أسفخس 4
أنا أكره الخمور والسكرانين ونشأت في قرية متمدينة في صعيد مصر تكره الخمور والسكرانين ولكنها تقر بقية المكيفات وخاصة الأفيون أما الحشيش فكان الكيف المفضل للأعيان وكبار التجار ولأنهم أعيان فكانوا يحششون بعيد عن أعين الناس إما في غرز – جمع غرزة أي مقهى صغير ـــ في أطراف القرية أو وسط الزراعات أو في حجرة مغلقة و منفصلة عن بيوتهم تفتح من جهتين : البيت والشارع ويسمونها ( المندرة ) .
وكنا ونحن صغار إذا ما وجدنا سكراناً يترنح في طريق أو شارع أو حارة فإنه يلقى منا كل أنواع الأذى من دفع وبصق وضرب بالنعال وكانت أحذيتنا في تلك الحقبة تشترى من شركة باتا المشهورة ولا يوجد غيرها فهى الأرخص وبينما أبناء الأعيان فأحذيتهم تفصل لهم تفصيلاً وتسمى أحذية باتا ( كاوتش ) وكانت فعلاً كاوتش ولذلك كانت ضرباتها موجعة ومؤلمة وسرعان ما تسمع الحريم صياحنا ..... السكران ....السكران فسرعان ما تحضر كل منهن صفيحتها أو تستعد ببستلتها ( صفيحة مستديرة ) أو طشتها المليئ بماء الغسيل أو أي ماء قذر وكلما ترنح وتلوى السكران وجاء حظه العاثر في مرمى إحداهن صبته على رأسه .
ولما كبرنا و أصبحنا من مرتادي دور السينما و انبهرنا بفريد شوقي ومحمود المليجي ورشدي أباظة وكمال الشناوي وجدنا أن الخمور هي القاسم المشترك لكل الأفلام ولا يوجد فيلم من الأفلام لا يوجد فيه خمور والبطل لكي يبقى بطل لابد أن يكون خمورجي وهيا نراجع الأفلام المصرية حتى 2009 فهناك عبارة تكررت ملايين المرات ولا يغفل عنها كاتب سيناريو : تاخد كاس ، بالصودا ولا سك ثم يتناول الملقاط وكأسين طويلين ويضع بعض مكعبات من الثلج ثم يتناول زجاجة بها سائل أصفر ويصب فيهما ويشرب البطل و صديق البطل بعد أن يخبطا الكأسين في بعضهما ويتبادلا تحية الخمور المعتادة في صحتك فيرد عليه في صحتك وهذه اللقطة السينمائية أو التليفزيونية لا تفيد القصة ولا الموضوع ولا الحبكة الدرامية ولما كبر أولادي وكان لدينا فيديو ومجموعات من شرائط الأفلام هذه فقمت بطريقة بدائية وباستخدام لاصق نفاذ الرائحة يسمى (أمير) بقص تلك المشاهد وغيرها من المشاهد التي تفسد الذوق العام وشاهدت الأفلام فكانت مكتملة المعاني وواضحة الهدف وجيدة المضمون .
وقد وجدت أن تليفزيون المملكة العربية السعودية عندما كان يذيع بعض الأفلام المصرية كان يفعل نفس الشيء ولا أدري هل لا يزال يذيع أفلام مصرية أم لا .
والسينما المصرية منذ تقديم أول عرض سينمائي في الأسكندرية في مقهى ( زواني ) في يناير عام 1896م وتبعه عرض في القاهرة في سينما سانتي في نفس الشهر عام 1896م ومنذ ظهور أول فيلمين روائيين عام 1917م انتجتهما شركة السينما الإيطالية – المصرية : الشرف البدوي والأزهار القاتلة أو الميتة والذين عرضا في الأسكندرية عام 1918م وعلى مدى مائة عاماً أنتجت السينما المصري أكثر من 4000 فيلم وكلها لا تعكس واقع المصريين ولكنها تؤكد أن كل مصري عنده في شقته الواسعة أو فيلته الأنيقة بار صغير مكتظ بكل أنواع الخمور و إناء معدني يشبه ( الشفشق ) معبأ بمكعبات الثلج وملقاط و الخمور أسهل وأكثر من مية الحنفية وذي ما حضرتك لما تيجي من شغلك وأنت بتلقف من الحر وزحمة المواصلات وتدخل على القلة أو الزير زمان أو تدخل على الثلاجة الآن وتشرب شوية ميه ساقعة فتتحول تلك اللقطة في السينما المصرية درامياً إلى مكعبات ثلج في كاس وشوية خمرة وتاخدها على بق واحد .
بالله عليكم كام بيت في مصر فيه بار 1000 بيت ، 2000 قصر ، 3000 فيللا ، 4000 شاليه ، 5000 منتجع فهل السينما المصرية تخصص ولا تعمم الحالات والأوضاع وكان من الأولى أن تصف لنا حال الـ 780000 ( سبعمائة وثمانون الف ) بيت وشقة وعشة وكشك ومركب صيد صغير في النيل ورصيف وحديقة عامة والتي يعيش فيها من بناة الأهرام حتى مخترعي علاج السرطان بالذهب .
وأتساءل هل إظهار الخمور تعني الدعاية للشعب المصري بأنه شعب بتاع حظ وفرفشة ونعنشة ويحب يعمر الطاسة بكاسين بعد ما يضربلو صحن كشري أو سندوتشين فول وطعمية أو فطيرة بالقشطة من محل الحاج بدوي الفطاطري وطز في الـ 7000 سنة حضارة وطز في القيم والأخلاق العربية والإسلامية ويا راجل نفض ودانك ومش حأقول أنها حرام بكتاب الله وسنة رسوله وتوجب الحد بضرب من يشربها بالجريد والنعال – كما كنا نفعل في صغرنا سابقاً – أربعين وقيل ثمانين جلدة فهي مقرونة في كتاب الله بالميسر ( كسب المال على وجه المغامرة ) وكذلك بالأنصاب ( الأوثان ) وبالأزلام ( استقسام أهل الجاهلية قبل الإسلام وأبدله الله بصلاة الإستخارة المعروفة ) وأوعى حد يفتكر أني أصولي ولا سلفي وإن كنت في الحقيقة تسلفي وأحب السلف يعني من فقري أحب أستلف .
وأتساءل هل إصرار صناع السينما على حشر الخمور في الأفلام فيها مصلحة من شركات الخمور الفرنسية أو اليونانية أو الإيطالية ومصلحة يعني سبوبة بمعنى أنهم بياخدوا حاجة من شركات الخمور وأؤكد لكم تمام التأكيد أنه ما بياخدوش ولا مليم ولكنها دعاية مجانية لوجه الله تعالى ولا يرجون منهم جزاءاً ولا شكورا .
ممكن يا أباطرة صناعة السينما تعملوا لنا فيلم من غير خمور وخلوها مية معدنية أو بالكتير شويبس وأسفخس أسفخس أسفخس .