بريد الجمعة :
عبدالوهاب مطاوع
ندوب الماضي
انا فتاة في السابعة والعشرين من عمري نشأت فلم اجد حولي سوى ابي ولم اجد لي اما او اخوة او اقارب من ناحية الام، وعشت حياتي كغيري من الاطفال لكني كلما تقدمت في مدارج العمر شعرت بأن هناك شيئا ما خافيا عليّ وان هذا الشيء يتعلق بأهل امي الذين لم ارهم الا مرات معدودات طوال طفولتي وصباي وفي كل مرة التقيت فيها بهم وجدتهم يتحدثون عن ابي بطريقة تكشف لي عن كراهيتهم له فاتعجب لذلك واضيق به في نفسي لاني لا المس من ابي الا كل حنان وعطف ورعاية لي واتساءل لماذا يكرهونه ولماذا يتجنبون الحضور الى زيارتنا ورؤيتي وانا حفيدتهم الباقية لهم من رائحة امي كما كانوا يقولون لي ووجدت نفسي شيئا فشيئا اشعر بالمرارة تجاه اخوالى وجدي وجدتي لامي.. وعتبت عليهم في داخلي مباعدتي وعدم الحرص على زيارتي والاهتمام بامري وكلما فاتحت ابي في ذلك التزم الصمت ولم يزد عن قوله: سامح الله الجميع ورحم الله والدتك..
وكان ابي كثير الصلاة والاستغفار.. وكثير البكاء خلال الصلاة في احيان كثيرة وذات يوم سمعته يناجي ربه على سجادة الصلاة ويدعوه ألا يوحدني في المستقبل كما وحدني في الحاضر والا يحاسبني الناس بذنب غيري وتعجبت لهذا الدعاء الغريب ولم افهم سره.. ولم اسأله عنه.. وعشت حياتي معه اتمتع بحبه وحنانه وازداد حبا له يوما بعد يوم وتخطيت مراحل الدراسة وانهيت دراستي الجامعية منذ سبع سنوات وبعد تخرجي ببضعة شهور سألني ابي ذات يوم عما اذا كنت احبه؟ فأجبته بحرارة وكيف لا افعل وهو الذي كرس حياته لي ورفض ان يتزوج من بعد امي خوفا عليّ ويصر على ان يخدمني بنفسه وكان يرفض السماح لي بمساعدته في اعمال البيت لكي اتفرغ لدراستي فدمعت عيناه وقال لي انه يريد ان يشرح لي اسباب تباعد اهل امي عنا وروى لي انه نشأ ابنا وحيدا مدللا لوالديه وقد انجباه بعد سنوات طويلة من الزواج فغاليا في حبه والاهتمام بأمره وتلبية كل مطالبة وبلغ من حبهما له ان اصرا على ان يزوجاه في سن مبكرة لكي يملأ عليهما حياتهما بالاحفاد فتزوج قبل ان ينهي دراسته الجامعية من امي التي كانت في بداية مرحلة الدراسة الجامعية وقتها وانجباني غير انه كان كما قال سيي ء السلوك مع امي وكثير الخلاف وعنيفا للغاية معها ويضربها كثيرا يحتسى الخمر وانها قد صبرت على احتمال طباعه وبتأثير ابيه الذي كان يترفق بها ويطلب منها دائما الصبر ويكبح جماح ابنه احيانا ومضت حياتها على هذا النحو حتى مات جدي لابي فتفاقمت معاملته السيئة لامي.. واستولى على ما كان معها من مال وضيق عليها في الانفاق وانصرف الى عبثه ولهوه الى ان رجع ذات ليلة مخمورافنشب بينه وبينها شجار عنيف بسبب استهتاره فانهال عليها ضربا وسبابا وتركها وهي تبكي ونام وفتح عينيه بعد ساعات فوجدها مازالت تبكى وبدلا من ان تشعر بالذنب تجاهلها ويعتذر لها انفجر فيها غاضبا وامرها بأن تجمع حاجياتها لانه سيوصلها الى اهلها في محافظتهم في التو والساعة لكي يعيدوا تربيتها من جديد وامتثلت امي لما اراد وهي تردد حسبي الله ونعم الوكيل وجمعت اشياءها وايقظتني من نومي وانا في الخامسة وركبنا في سيارة ابي