بريد الجمعة :
عبدالوهاب مطاوع
غراس الحب
تابعت سلسلة الرسائل التي نشرت عن العلاقة بين الأبناء والآباء والأمهات بعد الانفصال، وواجب الآباء والأمهات في ألا يفسدوا مشاعر ابنائهم على الطرف الآخر مهما تكن مرارة التجربة معه، حرصا على أن ينشأ هؤلاء الأبناء أسوياء وألا يدفعوا ضريبة سوء العلاقة بين الأبوين، وقد قررت أن أكتب إليك بتجربتي لأطلعك على الجانب المشرق السوي للعلاقة بين الطرفين المنفصلين ومصلحة الابناء بينهما.
فأنا سيدة تزوجت وعمري 21 عاما ولم يطل عمر زواجي إذ كان زوجي - سامحه الله - شديد القسوة عليّ جسديا ومعنويا حتى انني فكرت جديا في الانتحار لولا خوفي من الله سبحانه وتعالى.. ثم طلقني غيابيا بعد عامين من الزواج وعمري 23 عاما وفي يدي طفل صغير.. وكانت صدمة كبيرة لي إذ انني كنت قد قطعت دراستي وتوقفت عنها.. فرفعت يدي الى السماء ودعوت الله ان كنت قد ظلمته ان يقتص له مني، وان كان قد ظلمني ان يعينني ربي على امري وينصرني.
وبالفعل فلقد أعانني الله سبحانه وتعالى، واقبلت من جديد على استذكار دروسي وواصلت دراستي حتى حصلت على شهادتي وتقدمت في عملي، ورعيت الله في ولدي فلم أذكر اباه أمامه مرة واحدة بأي إساءة ولم أحاول تشويه صورته لديه، وحرصت على الصلة بينه وبين ابيه باستمرار، ورحبت بكل مرة اراد والده فيها أن يأخذه للاقامة لديه لأيام أو لساعات أو للخروج معه، فكانت النتيجة ان صفت مشاعر طفلي لابيه كاملة، ولم يشعر والده في أي يوم بأن الطفل قد سمع مني أو من أهلي أي شيء لا يرضيه، وواصلت حياتي وعملي ورعايتي لطفلي سبع سنوات كاملة صابرة ومحتسبة ثم رزقني الله بزوجي الحالي الذي لا أملك إلا أن أشكر ربي عليه في صلاتي، فهو نعم الزوج والحبيب والصديق وهدية السماء لي، وبعد اتمام زواجي أراد والد طفلي ان ينتقل ابني الى حضانته بالرغم من ترحيب زوجي به فاثرت مصلحة الولد على عاطفتي كأم ورأيت أن مصلحته بالفعل في وجوده مع والده ووافقت بلا مشاكل على انتقاله لرعاية ابيه، ولانني لم أحرم اباه منه وهو في حضانتي فإن اباه بالمثل لم يحرمني منه بعد انتقاله لرعايته، وقد اتفقنا على ان نصنع منه انسانا سويا لا يحقد على الآخرين ولا يشعر بأي نقص في حياته خاصة، وان والده قد تزوج من سيدة فاضلة تحب ابني وترعاه، وهكذا خرج ابني من انفصال ابويه بأقل الخسائر الممكنة، ولو رعى كل أم وكل أب أبناءهم وحرصوا على معنوياتهم وابعادهم عن خصوماتهم لما حمل الابناء في نفوسهم الحقد والضغينة لأحد أبويهم كما يفعل البعض الآن، ولاعجب في ذلك لأن ممن يزرع الشوك لا يجني الا الشوك.
ولكاتبة هذه الرسالة أقول: ان أحسنتم أحسنتم لأبنائكم.. وان أسأتم أسأتم لهم، وقصتك خير مثال على ذلك يا سيدتي، فلقد اخترت الاحسان الى طفلك بعدم الاساءة الى ابيه لديه، والحرص على عدم تشويه صورته في مخيلته وإعفائه من التمزق بين ما يسمعه من الأم أو أهلها عن أبيه وما يلمسه منه أو تدفعه اليه فطرته كابن، وكل ذلك لو حدث لكان حريا بأن يقدمه في الحياة انسانا مشوها نفسيا، يعاني المرارة أو يفقده على الاقل الصدق الإنساني منذ الصغر حين يجد نفسه مضطرا لإظهار غير ما يبطن من مشاعر تجاه أحد الأبوين لاحتياجه المادي أو المعنوي إليه.
كما انك قد اخترت أيضا العدل في التعامل مع حق ابيه في الاتصال بابنه وزيارته لقضاء الأوقات السعيدة معه، وترفعت عن الأنانية الشخصية في علاقتك به وسلمت لما تقتضي به الشريعة السمحاء من أحقية الاب في ضم ابنه اليه إذا تزوجت أمه، فانتقل طفلك الى حضانة ابيه بلا نزاع ولا لدد في الخصومة فكان ان تعامل هو أيضا معك بالعدل وحرص على صلتك بطفلك وهو في كنفه.
كما حرصت أنت من قبل على صلته بأبيه وهو في رعايتك.
ونجا ابنكما من القدر الأكبر من الآثار السلبية لانفصال الأبوين على الابناء الحائرين وأعانكما على ذلك فهم كل منكما لحقوقه وواجباته الإنسانية والدينية تجاه طفله وتجاه الطرف الآخر، فكان حقا على السماء أن تعينكما على هدفكما المشترك في رعاية هذا الابن وتجنيبه أشواك البغضاء والكراهية والتشوهات النفسية، فغرست الرحمة به في قلب زوجة ابيه الفاضلة، وتشمل طفلك بعطفها ورعاية ابيه وحنان أمه ولا عجب في ذلك ولا غرابة ياسيدتي و هل جزاء الإحسان إلا الاحسان (60 الرحمن).