ومساندة المدفعية من الخلف 26 ساعة : تواجه خلالها نيران القوات الإسرائيلية بصدورها .. لقد كان موقفا صعبا بالطبع .. ففى هذه المنطقة - بالذات - لم تستطع مدافع المياه التى يوجهها المهندسون تجاه الساتر الترابى أن تحدث الفتحات المطلوبة لصلادتها .. ومن ثم فقد تحولت المناطق حول أماكن الفتحات الشاطئية فى الساتر الترابى إلى مستنقع من الطين وبالتالى فقد أصبحت عملية الصعود صعبة للغاية . . وعند صعود مركز قيادتى للساتر.. كانت لحظات صعبة . . . لا يمكن أن تمحى من ذاكرتى . . حقيقة : حاولنا فى البداية . . ولم نستطع . . وفجأة قفزت إلى ذهنى فكرة ، سرعان ما أصدرت الأوامر بتنفيذها . . أمرت الضباط وصف الضباط والجنود بمركز قيادتى المتقدم : بأن يستلقوا بأجسامهم عل الساتر فى صف ، كسلم ، ليصعد زملاؤهم بالتناوب من أسفل ، الى أعلى . على ظهورهم ، حتى يصلوا إلى أعلى الساتر. . وبالفعل حدث هذا ، ولم يصب أحد بسبب لين الأرض تحتهم . . وبعد مضى ساعة كان الطين قد جف فوق ملابس المقاتلين وأصبحت إزالته سهلة . القتال ليلا والإستيلاء على مركز قيادة العدو: إن الفرقة 19 مشاة هى الفرقة الوحيدة التي قامت بهجوم ليلى . . وأود هنا ان أذكر: أن كل تدريبات العدو كانت تتركز على العمل الليلى ، والأعمال القتالية فى الليل . . كنا نرى ذلك بأعيننا قبل الحرب . . وقد كانت حساباتنا : أن عمليات العدو ستكون ليلية ، لكن المفاجأة : أن العدو لم يقم بعملية ليلية واحدة . . وقد قمنا نحن فى الفرقة 19 المشاة بذلك يوم 10 أكتوبرعند تنفيذ المهمة التالية للقتال ، وعلى محور ممر "متلا" أبلغ قائد اللواء : أنه وصل إلى الخط المحدد له ، فأبلغت القيادة بذلك . . لكننى أردت أن أقوم بعملية متابعة للتأكد بنفسى من الموقف : فتحركت أنا ومساعد قائد الفرقة العميد (على سعد إبراهيم) فى إتجاهين مختلفين ، للتأكد من وصول القوات لخط المهمة المحدد على الحد الأمامى ، وعندما وجدت أن قوات اللواء لم تقف على الحد المخطط لها . أصبحنا فى موقف حرج . كان لا بد من أن أخوض معركة بأسرع وقت ممكن لكى أصل إلى الخط المحدد حتى لا تحدث ثغرة يمكن أن ينفذ منها العدو ، ويقوم بهجوم مضاد . . قمنا بإعداد خطة للهجوم الليلى الصامت ، وبالفعل قمنا بالهجوم . . ووصلنا إلى خط المهمة . . بل تجاوزناه . المهم . . أننا أثناء تجاوزنا للخط قمنا بالإستيلاء على مركز قيادة العدو فى «متلا» . . لقد كانت معركة ناجحة تماما . . فلم يكن العدو يتصور أننا سنقوم بهجوم ليلى صامت ، ولم يكن يتوقع - أيضا - أن نصل إلى مركز قيادته. والحقيقة أن هذه المعركة لم تكن مقررة فى الخطة . . حيث تجاوزنا خط المهمة بحوالى 2 كيلومتر فى الأمام . وكانت مفاجأة .. سقوط أقوى النقاط الحصينة للعدو أود هنا أن أسجل أن الإستيلاء على النقاط القوية الحصينة للعدو لم يكن بالأمر اليسير .. لقد كان بعضها يستلزم قتالا شرسا . وأعمالا بطولية ، ومقاتلين من نوع خاص . النقطة 149 والشهيد : محمد زرد فعلى سبيل المثال النقطة 149 القوية بالشـط عند مدخل طريق متلا .. هذه النقطة شهدت قتالا بطوليا لمقاتلينا .. لقد حاول العدو أن يتمسك بها نظـرا لأهميتها (الإستراتيجية) ، وكانت هذه النقطة بالذات من أقـوى نقاط العـدو الحصينة ، وأخطـرها على (خط بارليف) .. لقد تم حصارها ومهاجمتها بكتيبتى مشاة ، وثالثة مدرعة ؛ لمدة تزيد عن 48 ساعة . لقد هاجمناها على فترات ، لكنها لم تسقط . . وهنا لا بد وأن أقول أن التاريخ لا بد وأن يقف طويلإ وهو يسجل باحترام شديد ما قام به المقاتل " محمد زرد " فى هذا اليوم التاريخى . . لقد تقدم " زرد " مطالبا بالتطوع لمهاجمة هذه النقطة الحصينة ، وبالفعل قام ومعه 8 مقاتلين فقط تنفيذ تلك المهمة الصعبة.. وقامت هذه المجموعة بالتسلل خلال حقول الألغام ، والأسلاك الشائكة الكثيفة ، وعندما وصل إلى قمة النقطة تلقى " زرد " دفعة نيران مركزة ، أصابته إصابة بالغة فى بطنه أخرجت أحشاءه . لكن هذا البطل أبى إلا أن يكمل مهمته ، حمل أحشاءه بيديه واقتحم النقطة مع رجاله ! ! واستمر يقود المعركة وهو جريح ينزف حتى سقط الحصن ، وإستسلم من فيه . . . رحم الله الشهيد " زرد " فقد كان مقاتلا فذا ومثلا يحتذى به فى التضحية والفداء . تطوير الهجوم شرقا وبعد أن قمنا بالإستيلاء على النقط الحصينة بالشط وحوض الدرس .. وفى اليوم التاسع من أكتوبر، وبالتحديد فى السابعة والنصف صباحأ : بدأنا فى تطوير الهجوم شرقا ، وكان العدو قد بدأ في إستعادة توازنه بعد مفاجأة الضربة الأولى .. بدأ يتصدى لنا بمجموعة كبيرة من الدبابات ، ودارت معارك ضارية : بين دبابات الفرقة 19 المشاة ، ودبابات العدو المزودة بالصواريخ المضادة للدبابات .. وعلى الرغم من ضربات العدو بمختلف الأسلحة المضادة للدبابات ، وطائرات الهليكوبتر ، والمدفعية : إستطعنا تحقيق مهمة الفرقة وتطوير الهجوم شرقا . بل أستطيع أن أقول : اننا قد تجاوزنا المهمة المكلفة بها الفرقة فى الخطة ، وذلك بالإستيلاء على مراكز القيادة للعدو فى (عيون موسى) و(جبل المر) و(متلا) ومن المعروف عسكريأ : أن الإستيلاء على المناطق المرتفعة والهجوم عليها يعد من أخطر ما يواجه أى مقاتل ؛ حيث أنه يكون تحت مرمى نيران العدو ، لقد واجهنا هذا الموقف عندما طورنا هجومنا شرقا نحو سيناء ، وكان علينا أن ننفذ عملية الإستيلاء على منطقة (جبل المر - ومتلا – وعيون موسى) ، وهى منطقة تلال مرتفعة ، كان العدو يتمركز فيها ، ويقيم بها مراكز قيادته الحصينة . المقاتل : الفاتح وجبل المر وهنا لا بد من أن أذكر حقيقة ..لقد ضرب قائد اللواء الثاني الميكانيكى بالفرقة 19 المشاة العميد (محمد الفاتح كريم) أروع الأمثلة ، لما يجب أن تكون عليه مسئولية القائد ، وذلك عندما توقفت قواته تحت وابل من نيران المدافع المضادة للدبابات ، المحمولة على طائرات (الهليكويتر) للعدو.. فأسرع بقيادة فصيلة مشاة ، ومعه فصيلة أخرى بقيادة المقاتل (على الغليظ) حيث طوقا (جبل المر) وإحتلاه .. وبذلك سهل للواء بأكمله تحقيق المهمة . ليال لها تاريخ وأذكر أنه فى يوم 10 أكتوبر تم الإستيلاء - ليلا- وفى معركة قتالية صامتة - على مركز قيادة العدو الحصين ، وعلى محطة ضخ المياه الرئيسية لمحور «متلا» وكان يوما 9 ، 10 أكتوبر من أصعب أيام معارك الفرقة 19 المشاة ، وهى أيام مشهودة وخالدة فى سجل إنجازاتها العظيمة . كما أذكر أيضا أنه فى يوم 9 أكتوبر كان العدو قد بدأ يفيق من المفاجأة بعد أن كنا قد نفذنا كل المهام المحددة لنا من القيادة قبل موعدها المقرر ، وهنا بدأ العدو يوجه هجومه المضاد للدبابات ، ضد رأس كوبرى الجيش الثالث ، وأخذ يقوم بعمل ستائر كثيفة ؛ من الأسلحة المضادة للدبابات على جميع المحاور ؛ مستهدفا منع تقدم قواتنا . وعلى الرغم من قيامه بإغلاق كل المنافذ ، والطرق ، إلا أننا إستطعنا إختراق هذه الخطوط الحصينة وشهدت (عيون موسى) و(جبل المر) معارك رهيبة .. وسجل رجالنا : بطولات ، وجسارة لا يمكن تصورها . معركة جبل المر ولنأخذ معركة جبل المر - على سبيل المثال - بإعتباره النقطة الحاكمة ، التي تسيطر على رأس الجسر فى الجنوب ؛ ليس على الفرقة 19 فقط ، بل على الجيش الثالث بأسره .. عندما توقفت دباباتنا عن التقدم أمام حاجز نيران الأسلحة المضادة .. كان الحل الوحيد : هو الإستيلاء على قمة الجبل ، وكانت المفاجأة عندما تقدم قائد اللواء الميكانيكى ، وتسلق الجبل سيرا على الأقدام لمسافة كيلومتر ونصف مع وحدات صغيرة من قناصى