وبدأنا الرحلة في الصباح الباكر وكانت هناك شبورة كثيفة وابي مازال رأسه ثقيلا من الخمر وقلة النوم ففقد السيطرة خلال الطريق على عجلة القيادة ووقع حادث أليم اصيب فيه الجميع اصابات مختلفة ونقلوا الى المستشفى حيث لفظت امي انفاسها الطاهرة ونجا ابي ونجوت معه وبعد هذا الحادث البشع قاطع اهل امي ابي مقاطعة تامة وكانوا على علم بسوء معاملته لأمي فحملوه مسؤولية الحادث وسدوا قلوبهم في وجهه وفشلت كل محاولاته معهم لاسترضائهم ونيل صفحهم عنه كما كان هذا الحادث كذلك حدا فاصلا بين مرحلتين في حياته فالتزم من ذلك الحين دينيا واكثر من الصلاة والصيام وقراءة القرآن واقلع عن الشراب نهائيا.. وتفرغ لعمله وكرس حياته لتربيتي ورعايتي وعاهد نفسه الا يتزوج بعد امي لكيلا ينشغل عني بشيء، واختتم ابي روايته لي واشار الى بقايا ندوب وحروق قديمة في وجهه وقال لي انها من اثر هذا الحادث القديم وذهلت لما شاهدت وتألمت لان الاقدار قد حرمتني من ان يكون لي ام كغيري من الفتيات وفهمت سر مقاطعة اهل امي لنا وتباعدهم عني وتفاعلت بعض المشاعر داخلي لبعض الوقت لكن حبي لابي تغلب على كل شئ في النهاية.. بل وازددت حبا له واشفاقا عليه فلقد لمست فيه منذ بدأت افهم الحياة تدينا شديدا وحرصا على الطاعات واخراج الصدقة الجارية على روح امي الراحلة،وبعد تخرجي عملت في عدة اعمال مؤقتة الى ان استقررت في عمل مناسب ومنذ سنتين تعرفت بشاب على خلق كريم واحببته وتقدم لطلب يدي ورحب به ابي لكني لمحت في عينيه نظرات تعكس معاني كثيرة فوجدتها فرصة لان افاتحه مرة اخرى في موضوع زواجه لانني لا استطيع ان اتزوج واهنأ بحياتي واتركه لوحدته الكاملة خاصة بعد ان ضعف بصره ولم يعد يستطيع قراءة الصحف لكن ابي رفض ذلك رفضا قاطعا وتمت الخطبة وليس حولي احد من اهل امي سامحهم الله.. وازددت انشغالا بأمر ابي فعرضت عليه ان نقيم معه انا وزوجي بعد الزواج لكي نعني بأمره بالرغم من ان خطيبي يملك شقة جميلة وجاهزة لكنه رفض ذلك ايضا وطلب منى عدم التفكير في ذلك لكيلا يتهم خطيبي بالطمع! فلم افاتحه في هذا الامر مرة اخرى مع ثقتي في انه يعلم جيدا الهدف الحقيقي من هذا العرض وهو اني لا احتمل تركه وحده مرة اخرى مع ثقتي في انه يعلم جيدا الهدف الحقيقي من هذا العرض وهو اني لا احتمل تركه وحده بعد الزواج.
لقد انهى خطيبي كل استعدادات الزواج وتم شراء الاثاث وكل الاجهزة والمفروشات واهله يلحون علي الان في تحديد موعد للزفاف وانا اماطلهم في ذلك وكلما عزمت على الزواج لم يطاوعني قلبي ان ارى ابي محتاجا الى واهجره ومازلت موزعة بين ابي الذي احبه حبا جما ولا استطيع تركه وخطيبي الكريم الذي يحبني واحبه وارغب في السعادة معه ولست اريد ان اظلم احدهما فماذا افعل؟
ولكاتبة هذه الرسالة اقول: اتفهم اسباب حيرتك يا انستي والتمس لك العذر فيها ولكن هناك بديل اخر لاقامتك مع ابيك بعد الزواج يمكن ان يحقق لك نفس الغرض النبيل الذي تسعين اليه وهو الا تدعي اباك لوحدته الكاملة وشيخوخته بغير ان يحرمك ذلك من حقك العادل في السعادة المشروعة او يظلم زوجك الذي سعى للارتباط بك واحبك ويرغب في السعادة معك..
