بريد الجمعة :
عبدالوهاب مطاوع
البحر الهائج
أنا شاب في الثالثة والثلاثين من عمري، نشأت في أسرة مكونة من أب وأم وثلاث شقيقات يكبرنني في السن، أما أمي فهي سيدة قروية غاية في الطيبة والتدين وحسن الخلق، وأما أبي فهو شخصية مثقفة اكتسب خبرته وثقافته من أسفاره العديدة، حيث كان يعمل فنيا على البواخر التجارية التي ترسو كل يوم في ميناء من موانىء العالم، ومنها المدينة الساحلية التي نشأت فيها، وقد تفتح وعيي للحياة وانا في العاشرة من عمري فوجدت أبي يسافر كثيرا ويجوب العالم على السفن التي يعمل عليها فيمكث في كل رحلة عدة شهور ثم يعود حاملا من خيرات الدنيا ما يستطيع ان يحمله من أجهزة كهربائية وملابس وهدايا ولعب وخلافه فتعم الفرحة ارجاء البيت كله، بل وتمتد ايضا الى بيوت الجيران الذين اعتادوا ان يأتوا الينا لتهنئة أبي بالوصول وأخذ ما يعطيه لهم من هدايا.
ويبقى أبي معنا شهرا أو اكثر قليلا يكون قد انفق فيه كل ما معه من نقود وباع ما باع من الاشياء التي احضرها معه من الخارج كالأجهزة الكهربائية مثلا، وما ان يفعل ذلك حتى يستعد مرة اخرى للذهاب في رحلة اخرى على سفينته التجارية.
نستعد مرة اخرى لكي نحيا انا وشقيقاتي وأمي دون والدنا وتستعد امي لتحمل عبء تربيتنا بمفردها من جديد ومتابعة دراستنا في مراحل التعليم المختلفة.
وعلى الرغم من انني كنت الابن الوحيد بين ثلاث بنات وانا اصغرهن فلم اكن طفلا مدللا ابدا وكنت على العكس من ذلك - طفلا مهذبا هادىء الطباع مجتهدا في دروسي.
وبعد عدة شهور رجع أبي كعادته محملا بالهدايا وحاملا الينا مفاجأة رائعة هي انه قد قرر البقاء نهائىا معنا في مصر دون سفر، وفرحنا انا وشقيقاتي كثيرا بذلك لكن والدتي لم تشاركنا الفرحة لأنه بذلك قد انقطع مورد رزقنا ورحنا انا وشقيقاتي نرسم صورة مشرقة لحياتنا بعد بقاء والدنا معنا وتصورنا وضعنا الجديد بعد لم شمل الأسرة ولم نفكر مطلقا في المستقبل وما قد يحمله لنا من مفاجآت.
بقي أبي في المنزل دون عمل لمرضه وبحثت شقيقتي الكبرى عن عمل فوجدته بأحد النوادي العائلية على كورنيش مدينتنا الساحلية واثرت شقيقتاي الوسطى والصغرى تكملة تعليمهما واسرعت انا ابحث عن عمل - وانا ابن العاشرة - فوجدت لي شقيقتي الكبرى - التي كانت قد حصلت على دبلوم التجارة - عملا لدى احد محلات بيع الثلج والذي يقوم بتوريد الثلج الى النادي الذي تعمل به، وقد اضطررنا لذلك لان والدي لم يدخر قرشا واحدا لمثل هذا اليوم الذي ستتقدم به السن ويعجز عن تحمل عمله على السفن وهكذا اضطررت انا للخروج الى ميدان العمل وانا في العاشرة من عمري وعملت لدى بائع الثلج ورحت أحمل على يدي وصدري ألواح الثلج طوال اشهر الصيف بدلا من أن العب مع أبناء الجيران لأبدد عناء المذاكرة طوال العام بالاستمتاع بأجازة الصيف مثل قرنائي، وكنت احمل الجنيهات الخمسة التي اتسلمها كأجر اسبوعي، واجري لأشتري ما استطيع شراءه من طلبات المنزل، واضع ما يتبقى منها في يدي والدتي لتشتري ادوية لوالدي وتصرف على المنزل مستعينة براتب شقيقتي الكبرى.
ولم يتنازل أبي - للأسف ابدا عن مستوى المعيشة الذي اعتاد عليه خلال سنوات سفره وكسبه بغير حساب. وكان يمثل ذلك وحده عبئا كبيرا علينا. وعلى مصروف المنزل، كما كان ايضا سببا اساسيا في المشكلات التي تفجرت بين والدي ووالدتي التي رأت انه يجب ان نغير من عادات انفاقنا ليتفق مع وضعنا المادي الجديد، ودخلنا البسيط للغاية.