الدبابات . وعندما سيطر على القمة : أوقع العدو فى مصيدة صواريخ «فهد» ، واضطر العدو للهروب بدباباته شرقا .. إن هذه المعركة لم يلق عليها الضوء الكافى ، لكن العدو ذكرها فى تحليلاته ليوم «الغفران» باعتبارها من المعارك الضارية ، التى خاضها في مواجهة قوات الفرقة 19 المشاة. معركة متلا وأتذكر هنا : معركة (متـلا) .. هذه المعركة التي تعد نموذجا للصمود والشجاعة ، ووساما للعسكرية المصرية فى التضحية والفداء .. فعندما حاول العدو القيام بهجوم مضاد وعنيف على هذا المحور: كانت المفاجأة ؛ التى لم يتوقعها : حينما تصدى أبطال المشاة المصريين للدبابات الإسرائيلية ، وأخذوا يقفزون فوقها بفدائية منقطعة النظير لينسفوها . . !! بينما إنسحبت بقية الدبابات الإسرائيلية مذعورة غير مصدقة لما تشاهده . . وعلى محور (عيون موسى) تم الاستيلاء على مركز القيادة المتقدم للعدو ، والإستيلاء عل موقع المدافع الستة الضخمة . . هذه المدافع الشهيرة التى كانت تقذف فى وحشية وشراسة (مدينة السويس) و (الزيتيات) . لقد كان رجالنا يتشبثون بالأرض ، وقاموا بتعزيز مواقعهم الجديدة التى كانوا يكتسبونها ببراعة فاثقة في عمليات ليلية صامتة . يوم 12 أكتوبر لعل يوم 12 أكتوبر هو يوم آخر من الأيام الخالدة لإنجازات الفرقة 19 .. فعندما فقد العدو مركز قيادته فى (متلا) على المحور الرئيسى : جن جنونه ، وأخذ يهاجم بشراسة ، وتتابعت موجات طيرانه تضرب بكثافة ، وأخذت مدفعيته عيار 175 مم و 155 مم تزمجر. ثم حاول الإقتحام بالمدرعات ؛ لكنه لم يحقق أى تقدم ، وتكسرت كل هجماته التى واصلها بمختلف أسلحته فى مواجهة شجاعة وجسارة المقاتلين المصريين ؛ الذين تسلقوا دباباته ودمروها وإستشهدوا فوقها . . وأمام هذه الفدائية فر العديد من قوات العدو ؛ بعد أن تكبد خسائر فادحة ، جعلته يكف عن إعادة المحاولة في هذا الإتجاه . خط بارليف : وقصة النابالم كانت الساعات الأولى من المعركة عصيبة ، بكل مافى الكلمة من معنى ..صحيح أن كل شى، قد تم التخطيط له ..لكن تظل نظرية الظروف الطارئة ، والمواقف غير المتوقعة فى قطاع الفرقة 19 .. كانت هناك بعض المشكلات فى العبور (بقوارب المطاط) ، ومشكلات أخرى فى فتح الفتحات الشاطئية ، وإقامة الكبارى وعبور الساتر . . لكننا إستطعنا - وبكل الوسائل - أن نصل بالفرقة إلى مواقعها المحددة . إن ملابسات هذه الساعات متعددة .. على الرغم من أن الكشف عنها فى سياق تقرره القوانين والظروف ، لكن الدرس الكبير الذى تعلمه المقاتلون .. والذى يجب أن يعرفه المواطنون .. أن العبور لم يكن سهلا .. لم يكن مجرد قوارب مطاطية تصل إلى الشاطئ الآخر ليتم رفع العلم فوقه ، وينتهى الأمر.. فإن العبور - وحده - كان معركة كاملة . . . معركة تستحق أن تسجل بمعالمها الدقيقة . لقد كان قرار العبور يستهدف ثلاث مهام استراتيجية :- أولها : إنهاء الجمود العسكرى بخرق وقف إطلاق النار . وثانيها : إنزال أفدح الخسائر الممكنة فى أفراد العدو ومعداته . وثالثها : العمل على تحرير الأرض المحتلة .. فى غضون ساعات قليلة من إنتهاء الضربة الجوية المركزة ، والتمهيد النيرانى ؛ لأكثر من ألفى مدفع . كانت فرق المشاة تتدفق فوق الكبارى التى تم تركيبها ، وقبل أن تمر 24 ساعة كانت الخمس فرق الكاملة مشاة ، ومدرعة مصرية تحتل مواقع بعمق خمسة كيلو مترات شرقى قناة السويس لتقطع نقاط الإرتكاز الحصينة فى (خط برليف) عن مؤخرتها . وكما تذكر تقارير هذه الأيام المجيدة : فإن العدو كان - وبعد 24ساعة فقط - فقد مائتى دبابة ، كان نصفها يرابط خلف نقاطه الأمامية الحصينة .. وتستمر الملحمة لتسجل العسكرية المصرية نصرا غاليا . ومع ذكريات هذه الأيام التى لهث لها التاريخ ، وهويسجل صفحاتها فى سجل الشرف .. تلك الايام الخالدة ، التى عاشها وشارك فى صنع إنتصاراتها العظيمة نخبة من خيرة أبناء مصر . . لابد وأن نقول : إن حرب أكتوبر1973 ، تعتبر - بحق - نقطة تحول هامة فى تاريخ المنطقة فى المجالين : العسكرى والإستراتيجى ، حيث إعتمدت هذه الحرب على إستراتيجية مصرية صميمة . لقد خاض المقاتل المصرى أول حرب (اليكترونية) فى التاريخ . إستطاع خلالها أن يعبر حاجز الهزيمة ويحطم أسطورة الجيش الذى لا يقهر . إن الحقيقة دائما لها مذاق خاص ، يستطيع أن يدركه كل إنسان سوى تجرد من الأطماع . من هنا أقول:إن الأعمال التى قام بها أبطال الفرقة 19 مشاة لابد وأن تسطر فى سجل تتم كتابته بقدسية . . تسجل فيه الحقائق - مجردة - كما حدثت بالضبط ، وتحفظ للتاريخ وللمستقبل .. وسأسرد لك - عزيزى القارىء - أروع اللحظات : لحظة العبور . | | ||
| مصرى جديد |
لحظات العبور لقد كان مشهدا تاريخيا رهيبـا : - لا يختلف كثيرا عن الآساطير- ، المشاة فى قواربهم المطاطية فى الخنادق المعدة لهذا الغرض من قبل ، المدرعات بأطقمها فى الحفر الكامنة وسط الأشـجار وخلف السـاتر .. والمعدات ، والبرمائيات ، ومعدات الكبارى بالمهندسين فى أماكنها المحددة على الشاطىء ، كانت عقارب الساعة تقترب من الثانية بعد الظهر . . فى الصباح عندما بلغت ساعة (س) إلى جميع المقاتلين وعرفوا لحظتها بقرار القائد الأعلى .. كانت الفرحة تقفز من وجوههم ، ولكن التعليمات كانت مشددة بضبط الأعصاب وحفظ التوازن ، لأن العدو يراقب باستمرار , وتحركاتنا لا تغيب عن أبراجه .. ومهما حاولت أن أصور المشهد التاريخى ، فلن أستطيع أن أصف ما حدث فى الساعة (الثانية وخمس دقائق من مساء يوم 6 أكتوبر) بالضبط حيث عبرت فوق رؤوسنا طائرات الضربة الجوية التى كانت بداية النصر العظيم .. وفتحت مئات المدافع أبواب جهنم مرة واحدة ، وغطت الصواريخ والقذائف والدخان سماء المنطقة ، وكان الدوى الهائل يسمع على طول قناة السويس وعمق سيناء . وفى الساعة الثانية وعشرين دقيقة بدأت موجات العبور الأولى تشق طريقها وسط النيران . . واستخدموا كل شئ : قوارب المطاط ، زوارق التجديف ، البرمائيات ، المعدات . . . فى مجموعات عبروا الشاطئ المقابل للقناة بجسارة . . وأخذت مجموعات المقدمة تتسلق الساتر فى ثوان بمهماتها ، وتمد سلالم الحبال لكى يؤمن المشاة . . كانوا فى هذه اللحظة كالمردة . . كأبطال الأساطير ، وكانت صيحاتهم تسبقهم ، ويلقى هديرها الرعب فى قلوب الإسرائيليين : الله أكبر . . الله أكبر .. وخلال 30 دقيقة كانت أعلام مصر ترتفع فوق (خط بارليف) دون إنتظار الإنتهاء من تمهيد المدفعية . قبل العبور: كانت قواتنا فى إنشغال تام بالتدريب فوق الأرض ، ولم تكن قابعة فى الخنادق ، وكانت التدريبات المستمرة والمتواصلة تتم تحت أنظار وأسماع العدو فوق الأرض ، وقد لعبت هذه الخاصية دورا كبيرا فى الخداع والتمويه على العدو يوم 6 أكتوبر، لأنه تصور أن التحركات التى تتم على الجبهة المصرية : جزء من التدريبات اليومية والمناورات التى كانت تتم بين يوم وآخر، ولم يجد فى التدريبات شيئا يثير الريبة : فلم يأخذ الحذر . وكان هذا التدريب الواقعى جانبا من الخطة التى نفذت بنجاح . . أما التدريب الواقعى على إقتحام (خط بارليف) وإختراق الساتر الترابى : فقد تم فى غرب مدينة السويس وأيضا فى منطقة (جبل عتاقة) حيث ميادين التدريب قريبة الشبه إلى أقصى حد من ميدان القتال الفعلى . وكانت التدريبات تشمل صعود الساتر الترابى الذى كان يتراوح أرتفاعه بين 24 ، 22 مترأ ، بينما يحمل الفرد أسلحة وذخائر وزنها 80 كيلوجرام ، وكان الجنود يتسابقون للصعود والتسلق . . حتى وصل الرقم القياسى إلى دقيقتين فقط فى صعود الساتر الترابى . وكنا