أسفخس 6
أنا أدعي أنني كاتب وباحث تربوي ولذلك تهمني كثيراً المسائل التعليمية التربوية فما رأيكم يا سادة يا كرام لو عاد أبنائكم من مدارسهم ذات يوم كما عاد ابني وحكوا لكم وكما حكى لي ابني أن المدرسين وهم يشرحون المنهج الدراسي صنعوا أشياء غريبة فمدرس الرياضيات أصحب معه في درس مساحة الدائرة ربطة جرجير كوسيلة تعليمية ومدرس العلوم والصحة وهو يشرح الجهاز الهضمي أتى بمثلث خشبي كبير متطابق الساقين وفرجار ومدرس الجغرافيا أصطحب معه الشوكة الرنانة وهو يشرح درس المناخ لدول حوض نهر النيل ومدرس التاريخ أحضر جوز حمام في قفص صغير ليشرح درس الحملة الفرنسية على مصر .
ألا ينتابكم شك بأن جنون البقر ظهر فجأة بعد استئصاله حيث ظهر في دول فيما وراء أعالي البحار وأن الزملاء الأفاضل المعلمين لابني وأبنائكم تعاملوا مع جزاري اللحوم البقرية المصابة .
وأكيد أنني وأنكم لم نسكت واتصلنا وذهبنا للمدرسة وصدمنا مدير المدرسة حينما قال لنا : هوه كده ، وهو دا اللي ماشي ، وما عندناش غير كده ، واللي موش عاجبة يقطعوا له ( يشتري ) كيلو بقري من الجزار اللي على ناصية الشارع ، أعمل لكم أيه أأقطع نفسي وأكيد أنني وأنتم سنذهب للإدارة التعليمية وإذا وجدنا مدير الإدارة التعليمية خد العدوى فليس أمامنا إلا الوزارة .
ولكننا لو فكرنا قليلاً لوجدنا كلام مدير المدرسة صحيح إلى حد ما عندما قال هو دا اللي ماشي لماذا ؟ أقولك .
هيا بنا نتفرج على مئات الأغاني التي تذاع على عشرات القنوات الفضائية بأسلوب الكليبات وركز معايا : كلمات الأغنية في وادي وصوت المطرب أو المطربة في وادٍ ثان والموسيقى في وادٍ ثالث والخلفية الراقصة للفتيات أو (الفتيان) - وإن كان ذلك نادراً - في وادٍ رابع فتجد مثلاً الأغنية عن الحبيبة المطنشة والخلفية أدغال أفريقية وتعابين وأسود ونمور وشباب يلبسون ملابس أفريقية وداهنين وجوههم بالسواد وفي أيديهم حراب ويهتزون ودا ليه لأنهم أفارقة وتجد مثلاً الأغنية عن الحبيبة التايهة وتجد الخلفية أثنين مطربين لابسين قبعات ويتنططون بطريقة هبلة والخلفية دار للبغاء وتقف عل بابه واحدة متعودة و سيارات كلاسيكية في شوارع بلد أوروبية ومثلاً أغنية عن مش عارف أيه والخلفية تعطيك انطباعا أنها أغنية هندية ولا علاقة للهند بكلمات الأغنية وأغنية شبابية عن مش عارف أيه حيث المطرب مش لابس فانلة داخلية وصدره عريان وبيتحدى البرد والأمراض الصدرية والكورس مجموعة فتيات يهززن مؤخراتهن في مواجهة الجمهور في سابقة لم تحدث من قبل وبرضه لا علاقة لكلمات الأغنية لما يحدث واللي ذاد الطين بلة ظهور المطرب أو المطربة في سيارات فخمة لا نعرف ماركاتها وربما الأغنية من نوع غديني جبنة وزيتون وتعشيني بطاطا .