انقضت اشهر الصيف، وبدأت المدارس تفتح أبوابها، وبدأت أعاني كحة غريبة تستمر معي طوال اليوم ولا تغيب عني الا ساعات قليلة بسبب الثلج الذي كنت احمله على صدري طوال اشهر الصيف، وذهبت الى الاطباء وسمعت تشخصيات مختلفة منهم، كل منها يصيبني بالرعب ولكن فضل الله كان عظيما فما هي الا اسابيع قليلة حتى شفاني الله عز وجل من هذه الكحة الغريبة التي كادت تقتلني وحمدت الله تبارك وتعالى على ذلك ومضى العام الدراسي بسلام وكنت فيه مثالا للتمليذ المجتهد الذي يعجب به كل مدرسيه، وبدأت شقيقتي الكبرى تبحث لي عن عمل جديد بعيدا عن بائع الثلج، فوجدت لي هذه المرة عملا لدى احد تجار المواد الغذائية بالجملة.
وبدأت عملي لدى هذا التاجر، وكان عملي منحصرا في كنس ومسح المحل وغسل سيارة صاحب العمل وتوصيل الطلبات للعملاء بعربة يد أدفعها امامي واديت عملي بجد واخلاص رغم صغر سني، وأدى اجتهادي في عملي الى كسب حب صاحب العمل، فزاد مرتبي الاسبوعي وقربني منه بعد ان عرف قصتي بالتفصيل وراح يعاملني وكأنني ابن من ابنائه.
ورحت اعمل وابذل كل ما في وسعي لنيل رضا صاحب العمل اكثر واكثر، واخذت الأظفار الناعمة تخشن يوما بعد يوم، ويمر العام الدراسي بسرعة البرق، وتأتي الاجازة الصيفية واذهب مجددا الى عملي الذي احببته برغم عنائه ومشقته، وطول ساعاته التي تمتد الى خمس عشرة ساعة في اليوم، لم يكن يهونها علي سوى عطف صاحب العمل واشفاقه علي وعلى أحوالي وإعطائي ما تجود به نفسه بخلاف راتبي الاسبوعي تقديرا منه لظروفي العائلية، بل كان يصطحبني ايضا مع ابنائه في عطلة نهاية الاسبوع لأروح عن نفسي عناء العمل طوال الاسبوع.
ومرت السنون هكذا، وتخرجت شقيقتي الوسطى في أحد المعاهد الفنية، وعملت في مدينة تبعد عن مدينتنا، واستقلت بحياتها هناك براتبها البسيط الذي يكفيها بالكاد وواصلت شقيقتي الصغرى دراستها في احد المعاهد الفنية ايضا، وكنت وقتها قد بلغت السنة الثالثة من التعليم الثانوي.
وازدادت ظروف الحياة قسوة مع تقدمنا في العمر واستمرار مرض والدي وزيادة مصاريف الحياة اليومية واصبحت المسؤولية علي أكبر بعد أن تزوجت شقيقتي الكبرى وتفرغت لبيتها وزوجها دون عمل وانقطع بذلك مورد اساسي من موارد حياتنا.
وحين حدث ذلك قررت ان اعمل طوال العام وليس في الاجازة الصيفية فقط حتى استطيع ان اتحمل المسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتقي، وفعلت ذلك وكنت انظر الى زملائي في المدرسة الذين يهربون من المدرسة ويذهبون الى السينما في الحفلات الصباحية وأرى نفسي ذاهبا الى العمل وليس الى السينما واحمد الله ان جعلني رجلا اتحمل مسؤولية اسرة بكاملها برغم صغر سني.
وزاد راتبي خلال هذه السنوات ولله الحمد عدة مرات بفضل الله وبفضل صاحب العمل الذي كان يعطف علي كثيرا، وكنت ارد له الجميل بالعمل الجاد والمخلص والامانة المتناهية في العمل حتى راح يعتمد عليّ في الكثير من اعمال المحلات التي يمتلكها خلال السنوات التي قضيتها معه.
واقترب موعد امتحانات الثانوية العامة فجلست في المنزل قبلها بشهر واحد حتى اتمكن من استذكار دروسي التي لم اتمكن من تحصيلها طوال العام وكان صاحب العمل اكرمه الله- يرسل لي طوال هذا الشهر راتبي الاسبوعي الى المنزل مع احد زملائي في العمل وكأنني اعمل معه بالضبط لكنني لم اتمكن للاسف من النجاح لقلة تحصيلي خلال الفترة القصيرة التي ذاكرت فيها ورسبت لاول مرة في حياتي الدراسية وبعد ان كنت مجتهدا طوال السنوات السابقة واعتزمت ان ابذل كل جهدي في العام التالي لأنجح بل ولاحقق ايضا مجموعا كبيرا يؤهلني للالتحاق بكلية الهندسة التي كانت تمثل لي حلم حياتي.