نندهش من هذه الروح القتالية العالية ، وكانت الخطة الموضوعة : أن يتسلق الجنود الساتر الترابى على (سلالم من الحبال) .. لكن بعض المقاتلين أصروا على الصعود فوق الساتر بدون السلالم ونفذوها فى سرعة أكبر من المعدل. حرب الخنادق لقد وصلت عملية التخطيط للحرب إلى مستويات غاية فى الدقة والمهارة . . وعلى سبيل المثال : وصلت إلى قياس إرتفاعات المياه فى الترع الموصلة إلى ترعة الإسماعيلية . أما عن قناة السويس التى يتغير إتجاه التيار المائى فيها مرتين يوميا ؛ فقد كانت المسألة أعقد . . ففى نفس الوقت الذى توجد فيه تيارات مختلفة الإتجاه فى الوقت ذاته : - ترتفع المياه وتنخفض ، على شاطىء صخرى ؛ بسبب المد والجزر .. وحسابات أن يكون ضوء الشمس فى إتجاه وجه العدو بعد الساعة الثانية مساء . وقد خططنا أيضا للحركة فى جزء من النهار قبل حلول الليل ، لكى نستطيع تنفيذ مهمتنا الأولى فى الضوء بشكل أفضل ، وفى نفس الوقت حرمان العدو بالقيام بهجوم مضاد قبل حلول الظلام .. كان الجنود الذين إشتركوا فى 1973 مقاتلين مثقفين ، لأننا أستدعينا الاحتياطى - أيضا - وإشترك فيها الجامعيون ، بعكس ما حدث فى حرب 67 حيث كانت المسألة مختلفة ، لقد كانت حرب أكتوبر معركة حقيقية . كنا نريد أن تبدأ الحرب بأية طريقة ، لأن مرحلة حرب الخنادق كانت قد طالت ، وقد تؤثر على الإنسان وتجعله قلقا . · لقد إستمرت 6 سنوات والإنطلاق من الخنادق لمعركة أكبر كان يعنى بالنسبة لنا الخلاص أمام الشعب والأمة العربية ، فقد ظلمنا فى حرب 1967 . الطيران الذى لايقهر لقد كانت بعض الأفكار عن أسطورة الطيران الإسرائيلى الذى لا يقهر وغيرها من هذه الأفكار قائمة . لكن مارفع من معنوياتنا بدرجة عالية هذا العدد الهائل من الطائرات المصرية التى شاركت فى المعركة ، فلم نصدق أن هذا العدد من الطائرات موجود ومشارك . ويوجد سبب أساسى لذلك . . فنحن لم نكن قبل الحرب نرى الطائرات المصرية ، لأننا كنا نتمركز فى مواقع متقدمة وهناك خطوط لا تتجاوزها الطائرات المصرية ، طبقأ لشروط الهدنة ، وأصبحت فى غيبة عنا ، وكان هذا يؤثر فى الجنود كثيرا لأن الغطاء الجوى يمنح أمنا وثقة أثناء القتال . وعندما شاهدنا السماء مغطاه بالطائرات فى الطلعة الجوية الأولى وفى وقت واحد ، وعلى إرتفاعات منخفضة فوق رؤوسنا ، كانت معنويات الفرقة 19 مشاة قد وصلت لدرجة لا يتخيلها البشر، حتى أن الجنود والقادة لم ينتظروا إنتهاء تمهيد نيران المدفعية وقاموا ببدء العبور فى حماس شديد . مشاعر لحظة بدء العمليات هناك الكثير من الأحاسيس التى تستحق التسجيل فى لحظات ما قبل العبور.. إنها مشاعر لا يمكن ان تمحى من وجدانى . فعندما أصدرت الأوامر صباح يوم المعركة ، وقمت بتسليم القادة الأعلام التى سترفع على المواقع التى سيتم الإستيلاء عليها ، والأرض التى ستعود لأحضاننا . . كانت المعنويات عالية للغاية . لقد بكى الجميع وأنا أصدر أوامر العمليات . . لقد كنا جميعأ نريد التخلص من الإتهام الذى لصق بنا ظلما . . وأردنا أن نثبت وجودنا . . لقد أمسك القادة بالأعلام يقبلونها بفرحة وأمل . . كانت لحظة لا يمكن أن تمحى من الذاكرة . فى هذا اليوم جاءنى أحد ضباط الشرطة العسكرية ، وكان مسئولا عن مد وتعليم المحاور التى تسير عليها القوات ، وكنت قد أصدرت لهم أوامر بتوقيت الهجوم فى الساعة الثانية بعد الظهر، وقال لى : (لوسمحت يا فندم هل لى أن أذهب إلى بيتى لأقدم المرتب لزوجتى ؛ لأنه المورد الوحيد لهم) وكانت الدموع تملأ عينيه . كان هذا قبل موعد المعركة بعدة ساعات ، وقلت لنفسى إنه لو ذهب هذا الضابط وعرف أحد موعد الهجوم : زوجته أو أقاربه . . فالنتائج غير محسوبة ؛ لكن ثقتى التامة فى رجالى جعلتنى أتركه يذهب بسيارة الشرطة الجيب إلى بيته . فذهب وعاد قبل الموعد المقرر ، وقام أثناء العمليات بدور كبير بحيث مكن القوات من دخول المحاور بصورة دقيقة وسليمة نهارا وليلا ، وكانت حالته المعنوية مرتفعة لدرجة غير متصورة . . وسبب ذلك الموقف الذى عاملته به والثقة الغالية التى أوليته إياها . ساعة : س ( الصفر ) كان أساس تنفيذ الخطة : هو خداع العدو ، والتمويه حتى يشك فى التحركات ، ثم مفاجأته .. لذلك كانت العملية قائمة على آساس أنها مشروع تدريب يومى روتينى ، وليست معركة العبور المنتظرة ؛ حتى يكتمل الخداع والمفاجأة .. وقد إستطاعت القيادة السياسية والعسكرية أن تتكتم الأمر وتموه عليه ؛ حتى الساعات الأخيرة لبدء التنفيذ .. فتم التعامل مع خطة العمليات الحقيقية على أنها مشروع تعبوى للتدريب بالذخيرة الحية .. ونفس الشئ بالنسبة لإستعدادات الفرق والوحدات الأخرى . أما ساعة " س " فقد أبلغت بها قبل العبور ، وبالتحديد يوم 5 أكتوبر الساعة السابعة مساء .. لذلك قد وضعت ترتيبات تنفيذ الخطة على أنها مشروع إستراتيجى تعبوى ، وعندما إستدعتنى قيادة الجيش لإبلاغى بساعة " س " للمعركة الفعلية والحقيقية : بدأت فى تعديل توقيتات المشروع المنفذ ومطابقتها لخطة العمليات الحقيقية .. ولقد كتمت توقيت ساعة " س " فى نفسى ، ولم أبلغها الى قادة الوحدات إلا فى صباح يوم 6 أكتوبر. كنت أريد : أن أعطى المقاتلين ، والقادة أكبر قدر من الراحة والهدوء فى تلك الليلة بالتحديد . وكنت أريد : ألا تظهر أى بادرة - رغما عنهم - ويكتشف من خلالها العدو حقيقة التحركات الجارية ، ولم أبلغ أحدا من القيادات ساعة "س " إلا إثنين من ضباط قيادة الفرق ، حتى نطابق توقيت المشروع على توقيت الخطة . كنت أفكر فى الساعة التى انتظرتها 6 سنوات وأكثر ، من عام 1967 حتى عام 1973 .. وفى الساعة الثامنة من صباح 6 أكتوبر : إستدعيت قادة الألوية وأعطيتهم الساعة " س " التى حددت (الساعة الثانية بعد الظهر) . ولا يمكن أن يتصور أحد روعة المشهد لحظتها . . كانت الدموع تغرق أعيننا ، وعانق بعضنا البعض ، ووزعت عليهم أعلام مصر ، وأنا أقول لهم : بعد ساعات قليلة : ترتفع هذه الأعلام فوق الساتر على أرض سيناء ، وأريدكم أن تتسابقوا فى رفعها ؛ لأنها تعنى شرف مصر وكرامتها . موقع العمليات كانت الفرقة 19 مسئولة عن القطاع الجنوبى من قناة السويس . . وهو موقع هام وخطير . . فقد كان يمتد من شمال الشط إلى خليج السويس ، وهى منطقة كانت من أقوى مناطق (خط بارليف) وتقع فيه النقاط الحصينة 146 ، 148 ، 149 بالإضافة إلى نقطة الجباسات ، ولسان بورتوفيق ، وعيون موسى . وكانت كلها نقاطا قوية وحصينة ، أقامها العدو الإسرائيلى على مدى سنوات طويلة ، وكان المطلوب : أن نقضى عليها بأسرع ما يمكن ، حتى نسيطر على الموقف قبل وصول إمدادات المدرعات من الممرات . وكانت تدريبات الفرقة ، تركز على هذه المهمة بالذات ، ووضعت الخطة التى يمكن بها محاصرة هذه النقاط ، ثم تدميرها تماما .. لقد كانت عملية التمويه لتحريك القوات إلى ضفة القناة غاية فى الصعوبة ، ولكنها تمت فى غاية الدقة والسرية ، كان الإسرائيليون يراقبون تحركاتنا بإستمرار ، ولكننا إستخدمنا الساتر الترابى من ناحيتنا على الضفة الغربية فى الإخفاء والتمويه . وكانت التحركات لا تتم فى ليلة أو ليلتين ، ولكن يلزمها ليال قبل العملية ، كما أن تحريك القوات المختلفة لا يتم فى وقت واحد ، ولكن هناك نظاما معينا موضوعا لتحريك المشاة ، والمدفعية والدبابات إلى مواقعها المحددة فى توقيتات محددة . وكانت العملية تسير بشكل طبيعى للغاية . . هناك تحركات كثيرة ، ولكن العدو إعتبرها جزءا من التدريبات التى تعود ملاحظتها خلال الشهور الأخيرة السابقة