ان والدك يرفض الزواج مرة اخرى ويرى انه قد فات الاوان لاتخاذ مثل هذه الخطوة في حياته الان ويرفض في نفس الوقت القبول بإقامتك معه بعد الزواج ويعلل ذلك بأنه لايريد ان يستشعر طمع خطيبك فيه او فيك بمثل هذه الخطوة وهو تعليل لا احسبه صادقا فيه وانما اظنه ابا حكيما يريد لابنته ان تهنأ بحياتها بغير ان يؤثر عبء رعاية اب شيخ على حياتها او حياة زوجها استمرار لتضحيته السابقة من اجلها واعلاء لسعادتها على اعتباراته الشخصية ولعله يتحسب لما يمكن ان ينجم عن ذلك من مشاكل افتقاد الخصوصية سواء بالنسبة له او لزوجك ومادام الامر كذلك فانك تستطيعين الاستقلال بحياتك الشخصية عنه بعد الزواج دون ان يؤثر ذلك على قدرتك على رعايته والحدب عليه والاهتمام بأمره الا في اضيق الحدود وذلك بأن يتخلص خطيبك من شقته الجميلة الجاهزة ويستبدلها باخرى ملائمة في اقرب مكان من مسكن ابيك وحبذا لو كان في نفس العمارة التي يقيم فيها او في الجوار القريب منها وبذلك تتعاملين معه بنظرية الاقتراب عن بعد او الابتعاد عن قرب .. او وفقا لنظرية القنافد التي استشعرت ذات ليلة البرودة الشديدة فاقتربت من بعضها البعض لتشعر الدفء فأدمتها اشواكها فتباعدت عن بعضها البعض فاستشعرت البرد القارس فعادت للاقتراب بحكمة من بعضها البعض بحيث يتحقق لها الدفء ولاتؤذيها في نفس الوقت اشواكها.
والابنة المحبة العطوف لاتهجر اباها الوحيد حين تتزوج وتنتقل الى بيت زوجها وانما تحمل معها اليه همها بأمر ابيها اينما تكون وتستطيع ان تزوره كل يوم او يوما بعد يوم ولو لبضع دقائق تطمئن خلالها وتدبر له شؤون حياته وترعى امره وتشعره بوجودها بالقرب منه كما تستطيع كذلك ان تقضي عطلة نهاية الاسبوع مع زوجها معه وان تستقبله يوما او يومين في بيتها كل حين وان تدبر له من ترعى بيته خلال غيابها عنه وبوسائل الاتصال الحديثة تستطيع ان تتواصل معه كل ساعة وان هي الا شهور واعوام ثم تنجب له احفادا يشغلون كل وقته بأجمل الشواغل والاهتمامات.
والزوج المحب العطوف يتفهم بسولة حرص زوجته على البر بأبيها الشيخ الوحيد الذي كرس حياته لرعايتها ورفض ان يتزوج بعد امها ويعينها على ذلك راضيا ومستبشرا بزوجة تؤدي حق ابيها عليها بحب وعطف وعطاء ولو تكبدت العناء في سبيل ذلك ويتوقع منها ان تعينه بدورها على الوفاء بحق ابويه عليه وعلى تنشئة اطفالهما على البر والتقوى والاحسان للوالدين وصلة الرحم وكل القيم الدينية والاخلاقية السامية.
فاحسمى امرك يا انستي ولاتترددي في تحديد موعد الزفاف وفي جني ثمار الحب والسعادة والوفاء.. وثقي من ان اباك سيشقى بوحدتك اذا اضعت فرصتك في السعادة ولن يهنأ بأيامه وهو يشعر انه قد حرمتك الاقدار الاليمة من قبل من عطف الام وحدب الاهل عليك ولسوف تزداد سعادته ويتجاوز عناء وحدته المؤقتة في بداية الزواج كلما لمس توفيقك في حياتك الزوجية وسعادتك بها بإذن الله.