هذه الكليبات يراها أولادنا على مدار الساعة ولذلك للأسف أثره الخطير وهذا الأثر أصبح مرضاً يسمى التشتت الذهني ويعزي علماء النفس والتربية أن أسباب المرض هذا المرض لكثرة الأجهزة الحديثة التي تحاصر الطفل كالتليفزيون و الدش و البلاي ستيشن والموبيل والكمبيوتر والنت وقدرت نسبة الإصابة بين الأطفال بـ 10% ولكن بعد تعلقهم بالكليبات وصلت النسبة إلى أضعاف ذلك وقد تصل 80% وتشير الدراسات أنه يصيب الذكور أكثر من الإناث ويعد الطفل مريضاً بالتشتت الذهني عندما تظهر عليه علامات سوء السلوك وارتباك التصرف في مواقف عدة مختلفة وعلى امتداد عدة أشهر ويعاني الطفل من صعوبات في التعلم ليس بسبب عجزه أو ضعف ذكائه بل لعدم قدرته على التركيز على الدروس ومعظم الأطباء يضعون مشكلة التشتت الذهني في القسم النفسي الاجتماعي أكثر منه في الجانب العضوي العصبي فالطفل الذي يعاني التشتت الذهني لا يعاني من عجز في الإدراك والعواطف أو وجود خلل عصبي ولا تظهر عليه أعراض ارتباك وظيفة الدماغ وأعراضه :
1- الفشل في الاهتمام بالتفاصيل ، أو ارتكاب أخطاء سببها الإهمال في الواجبات المدرسية والعمل وغير ذلك من الأنشطة التي يختص بها في حياته اليومية .
2- يجد صعوبة واضحة في إدامة الاهتمام بالواجبات والألعاب . 3- الضعف الواضح في الإصغاء عند توجيه الكلام إليه مباشرة . 4- لا يلتزم بالتعليمات .
5- يصبح فوضوي في سلوكه وتعامله .
6- يتجنب العمل الجماعي الذي يستدعي جهوداً ذهنية .
7- ينصرف ذهنه بسهولة للتأثيرات الخارجية .
8- يصبح كثير النسيان .
9- التململ الواضح الذي يبدو عليه من خلال حركة الجسد مثل التلوي بيديه وقدميه أو حين جلوسه على مقعد .
وهذا يعني التضحية بجيل بسبب كليبات هايفة وأسلوب غريب من الغناء وهل كانت طريقة المرحوم عبد الحليم حافظ مش حلوة في الغناء على مسرح جميل وخلفه الفرقة الماسية والمرحوم أحمد فؤاد حسن وكان يستخدم حركات يديه ووجهه لكي يصل معنى الكلمة للمشاهد المستمع وكذلك كانت سيدة الغناء العربي وكذلك كان محمد عبد الوهاب وغيرهم وغيرهم .
وربما ينبري مدافع من هذا الجيل الذي لا يعلم به إلا ربنا ويقولك كل الكليبات العالمية كده الغربية والأمريكية وأقول لهم هل لديك فكرة عن تربية أطفالهم وبرامج التعليم عندهم . ويستحيل تكون الأغنية تقول let me go والمطرب بيطارد قطة في شوارع مانهاتن وبعدين أطفالهم بيناموا الساعة 9 بعد العشاء مباشرة .
من حوالي 70 سنة لم يكن الغناء إلا في الإذاعة والتي تبث أغنيتين أو تلاتة في وقت البث القصير والناس الهاي لايف والبهوات والبكوات والباشوات عندهم فونوغرافات تعمل بالمانافلة ( يد مثل يد تليفون العمدة ) وشوية اسطوانات ومع هذا طلع شاعر العامية المصرية العبقري بيرم التونسي وقالهم :
يا أهل المغنى
دماغنا وجعنا
دقيقة سكوت لله
وياترى كان حيقول أيه ولدينا ماشاء الله كام مليون مطرب لدرجة مطرب لكل مواطن ومش بس بيغنوا لا دول أبطال أفلام ومسلسلات ومسرحيات وضيوف 90% من البرامج الحوارية السياسية والاجتماعية والرمضانية والترفيهية ولولا الاختراع العظيم الذي يسمى الريموت كنترول كان دماغنا وجعنا وقلبنا وجعنا واتفقعت مرارتنا والله يرحمك يا بيرم وأسفخس أسفخس أسفخس .