لأكتوبر. وكانت تحركاتنا تلك لا تدعوا للقلق من وجهة نظر العدو ، وإنما المسألة كلها مجرد تدريب روتينى عادى . . وكان هذا التصور من جانب الإسرائيليين هو ما خططنا له . . وقد نجحنا فى تحقيقه بزيادة مشروعات التدريب .. وفى نفس الوقت الذى ضاعفنا فيه مشروعات التدريب ، وزعت القيادة نشرات على الوحدات المختلفة لتقييد الضباط الراغبين فى -العمرة والحج - وكانت هذه هى المرة الأولى التى يصرح فيها للضابط منذ 67 بالعمرة ، أو الحج . وتعمدنا إذاعة هذه النشرات حتى تصل إلى العدو .. كما صرحنا بأجازات مفتوحة للمقاتلين ، ومزيدا من الخداع : جرى تسريح جانب من الإحتياطى ، بينما إستدعينا سرا إحتياطيا آخر وكان أفراده يدخلون الجبهة فى الليل . . وهكذا إبتلع العدو الطعم ، وتم خداعه بصورة كاملة ومفاجأته . إكتشاف النابالم فى فترة التحضير للمعركة : وصلتنا معلومات عن أنابيب النابالم الممتدة إلى الشاطئ الشرقى من خلال فوهات فى الساتر الترابى ، وخرجت من الفرقة عدة دوريات للإستطلاع ، وخصوصا بعد تعلية الساتر الترابى لكى يخفوا ما وراءه . واستطاعت دورياتنا تحديد أماكن المصاطب المخصصة للدبابات ، وكذلك مناطق مخازن النابالم ، وإتجاه أنابيبها .. وقبل العبور كانت مجموعات الإستطلاع تتسلق السـاتر ، وتفصل هذه الأنابيب وتعطل الطلمبات ، وإغلاق الأنابيب أخذا بالحيطة والحـذر. لقد كان رجال الإستطلاع يتسابقون إلى المهام الإستطلاعية - برغم خطورتها - ويعودون جميعأ دون أن يشعر بهم العدو .. والأكثر من ذلك أنهم لم يكتفوا بالتبليغ ، وإنما إلتقطوا صورا لكل معالم الخط وراء الساتر ، وقد أفادتنا هذه الصور إلى حد كبير ، وغيرت بعض الخطط والتقديرات .. فقد كان تصورنا أنه مجرد "ساتر" عادى ، ولكن ظهر : أنه مصاطب للدبابات أيضأ ، ويمكنها الصعود إليها من أى إتجاه ، وتركب الشاطىء ، وتمنع العبور .. وعلى ضوء هذه الصور ، والمعلومات : وضعنا الخطة المضادة ، ووضعت نماذج للساتر ومصاطبه ، ودربنا مقاتلينا على وضع الألغام فى المصاطب ، وكيفية عمل مجموعات إقتناص الدبابات لقطع الطرق الموصلة إلى المصاطب وركوبها قبل دبابات العدو . ولكى ندرك مدى تجهيزات العدو الإسرائيلى الموضوعة لمنع أى عبور : يكفى أن نعرف أنهم وضعوا فى القطاع الجنوبى لفرقتنا 91مصطبة نيران مطلة على القناة من فوق الساتر ، ولم يكتفوا بذلك ، وإنما أنشأوا 22 مصطبة أخرى فى العمق فى إتجاه (الجباسات) وفى إتجاه (متلا) وفى إتجاه (سدر والطور) .. ولو ركبت دبابة واحدة أى مصطبة : فإنها تشكل عائقا لعبور القوات ومانعا نيرانيا قويا ضد أى تحركات .. ولذلك عندما حانت الساعة " س " ، وبدأت المدفعية التمهيد بالضرب المركز : أرسلت مجموعات اقتناص الدبابات بصواريخ (فهد) ، واستولت على هذه المصاطب قبل وصول الدبابات الإسرائيلية القادمة من العمق إليها .. ومن هنا كانت المفاجأة غير المتوقعة للدبابات ؛ فقد إنهالت الصواريخ عليها ، وتم تدمير أعداد كبيرة منها خلال الساعات الأولى للعبور . هذا بالإضافة لقوات الصاعقة التى أسقطت خلف خطوط العدو. خط بارليف لابد وأن يؤخذ فى الاعتبار - ونحن نتحدث عن (بارليف) ، وإمكانياته الهائلة : أن قناة السويس نفسها كانت تمثل مانعا فريدا ، فرض تحديا إضافيا للمخطط المصرى ، والمقاتلين الذين سيتعين عليهم عبورها على السواء . . فهى لاتنحدر بشكل تدريجى - كما هو معروف فى القنوات والأنهار العادية - بالإضافة لتغير سرعة التيار المائى من مكان لآخر بها ، فى مختلف الأوقـات . فكما هو معروف أن القناة تصل البحر المتوسط بالبحر الأحمر، ومن ثم : فإن المد والجزر يغيران مستوى مياه القناة 4 مرات خلال اليوم الواحد ، فيبلغ فارق المنسوب بين أعلى وآدنى جزر ما يزيد عن 50 سنتيمترا فى الشمال ، بينما يتزايد إلى مترين قرب السويس . ومما يزيد الأمر صعوبة : هو عمق مياه القناة ، والذى يصل إلى 18 مترا ، وتبلغ نسبة إنخفاض مستوى حافة الشواطىء حوالى 5 أمتار، الأمر: الذى يلغى إمكانية أن يخوض المقاتلون فى المياه على أقدامهم حاملين معداتهم وأسلحتهم إضافة لأسباب عديدة أخرى جعلت من خصائص القناة مانعا مائيا صعبا بالنسبة لعملية عبور القوات . . فى نفس الوقت الذى أعطى للعدو ميزة نسبية قبل أن نتحدث عن خطه الدفاعى ، الحصين ، الأسطورى، المسمى «بارليف» . . بالإضافة لما ذكرناهمن الصعوبات التى اتسمت بها قناة السويس التى يبلغ عرضها ما بين 180-220 مترأ : كان الساتر الترابى الذى أقامه الإسرائيليون ، والذى وصل ارتفاعه إلى 20مترا على حافة القناة ، والذى أقيم بشكل متصل على طول الشاطىء الشرقى للقناة ، وكانت هناك حقول الألغام الكثيفة تغطى هذا الساتر الترابى . وفوق قمة الساتر الترابى المترامى الأطراف ، تم إنشاء مرابض العربات المدرعة ، والدبابات ، بحيث يضم كل كيلو متر : 8مرابض ، بفاصل يتراوح ما بين 100- 200متر بين كل موقع وموقع . لقد بلغ عدد مرابض الدبابات والمدرعات (1360) مربضا : أقيمت على مواجهة 170 كيلوا مترا . . ولم يكن هذا هو كل (خط برليف) . . فقد كان الإسرائيليون قد أقاموا سواتر ترابية أخرى (مصاطب) على عمق يتراوح ما بين كيلو ، وثلاث كيلومترات من الشاطئ الشرقى للقناة ، بنظام معين ، بحيث تكون مرابض نيران أضافية ، لتحقيق عنصر الدفاع المتحرك ؛ من خلال جيوب نيرانية قوية . ويشكل ذلك الخط الأول والرئيسى على إمتداد الضفة الشرقية للقناة ، وعلى عمق يصل إلى 5 كيلو مترات ، توجد التجهيزات الهندسية ، ومرابض للمدفعية والدبابات تشكل الخط الثانى ، وعلى عمق آخر ما بين 10- 12كيلوا مترا نجد الخط الثالث الموازى للخطين الأول والثانى ، والذى يضم تجهيزات هندسية أخرى ، ويضم عددا من المدرعات ، ووحدات المدفعية الميكانيكية الإحتياطية ، إضافة إلى مراكز الإتصال ومراكز القيادة الأمامية و المستشفيات الميدانية . | | ||
| مصرى جديد |
لحظات العبور لقد كان مشهدا تاريخيا رهيبـا : - لا يختلف كثيرا عن الآساطير- ، المشاة فى قواربهم المطاطية فى الخنادق المعدة لهذا الغرض من قبل ، المدرعات بأطقمها فى الحفر الكامنة وسط الأشـجار وخلف السـاتر .. والمعدات ، والبرمائيات ، ومعدات الكبارى بالمهندسين فى أماكنها المحددة على الشاطىء ، كانت عقارب الساعة تقترب من الثانية بعد الظهر . . فى الصباح عندما بلغت ساعة (س) إلى جميع المقاتلين وعرفوا لحظتها بقرار القائد الأعلى .. كانت الفرحة تقفز من وجوههم ، ولكن التعليمات كانت مشددة بضبط الأعصاب وحفظ التوازن ، لأن العدو يراقب باستمرار , وتحركاتنا لا تغيب عن أبراجه .. ومهما حاولت أن أصور المشهد التاريخى ، فلن أستطيع أن أصف ما حدث فى الساعة (الثانية وخمس دقائق من مساء يوم 6 أكتوبر) بالضبط حيث عبرت فوق رؤوسنا طائرات الضربة الجوية التى كانت بداية النصر العظيم .. وفتحت مئات المدافع أبواب جهنم مرة واحدة ، وغطت الصواريخ والقذائف والدخان سماء المنطقة ، وكان الدوى الهائل يسمع على طول قناة السويس وعمق سيناء . وفى الساعة الثانية وعشرين دقيقة بدأت موجات العبور الأولى تشق طريقها وسط النيران . . واستخدموا كل شئ : قوارب المطاط ، زوارق التجديف ، البرمائيات ، المعدات . . . فى مجموعات عبروا الشاطئ المقابل للقناة بجسارة . . وأخذت مجموعات المقدمة تتسلق الساتر فى ثوان بمهماتها ، وتمد سلالم الحبال لكى يؤمن المشاة . . كانوا فى هذه اللحظة كالمردة . . كأبطال الأساطير ، وكانت صيحاتهم تسبقهم ، ويلقى هديرها الرعب فى قلوب الإسرائيليين : الله أكبر . . الله أكبر .. وخلال 30 دقيقة كانت أعلام مصر ترتفع فوق (خط بارليف) دون إنتظار الإنتهاء من تمهيد المدفعية . قبل العبور: كانت قواتنا فى إنشغال تام بالتدريب فوق الأرض ، ولم تكن قابعة فى الخنادق ، وكانت التدريبات المستمرة والمتواصلة تتم تحت أنظار وأسماع العدو فوق الأرض ، وقد لعبت هذه الخاصية دورا كبيرا فى الخداع والتمويه على العدو يوم 6 أكتوبر، لأنه تصور أن التحركات التى تتم على الجبهة المصرية : جزء من التدريبات اليومية والمناورات التى كانت تتم بين يوم وآخر، ولم يجد فى التدريبات شيئا يثير الريبة : فلم يأخذ الحذر . وكان هذا التدريب الواقعى جانبا من الخطة التى نفذت بنجاح . . أما التدريب الواقعى على إقتحام (خط بارليف) وإختراق الساتر الترابى : فقد تم فى غرب مدينة السويس وأيضا فى منطقة (جبل عتاقة) حيث ميادين التدريب قريبة الشبه إلى أقصى حد من ميدان القتال الفعلى . وكانت التدريبات تشمل صعود الساتر الترابى الذى كان يتراوح أرتفاعه بين 24 ، 22 مترأ ، بينما يحمل الفرد أسلحة وذخائر وزنها 80 كيلوجرام ، وكان الجنود يتسابقون للصعود والتسلق . . حتى وصل الرقم القياسى إلى دقيقتين فقط فى صعود الساتر الترابى . وكنا نندهش من هذه الروح القتالية العالية ، وكانت الخطة الموضوعة : أن يتسلق الجنود الساتر الترابى على (سلالم من الحبال) .. لكن بعض المقاتلين أصروا على الصعود فوق الساتر بدون السلالم ونفذوها فى سرعة أكبر من المعدل. حرب الخنادق لقد وصلت عملية التخطيط للحرب إلى مستويات غاية فى الدقة والمهارة . . وعلى سبيل المثال : وصلت إلى قياس إرتفاعات المياه فى الترع الموصلة إلى ترعة الإسماعيلية . أما عن قناة السويس التى يتغير إتجاه التيار المائى فيها مرتين يوميا ؛ فقد كانت المسألة أعقد . . ففى نفس الوقت الذى توجد فيه تيارات مختلفة الإتجاه فى الوقت ذاته : - ترتفع المياه وتنخفض ، على شاطىء صخرى ؛ بسبب المد والجزر .. وحسابات أن يكون ضوء الشمس فى إتجاه وجه العدو بعد الساعة الثانية مساء . وقد خططنا أيضا للحركة فى جزء من النهار قبل حلول الليل ، لكى نستطيع تنفيذ مهمتنا الأولى فى الضوء بشكل أفضل ، وفى نفس الوقت حرمان العدو بالقيام بهجوم مضاد قبل حلول الظلام .. كان الجنود الذين إشتركوا فى 1973 مقاتلين مثقفين ، لأننا أستدعينا الاحتياطى - أيضا - وإشترك فيها الجامعيون ، بعكس ما حدث فى حرب 67 حيث كانت المسألة مختلفة ، لقد كانت حرب أكتوبر معركة حقيقية . كنا نريد أن تبدأ الحرب بأية طريقة ، لأن مرحلة حرب الخنادق كانت قد طالت ، وقد تؤثر على الإنسان وتجعله قلقا . لقد إستمرت 6 سنوات والإنطلاق من الخنادق لمعركة أكبر كان يعنى بالنسبة لنا الخلاص أمام الشعب والأمة العربية ، فقد ظلمنا فى حرب 1967 . الطيران الذى لايقهر لقد كانت بعض الأفكار عن أسطورة الطيران الإسرائيلى الذى لا يقهر وغيرها من هذه الأفكار قائمة . لكن مارفع من معنوياتنا بدرجة عالية هذا العدد الهائل من الطائرات المصرية التى شاركت فى المعركة ، فلم نصدق أن هذا العدد من الطائرات موجود ومشارك . ويوجد سبب أساسى لذلك . . فنحن لم نكن قبل الحرب نرى الطائرات المصرية ، لأننا كنا نتمركز فى مواقع متقدمة وهناك خطوط لا تتجاوزها الطائرات المصرية ، طبقأ لشروط الهدنة ، وأصبحت فى غيبة عنا ، وكان هذا يؤثر فى الجنود كثيرا لأن الغطاء الجوى يمنح أمنا وثقة أثناء القتال . وعندما شاهدنا السماء مغطاه بالطائرات فى الطلعة الجوية الأولى وفى وقت واحد ، وعلى إرتفاعات منخفضة فوق رؤوسنا ، كانت معنويات الفرقة 19 مشاة قد وصلت لدرجة لا يتخيلها البشر، حتى أن الجنود والقادة لم ينتظروا إنتهاء تمهيد نيران المدفعية وقاموا ببدء العبور فى حماس شديد . مشاعر لحظة بدء العمليات هناك الكثير من الأحاسيس التى تستحق التسجيل فى لحظات ما قبل العبور.. إنها مشاعر لا يمكن ان تمحى من وجدانى . فعندما أصدرت الأوامر صباح يوم المعركة ، وقمت بتسليم القادة الأعلام التى سترفع على المواقع التى سيتم الإستيلاء عليها ، والأرض التى ستعود لأحضاننا . . كانت المعنويات عالية للغاية . لقد بكى الجميع وأنا أصدر أوامر العمليات . . لقد كنا جميعأ نريد التخلص من الإتهام الذى لصق بنا ظلما . . وأردنا أن نثبت وجودنا . . لقد أمسك القادة بالأعلام يقبلونها بفرحة وأمل . . كانت لحظة لا يمكن أن تمحى من الذاكرة . فى هذا اليوم جاءنى أحد ضباط الشرطة العسكرية ، وكان مسئولا عن مد وتعليم المحاور التى تسير عليها القوات ، وكنت قد أصدرت لهم أوامر بتوقيت الهجوم فى الساعة الثانية بعد الظهر، وقال لى : (لوسمحت يا فندم هل لى أن أذهب إلى بيتى لأقدم المرتب لزوجتى ؛ لأنه المورد الوحيد لهم) وكانت الدموع تملأ عينيه . كان هذا قبل موعد المعركة بعدة ساعات ، وقلت لنفسى إنه لو ذهب هذا الضابط وعرف أحد موعد الهجوم : زوجته أو أقاربه . . فالنتائج غير محسوبة ؛ لكن ثقتى التامة فى رجالى جعلتنى أتركه يذهب بسيارة الشرطة الجيب إلى بيته . فذهب وعاد قبل الموعد المقرر ، وقام أثناء العمليات بدور كبير بحيث مكن القوات من دخول المحاور بصورة دقيقة وسليمة نهارا وليلا ، وكانت حالته المعنوية مرتفعة لدرجة غير متصورة . . وسبب ذلك الموقف الذى عاملته به والثقة الغالية التى أوليته إياها . ساعة : س ( الصفر ) كان أساس تنفيذ الخطة : هو خداع العدو ، والتمويه حتى يشك فى التحركات ، ثم مفاجأته .. لذلك كانت العملية قائمة على آساس أنها مشروع تدريب يومى روتينى ، وليست معركة العبور المنتظرة ؛ حتى يكتمل الخداع والمفاجأة .. وقد إستطاعت القيادة السياسية والعسكرية أن تتكتم الأمر وتموه عليه ؛ حتى الساعات الأخيرة لبدء التنفيذ .. فتم التعامل مع خطة العمليات الحقيقية على أنها مشروع تعبوى للتدريب بالذخيرة الحية .. ونفس الشئ بالنسبة لإستعدادات الفرق والوحدات الأخرى . أما ساعة " س " فقد أبلغت بها قبل العبور ، وبالتحديد يوم 5 أكتوبر الساعة السابعة مساء .. لذلك قد وضعت ترتيبات تنفيذ الخطة على أنها مشروع إستراتيجى تعبوى ، وعندما إستدعتنى قيادة الجيش لإبلاغى بساعة " س " للمعركة الفعلية والحقيقية : بدأت فى تعديل توقيتات المشروع المنفذ ومطابقتها لخطة العمليات الحقيقية .. ولقد كتمت توقيت ساعة " س " فى نفسى ، ولم أبلغها الى قادة الوحدات إلا فى صباح يوم 6 أكتوبر. كنت أريد : أن أعطى المقاتلين ، والقادة أكبر قدر من الراحة والهدوء فى تلك الليلة بالتحديد . وكنت أريد : ألا تظهر أى بادرة - رغما عنهم - ويكتشف من خلالها العدو حقيقة التحركات الجارية ، ولم أبلغ أحدا من القيادات ساعة "س " إلا إثنين من ضباط قيادة الفرق ، حتى نطابق توقيت المشروع على توقيت الخطة . كنت أفكر فى الساعة التى انتظرتها 6 سنوات وأكثر ، من عام 1967 حتى عام 1973 .. وفى الساعة الثامنة من صباح 6 أكتوبر : إستدعيت قادة الألوية وأعطيتهم الساعة " س " التى حددت (الساعة الثانية بعد الظهر) . ولا يمكن أن يتصور أحد روعة المشهد لحظتها . . كانت الدموع تغرق أعيننا ، وعانق بعضنا البعض ، ووزعت عليهم أعلام مصر ، وأنا أقول لهم : بعد ساعات قليلة : ترتفع هذه الأعلام فوق الساتر على أرض سيناء ، وأريدكم أن تتسابقوا فى رفعها ؛ لأنها تعنى شرف مصر وكرامتها . موقع العمليات كانت الفرقة 19 مسئولة عن القطاع الجنوبى من قناة السويس . . وهو موقع هام وخطير . . فقد كان يمتد من شمال الشط إلى خليج السويس ، وهى منطقة كانت من أقوى مناطق (خط بارليف) وتقع فيه النقاط الحصينة 146 ، 148 ، 149 بالإضافة إلى نقطة الجباسات ، ولسان بورتوفيق ، وعيون موسى . وكانت كلها نقاطا قوية وحصينة ، أقامها العدو الإسرائيلى على مدى سنوات طويلة ، وكان المطلوب : أن نقضى عليها بأسرع ما يمكن ، حتى نسيطر على الموقف قبل وصول إمدادات المدرعات من الممرات . وكانت تدريبات الفرقة ، تركز على هذه المهمة بالذات ، ووضعت الخطة التى يمكن بها محاصرة هذه النقاط ، ثم تدميرها تماما .. لقد كانت عملية التمويه لتحريك القوات إلى ضفة القناة غاية فى الصعوبة ، ولكنها تمت فى غاية الدقة والسرية ، كان الإسرائيليون يراقبون تحركاتنا بإستمرار ، ولكننا إستخدمنا الساتر الترابى من ناحيتنا على الضفة الغربية فى الإخفاء والتمويه . وكانت التحركات لا تتم فى ليلة أو ليلتين ، ولكن يلزمها ليال قبل العملية ، كما أن تحريك القوات المختلفة لا يتم فى وقت واحد ، ولكن هناك نظاما معينا موضوعا لتحريك المشاة ، والمدفعية والدبابات إلى مواقعها المحددة فى توقيتات محددة . وكانت العملية تسير بشكل طبيعى للغاية . . هناك تحركات كثيرة ، ولكن العدو إعتبرها جزءا من التدريبات التى تعود ملاحظتها خلال الشهور الأخيرة السابقة لأكتوبر. وكانت تحركاتنا تلك لا تدعوا للقلق من وجهة نظر العدو ، وإنما المسألة كلها مجرد تدريب روتينى عادى . . وكان هذا التصور من جانب الإسرائيليين هو ما خططنا له . . وقد نجحنا فى تحقيقه بزيادة مشروعات التدريب .. وفى نفس الوقت الذى ضاعفنا فيه مشروعات التدريب ، وزعت القيادة نشرات على الوحدات المختلفة لتقييد الضباط الراغبين فى -العمرة والحج - وكانت هذه هى المرة الأولى التى يصرح فيها للضابط منذ 67 بالعمرة ، أو الحج . وتعمدنا إذاعة هذه النشرات حتى تصل إلى العدو .. كما صرحنا بأجازات مفتوحة للمقاتلين ، ومزيدا من الخداع : جرى تسريح جانب من الإحتياطى ، بينما إستدعينا سرا إحتياطيا آخر وكان أفراده يدخلون الجبهة فى الليل . . وهكذا إبتلع العدو الطعم ، وتم خداعه بصورة كاملة ومفاجأته . إكتشاف النابالم فى فترة التحضير للمعركة : وصلتنا معلومات عن أنابيب النابالم الممتدة إلى الشاطئ الشرقى من خلال فوهات فى الساتر الترابى ، وخرجت من الفرقة عدة دوريات للإستطلاع ، وخصوصا بعد تعلية الساتر الترابى لكى يخفوا ما وراءه . واستطاعت دورياتنا تحديد أماكن المصاطب المخصصة للدبابات ، وكذلك مناطق مخازن النابالم ، وإتجاه أنابيبها .. وقبل العبور كانت مجموعات الإستطلاع تتسلق السـاتر ، وتفصل هذه الأنابيب وتعطل الطلمبات ، وإغلاق الأنابيب أخذا بالحيطة والحـذر. لقد كان رجال الإستطلاع يتسابقون إلى المهام الإستطلاعية - برغم خطورتها - ويعودون جميعأ دون أن يشعر بهم العدو .. والأكثر من ذلك أنهم لم يكتفوا بالتبليغ ، وإنما إلتقطوا صورا لكل معالم الخط وراء الساتر ، وقد أفادتنا هذه الصور إلى حد كبير ، وغيرت بعض الخطط والتقديرات .. فقد كان تصورنا أنه مجرد "ساتر" عادى ، ولكن ظهر : أنه مصاطب للدبابات أيضأ ، ويمكنها الصعود إليها من أى إتجاه ، وتركب الشاطىء ، وتمنع العبور .. وعلى ضوء هذه الصور ، والمعلومات : وضعنا الخطة المضادة ، ووضعت نماذج للساتر ومصاطبه ، ودربنا مقاتلينا على وضع الألغام فى المصاطب ، وكيفية عمل مجموعات إقتناص الدبابات لقطع الطرق الموصلة إلى المصاطب وركوبها قبل دبابات العدو . ولكى ندرك مدى تجهيزات العدو الإسرائيلى الموضوعة لمنع أى عبور : يكفى أن نعرف أنهم وضعوا فى القطاع الجنوبى لفرقتنا 91مصطبة نيران مطلة على القناة من فوق الساتر ، ولم يكتفوا بذلك ، وإنما أنشأوا 22 مصطبة أخرى فى العمق فى إتجاه (الجباسات) وفى إتجاه (متلا) وفى إتجاه (سدر والطور) .. ولو ركبت دبابة واحدة أى مصطبة : فإنها تشكل عائقا لعبور القوات ومانعا نيرانيا قويا ضد أى تحركات .. ولذلك عندما حانت الساعة " س " ، وبدأت المدفعية التمهيد بالضرب المركز : أرسلت مجموعات اقتناص الدبابات بصواريخ (فهد) ، واستولت على هذه المصاطب قبل وصول الدبابات الإسرائيلية القادمة من العمق إليها .. ومن هنا كانت المفاجأة غير المتوقعة للدبابات ؛ فقد إنهالت الصواريخ عليها ، وتم تدمير أعداد كبيرة منها خلال الساعات الأولى للعبور . هذا بالإضافة لقوات الصاعقة التى أسقطت خلف خطوط العدو. خط بارليف لابد وأن يؤخذ فى الاعتبار - ونحن نتحدث عن (بارليف) ، وإمكانياته الهائلة : أن قناة السويس نفسها كانت تمثل مانعا فريدا ، فرض تحديا إضافيا للمخطط المصرى ، والمقاتلين الذين سيتعين عليهم عبورها على السواء . . فهى لاتنحدر بشكل تدريجى - كما هو معروف فى القنوات والأنهار العادية - بالإضافة لتغير سرعة التيار المائى من مكان لآخر بها ، فى مختلف الأوقـات . فكما هو معروف أن القناة تصل البحر المتوسط بالبحر الأحمر، ومن ثم : فإن المد والجزر يغيران مستوى مياه القناة 4 مرات خلال اليوم الواحد ، فيبلغ فارق المنسوب بين أعلى وآدنى جزر ما يزيد عن 50 سنتيمترا فى الشمال ، بينما يتزايد إلى مترين قرب السويس . ومما يزيد الأمر صعوبة : هو عمق مياه القناة ، والذى يصل إلى 18 مترا ، وتبلغ نسبة إنخفاض مستوى حافة الشواطىء حوالى 5 أمتار، الأمر: الذى يلغى إمكانية أن يخوض المقاتلون فى المياه على أقدامهم حاملين معداتهم وأسلحتهم إضافة لأسباب عديدة أخرى جعلت من خصائص القناة مانعا مائيا صعبا بالنسبة لعملية عبور القوات . . فى نفس الوقت الذى أعطى للعدو ميزة نسبية قبل أن نتحدث عن خطه الدفاعى ، الحصين ، الأسطورى، المسمى «بارليف» . . بالإضافة لما ذكرناهمن الصعوبات التى اتسمت بها قناة السويس التى يبلغ عرضها ما بين 180-220 مترأ : كان الساتر الترابى الذى أقامه الإسرائيليون ، والذى وصل ارتفاعه إلى 20مترا على حافة القناة ، والذى أقيم بشكل متصل على طول الشاطىء الشرقى للقناة ، وكانت هناك حقول الألغام الكثيفة تغطى هذا الساتر الترابى . وفوق قمة الساتر الترابى المترامى الأطراف ، تم إنشاء مرابض العربات المدرعة ، والدبابات ، بحيث يضم كل كيلو متر : 8مرابض ، بفاصل يتراوح ما بين 100- 200متر بين كل موقع وموقع . لقد بلغ عدد مرابض الدبابات والمدرعات (1360) مربضا : أقيمت على مواجهة 170 كيلوا مترا . . ولم يكن هذا هو كل (خط برليف) . . فقد كان الإسرائيليون قد أقاموا سواتر ترابية أخرى (مصاطب) على عمق يتراوح ما بين كيلو ، وثلاث كيلومترات من الشاطئ الشرقى للقناة ، بنظام معين ، بحيث تكون مرابض نيران أضافية ، لتحقيق عنصر الدفاع المتحرك ؛ من خلال جيوب نيرانية قوية . ويشكل ذلك الخط الأول والرئيسى على إمتداد الضفة الشرقية للقناة ، وعلى عمق يصل إلى 5 كيلو مترات ، توجد التجهيزات الهندسية ، ومرابض للمدفعية والدبابات تشكل الخط الثانى ، وعلى عمق آخر ما بين 10- 12كيلوا مترا نجد الخط الثالث الموازى للخطين الأول والثانى ، والذى يضم تجهيزات هندسية أخرى ، ويضم عددا من المدرعات ، ووحدات المدفعية الميكانيكية الإحتياطية ، إضافة إلى مراكز الإتصال ومراكز القيادة الأمامية و المستشفيات الميدانية . القلاع الحصينة ينتشر فى المنطقة التى أقيم عليها (خط بارليف) وهى 170 كيلو مترا طولا وبعمق يتراوح ما بين 10 - 12كيلومتر على النحو الذى شرحناه - على 36 حصنا ، بالإضافة إلى 15 برجا للمراقبة ؛ حسب التقارير الإسرائيلية ذاتها . ويضم الخط 206 ملاجئ كبيرة بالإضافة إلى 462حصنا للأسلحة المختلفة والدبابات . ولم يشهد أى حصن فى التاريخ ما شهدته حصون (خط بارليف) : من تلغيم مكثف للغاية ؛ حيث أحاط بكل نقطة حصينة : 73 نطاقا من الالغام والأسلاك الشائكة . وتصف مجموعة الكتب والتقارير العسكرية - التى صدرت بعد المعركة – ومنها "التقصير ، والطوفان" وغيرهما ؛ شبكة التحصينات : بأنها شبكة معقدة للغاية ، كان يجرى تطويرها عاما بعد آخر . لقد أستخدم فى إقامة هذه التحصينات آلاف المعدات الثقيلة . . إن هذه الأحجار الكبيرة التى وضعت فى شباك حديدية ، والتى أستخدمت فى بناء على شكل طبقات فوق الدشم ، والتى بلغ سمكها عدة أمتار كان الهدف من إقامتها : هو الحيلولة دون تأثير دانات المدفعية الثقيلة و نفاذها إلى داخل الدشم وأيضا تقليل الموجات الإنفجارية . إن القلاع الحصينة التى ضمها (خط بارليف) قد جهزت من الداخل بكل وسائل الراحة والرفاهية - فقد كانت مكيفة الهواء ، ومجهزة بمواسير المياه ، وأجهزة تبريدها ، وآجهزة إتصال متطورة ، وآلات عرض سينمائية فى قاعات مكيفة ، ومكتبات ، وتليفونات عامة لإتصال الجنود بأسرهم ، ومخازن تموين مختلفة .. وقد ضمت أماكن إقامة الجنود : داخل الدشم المحصنة - أسرة من طابقين ، بالإضافة الى تجهيزات رياضية ، كانت تضمها معظم التحصينات . وعلى صعيد القدرة القتالية لهذه الحصون المنيعة : فقد كان كل منها مزودا بقوة نيران كبيرة ، مقدر لها مواجهة كتيبة مدرعة ، لمدة تزيد عن الآسبوع ، وقد قام (أريل شارون) عندما عين قائدا للجبهة الجنوبية بشق مئات الكيلومترات من الطرق قرب القناة ، خاصة الطرق المواجهة للقناة بشكل عمودى ليقلل من المقاطع التى تتحرك فيها قواته ، والتى تقع تحت مرمى النيران المصرية ؛ التى يمكن أن تنطلق من الضفة الغربية للقناة ، و كان (شارون) يرمى إلى إتاحة الفرصة لمدرعاته من التحرك السريع نحو المعاقل ، بل : ونحو القناة ذاتها . وفى تطوير جديد (لخط بارليف) ؛ تم إضافة قضبان السكك الحديدية ، إلى طبقة جديدة من الحجارة التى وضعت داخل شباك من المعدن . كثيرة هى عمليات التطوير التى كان يضيفها (شارون) منذ أن عين قائدا لجبهة (سيناء) خاصة : الطرق الجانبية ؛ لكى يتيح حركة مرنة لبطاريات مدافع قواته . قد يتساءل البعض : عن المساحة التى أقيم عليها الموقع الحصين . . وعن كيفية الدخول إليه . إن الحصن الواحد قد أقيم على مساحة تصل إل خمسة آلاف متر مربع ، ومعظم الحصون لها مدخل واحد بإتساع (4أمتار) لدخول السيارات ، والدبابات القادمة من ناحية الشرق ، بحيث لا يمكن لأحد أن يدخل الحصن الا إذا كان قادما من إتجاه القوات الإسرائيلية . وقد وضع نظام دقيق لإغلاق أبواب الحصون - فيتم إغلاقها بحبل من الألغام المضادة للأفـراد والدبابات ، ويتكون كل حصن : من أربع دشم ، بإرتفاع ثلاثة طوابق ، تم بناء طابقين منها تحت الأرض ، وفى الطابق الثالث توجد المزاغل .. وهى الفتحات التى تظهر منها فوهات بإختلاف أنواعها . إن طبقات عديدة من الصخور، والرمال ، وكميات هائلة من الأسمنت تمثل المواد الأساسية لبناء دشم إضافية ، إلى قضبان السكك الحديدية التى صنعت منها أسقف الدشم ، وهناك أيضأ شبكة الفولاذ ؛ التى تضمها كل طوابق الدشم ، وأبواب الغرف ، حتى لا تتأثر بقذائف المدفعية ، و تفتح أبواب الغرف (أتوماتيكيا) بواسطة الجنود . لقد صممت النقاط الحصينة : بحيث تحقق الدفاع الدائرى ، ويتوفر فى كل منها مجموعة من الأسلحة المختلفة ، مثل المدافع الذاتية الحركة ، والرشاشات والهاونات . لقد ضمت النقاط الحصينة : نوعا من الرشاشات التى تعمل ذاتيا بمجرد إحساس (أجهزة اليكترونية) متقدمة جدا بحرارة أى إنسان يقترب من الحصن . . بالإضافة لمواقع صواريخ : أرض - أرض ، ورشاشات مضادة للطائرات . وإذا إنتقلنا خارج الدشم : فإننا سنجد ممرا على شكل قوس ، ينتهى طرفاه بمربض للدبابات ، يمكن للدبابة أن تصعد فوقه ، لتعود وتختفى عندما تنزل إلى قاع القوس بعيدا عن القذائف المصرية .. وقد ضمت كل دشمة ثلاث دبابات . . أما بالنسبة للمراقبة فقد تم تركيب (بيريسكوب) اليكترونى .. يصعد (أتوماتيكيا) من إحدى الثغرات ثم يختفى . إن التكلفة المرتفعة ، والجهد الشاق ، الذى بذل فى اقامة (خط بارليف) والذى تكلف حسب بعض التقديرات الإسرائيلية (حوالى مليارات) من الليرات ، إضافة لمليار مواد أولية وعشرات الآلاف من المعدات والمهندسين والعمال . لم يكن كل هذا بلا هدف ، أو لمجرد التظاهر.. فقد كان ترسيخ الوجود الإسرائيلى واحدا من أهم الأهداف التى بنى من أجلها (خط بارليف) إضافة لما يمكن أن يوفره من إعطاء إنذار مبكر فى حالة محاولة القوات المصرية القيام بأية عمليات ، وحماية جنود إسرائيل من تأثير نيران المدفعية المصرية والطيران . كل ذلك وغيره من الأهداف الإستراتيجية للعدو ، مضافا إليها توجيه الضربات للقوات المسلحة المصرية ، وللمدن التى تقع فى مواجهة (خط بارليف) بقلاعه الحصينة . وللنابالم .. قصة أخرىفى السطور السابقة تحدثت عن خط بارليف ومدى التحصينات المكثفة ، والإمكانيات التى توفرت فى نقاطه القوية الحصينة ، ومدى الأمان الذى كان يوفره للجنود الإسرائيليين ، بل والرفاهية التى وفرت لهم ، ومن قبل ذلك كان الحديث عن قناة السويس ، بإعتبارها مانعا فريدا ، وفر للعدو عائقا إضافيا لما صنعه الإسرائيليون من سواتر ترابية وحصون منيعة . . ولعل القارىء العزيز قد يلاحظ .. أننى أغفلت الحديث عن السلاح الذى طالما صنعت حوله إسرائيل هالة إعلامية ، وحكايات أسطورية ، إستخدمتها فى حربها النفسية التى بدأت مع بناء (خط بارليف) الشهير . والحقيقة : أننى أخرت الحديث عن سلاح النابالم الرهيب لنفرد له مساحة مناسبة نستعرض - معا - خلالها بعضا مما جاء فى مذكرات القادة والخبراء ، وتحليلات المتخصصين . إختراع النابالم ليس إسرائيليا فى البداية لابد وأن أسوق هذه المعلومة التى تؤكد : أن إسرائيل لم تكن هى أول من أبتكر فكرة المانع النارى كما يحلو لها أن تزعم . . إن هذه الفكرة ظهرت لأول مرة عام 1940 حينما إبتكرها أحد الضباط الإنجليز ويدعى (جون بيكر هوايت) و كان من ضباط المخابرات ، فقد لفت إنتباهه وجود أنابيب بها ثقوب ، متصلة بخزانات وقـود ، بالقرب من خليج (سانت مرجريت) حيث كانت ترابط القوات الإنجليزية متأهبة لمواجهة الغزو الألمانى ، وصده . . وفكر الرجل فى إمكانية إستغلال هذه الأنابيب والخزانات ، لإشعال سطح المياه . وبالفعل قام بعمل نموذج منها ، واستثماره فى حرب نفسية ضد الألمان ، وقد صادفت هذه الفكرة نجاحا باهرا ، على الرغم من تواضع الإمكانيات المتاحة فى هذا الوقت . قامت القوات الإسرائيلية بإعداد مواسير ( للنابالم ) تتجه إلى مجرى القناة ، تخرج من النقاط الحصينة التى أقيمت عل مواجهة تقدر بمائة وسبعين كيلو مترا . . وذلك بعد أن أعد الإسرائيليون أجهزة ضخمة لضخ المواد الملتهبة على الشاطىء الشرقى للقناة ، بحيث تقيم فى دقائق معدودة سدا من النيران واللهب . . والنابالم . . عبارة عن زيوت سريعة الإشتعال مع كميات محسوبة من الكيروسين لتكوين طبقة من النيران فوق سطح المياه . . وقد تم ملء المستودعات الضخمة بالخليط السريع الإلتهاب ، والتى وضع لها صمامات تتحكم فيها طلمبات ضخ (ماصة كابسة) يخرج منها خط من الأنابيب بقطر 4 بوصات ينتهى بفتحات تحت الماء على مسافات متقاربة وبشكل أكثر تركيزا فى جميع الأماكن الصالحة للعبور. كانت جميع المستودعات المملوءة بالنابالم مدفونة تحت سطح الآرض تحسبا لعدم إصابتها بنيران المدفعية المصرية ، أو الطيران ، وكان كل مستودع منها قادرا على ضخ 200 طن . وقد بلغت درجة حرارة قطعة من هذه المادة البشعة - عند تحليل جزء منها فوق المياه - بلغت سبعمائة درجة مئوية . . وهو الأمر الذى دعا (موشى ديان) أن يقول - ذات يوم بعد حـرب الإستنزاف : أن القوات المصرية لو حاولت عبور قناة السويس : فسوف تباد عن آخرها وتتحول الى رماد . وبعــد : فقد كان (خط بارليف) وبكل المقاييس : واحدا من أقوى القلاع العسكرية فى العصـر الحديث . . ومن هنا يتضح : قيمة ، وحجم العمل العسكرى الرائع ، الذى قامت به القوات المسلحة المصرية فى حرب أكتوبر. . إن التاريخ العسكرى قد شهد خطوطا دفاعية حصينة عديدة . . فقد أقامت فرنسا قبل نشوب الحرب العالمية الآولى : خطا دفاعيا حصينا سمى (فردون) واستطاع الألمان تحطيمه فى (فبراير عام 1916) ويومها أعلن المارشال فولكنهاين : أنه حطم كبرياء فرنسا ومعنوياتها . . وبعد عشر سنوات من الحرب العالمية الأولى أقامت فرنسا خطها الدفاعى الثانى ، بعد أن استفادت بتجربة خطها الأول (فردون) ، فقام وزير دفاعها (أندريه ماجينو) بالإشراف عليه ، وقد سمى الخط بإسمه ، وقد كان هذا الخط منيعا ، بحيث لم يستطع الجنرال الألمانى (جودريان) إقتحامه ، وقام بالالتفاف حوله وتطويقه ، والإندفاع بمدرعاته فى اتجاه نهر (المليز) بالإضافة لخطى فردون وماجينو: كانت هناك خطوط دفاعية حصينة أخرى عرفها التاريخ قبل (خط بارليف) الشهير مثل خطوط (جينسوتا) (وسيجفريد) وغيرها من الخطوط .. لكن الواقع يقول : إن الإسرائيليين قد إستفادوا من تجارب جميع الخطوط ، وأنهم قد تجنبوا سلبياتها ، بل إنهم إستفادوا أيضا من التجارب التي خاضوها اثناء حرب الإستنزاف التى تم فيها تدمير جانب كبير من الخط الأول . ومع الإعتراف : بأن (خط بارليف) كان من أكبر القلاع الحصينة التى شهدها التاريخ العسـكرى المعاصر ، فان إستغلاله فى الحرب النفسية من جانب العدو كان شاملا. . فهذا هو(مناحم بيجن) يقول فى منتصف مايو عام 1969 : «ان المصريين لن يمروا عبر (خط بارليف) ، ولو فكروا فى ذلك فانهم سيكون مصيرهم مثل مصير جيش فرعون» . وسوف يذكر التاريخ لجيش مصر الباسل : أنه واجه هذا التحدى الكبير ، وتحصينات (خط بارليف) التى أحسن القادة التخطيط لإقتحامها ، وبرع المقاتلون وهم يقتحمون هذه المواقع الحصينة ، متسلحين (بالشجاعة ، والإيمان) وبروح أكتوبر المجيدة ؛ تلك الروح : التى أسقطت هذه القلاع الحصينة وحطمت إلى الأبد : أسطورة االجيش الذى لا يقهر ، وأعادت للعسكرية المصرية إعتبارها فى أول معركة حقيقية يخوضها أبناء جيش مصرالبواسل . ملاحم الإستيلاء على النقاط الحصينة شهدت الأيام الأولى للحرب ، من اليوم السادس وحتى التاسع من أكتوبر أحداثا هائلة فى المساحة التى تمركزت فيها القوات المصرية بعد العبور. ولن أتجاوز الحقيقة إذا قلت : إن منطقة رأس كوبرى الفرقة 19 مشاة كانت أعقد مناطق الأحداث على طول الجبهة . فقد قاتل الجنود بدون دبابات ؛ لتأخر إقامة الكبارى لمدة 26 ساعة بأسلحتهم الخفيفة . ولم يكن أمامهم - فى بعض الأحيان - إلا الإستشهاد فوق دبابات العدو لتدميرها . كما كانت النقاط القوية فى هذه المنطقة محصـنة لدرجة خيالية . . وأثيرت حولها أسـاطير منها (موقع عيون موسى) الذى لم يكن يمثل معركة على الإطلاق ، وإنما إستولت عليه قوات الفرقة ؛ بعد أن تركه جنود إسرائيل مذعورين تماما . وتتضمن هذه الحلقة الحديث عن تطبيق العمليات القتالية لقرار تطوير الهجوم على الجبهة المصرية نحو الممرات ؛ لتخفيف الضغط عل الجبهة السورية ، وأحداث تطوير الهجوم : وكيف بدأ ؟ وكيف توقف ولم يستمر ؟ (والتكتيكات) الإسرائيلية الجديدة التى واجهت بها القوات المصرية المتقدمة نحو (ممرات سيناء) ، وبعض وقائع تعثر اللواء الآول الميكانيكى فى تحركه نحو (سدر) . إن مسألة التطوير كانت تستهدف التقدم ، ولكن بعد وقت قليل من صدور الأوامر: تم إلغاؤها بعد آن كان أحد اللواءات قد تقدم بالفعل ، وكانت الفرقة فى هذا الوقت قد تقدمت حتى تمركـزت على بعـد 20 كم من المدخل الغربى " لممر متلا " . إن أكثر الأيام المختلف عليها فى التاريخ العسكرى : هى أيام ما (بعد العبور) وحتى(الثغرة) . عمليات ما بعد العبور لقد كان العبور يتم على موجات ، وما حدث هو: أن بدأت أولا ضربة الطيران لتدمير النقاط الهامة فى الأعماق ، وفى أعقابها قصفت المدفعية أهدافها . . وأثناء عملية الضرب كانت تتقدم قوات المشاه للوصول إلى المحاور المحددة ؛ لكى تستطيع العبور. أثناء هذه العملية : سبق الجنود الزمن الذى كان مقررا أن يقوموا بالحركة فيه ، من شدة حماسهم . لدرجة أنهم بدأوا العبور أثناء ضرب المدفعية . والأكثر من ذلك : أن أهالى (السويس) كانوا يساعدون الجـنود فى نقل الذخيـرة بعربات الكارو ، واليد ، بدلا من أن يحمل الجنود الصناديق الثقيلة على أكتافهم إلى شاطئ القناة . وأثناء العبور - أيضا - كان الجنود يتسابقون لوضع العلم على الضفة الشرقية ، فقد تسلمنا الأعلام من القيادة ؛ لكى نسلمها للقادة ، لكى ترفع معنوياتهم ، وكانت هذه فكرة (الفريق الشاذلى) . كانوا يتسابقون لرفعه ، وكان أول علم وضع على الضفة الشرقية للقناة بصفة عامة فى الفرقة 19 مشاة . الساعة الثانية والنصف بعد الظهر .. لقد حققت فرقتنا إنجازات هامة فى الأيام الأولى للحرب .. ولكن قبل أن أخوض فى تفاصيل هذه الإنجازات : أود أن أؤكد أن الفرقة 19 قاست أكثر من الفرق الأخرى ، وتحملت مسئوليات أكثر، وكان ذلك يرجع إلى طبيعة المنطقة التى كانت تعمل فيها . . وقد كانت هذه الفرقة أسرع و أعمق الفرق فى تحريرها للأرض . . فقد وصلنا إلى مسافة 13كيلو مترا فى سيناء شرق القناة . والوصول إلى هذا العمق : يعنى وصولنا إلى مراكز قيادات قوات الإحتياطى القريبة للعدو. . لقد وصلنا إلى جميع مراكز القيادة الإسرائيلية على المحور العرضى الأول أمامنا ، وقد استولينا على قيادة محور "متلا" وقيادة (جبل المر) وقيادة (عيون موسى) وتعتبر الفرقة 19 هى الوحيدة التى إستولت على جميع مراكز القيادات الأمامية للعدو.. من خلال الإستيلاء على مراكز هذه القيادات . . . حصلت على وثائق هامة وخرائط العمليات وأجهزة ومعدات قتالية . . هذا بالإضافة إلى إستيلاء الفرقة على نقاط قوية هامة فى هذه المناطق ، وهى حصون متدرجة القوة ( 146) ، ( 148) ، (149) ثم (الجباسات) و (158) و (عيون موسى) و (لسان بور توفيق) . الحصيلة النهائية : 6 نقاط قوية و 3مراكز قيادة ، وموقع مدفعية عيون موسى .. كل ذلك حتى يوم 13أكتوبر. وفى أغلب هذه النقاط : كنا نأسر كثيرين من جنود العدو. . فقد أسرت الفرقة 19: 87جنديا ، منهم 8طيارين ، وذلك من العدد الكلى الذى تم أسره بمعرفة القوات المسلحة وهو 114جنديا خلال كل أيام الحرب . كما إستولينا على 5 دبابات باتون ، وموقع مدفعية ميدانية هاوتزر عيار 155مم وعددها 6مدافع ، ثم عدد من المدافع ذاتية الحركة ، بالإضافة إلى أسلحة خفيفة بأعداد كثيرة . وقد أسقطت الفرقة : مالا يقل من 33 طائرة متنوعة . | | ||
![]() |
| مواقع النشر |
| العبارات الدلالية |
أكتوبر, ابطال, العادة, الفرقة, الفريق, حرب, عفيفى, فوق, كتاب, مقاتلون, يوسف ![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| طرق مشاهدة الموضوع | |
|
|
| التعليمات | قائمة الأعضاء | التقويم |
| حفظ الرابط |
LinkBack URL |
About LinkBacks |
| الحفظ و المشاركة |
Digg this Thread! |
Add Thread to del.icio.us |
Bookmark in Technorati |
Furl this Thread! |







العرض العادي