وبالفعل عملت طوال العام وجلست في المنزل هذه المرة قبل شهرين من الامتحان وذاكرت بكل ما اوتيت من قوة ونجحت وحصلت على مجموع كبير ولله الحمد واصبح حلم كلية الهندسة قاب قوسين او ادنى منى لكني فوجئت بان مجموعي تنقصه ثلاث درجات فقط لكي يمكنني ان ادخل كلية الهندسة.
وحمدت ربي على كل حال على الرغم من حزني لتبدد حلم حياتي.
والتحقت باحدى الكليات النظرية التي كنت اكرهها قبل ان ادخلها وقبل ان ارى مبانيها او اطلع على مناهجها ولكنه ما باليد حيلة وشاء الله سبحانه وتعالى ان يهون عليّ ما انا فيه من حالة نفسية سيئة وتحضر اختى الوسطى من المدينة التي تعمل فيها وتبشرني بانها قد حصلت على عقد عمل باحدى الدول العربية براتب كبير ودفعني ذلك لان اتقبل الامر الواقع الخاص بكليتي وان اهتم بدروسي ومذكراتي خاصة ان شقيقتي الوسطى ستتحمل المسؤولة عني على الاقل لحين انهائي الجامعة ثم اخذ الراية منها من جديد.. وسافرت شقيقتي بالفعل وتحملت المسؤولية وحدها طوال عام كامل ورجعت بعده فتعرفت على احد الشباب ورغبت في الزواج منه وسألت عنه فوجدته غير مناسب لها بالمرة ولكنها اصرت عليه وعارضتني بشدة وانهت اجراءات العقد واجلت الزواج لحين سفرها لعملها ومحاولة احضار عقد عمل لزوجها ليلتحق بها وفعلت ذلك بالفعل وتوقفت منذ بداية سفر زوجها عن ارسال اي نقود لنا بايعاز من شريكها فاضطررت الى العودة الى العمل مرة اخرى لدى صاحب المحلات طوال العام واهملت دروسي وبالتالي رسبت لعدم تفرغي للكلية وعدم حضوري للمحاضرات.
وتحملت مسؤولية الاسرة مرة اخرى بعد ان تخلت شقيقتي الوسطى عنها بسبب زواجها وكانت مفاجأة زوجها لها على زواجها منه وتسفيره الى البلد الذي تعمل فيه بل وشراء اثاث المنزل كله على حسابها وشراء سيارة له فور سفره اليها مباشرة هو ان ضربها واهانها وظهر على حقيقته التي حذرتها منها واكثر من ذلك انه كان يجلس في المنزل وتعمل هي بمفردها وتتحمل مسؤولية البيت والاولاد الذين انجبتهم منه برغم الضرب والشتم وسوء المعاملة.
اما في بيتنا فقد ساءت العلاقة بين والدي ووالدتي كثيرا وازدادت المشكلات بينهما واصبحت شبه يومية ووجدت شقيقتي الوسطى ذات يوم ترسل اليّ طالبة منى ان اوافق على سفر والدتي اليها لانها تعمل ولا تجد من يرعى اولادها خلال ساعات عملها فتحفظت في البداية على هذا الطلب لمعرفتي بطباع زوجها وسلوكياته ثم وافقت لكي اضع حدا للمشكلات شبه اليومية بين ابي وامي وعسى ان يتحسن وضع زوج شقيقتي على يد امي.
سافرت والدتي الى شقيقتي الوسطى وتحولت مشكلات والدي الى شقيقتي الصغرى واسفرت ذات مرة عن طرد ابي لي ولشقيقتي من المنزل ولم نجد حلا سوى ان ارحل مع شقيقتي الصغرى لنقيم في غرفة متهالكة وفرها لي احد زملائي بالجامعة في منزل شبه منهار بايجار زهيد وكانت شقيقتي الصغرى مخطوبه في هذه الاثناء فلم اجد بدا من الاسراع في زواجها لكي نتخلص من الوضع الذي نواجهه ولكن كيف لها بالزواج وظروفنا المادية لاتخفى على احد.
لقد عرضت على شقيقتي الوسطى ان اسافر للعمل في البلد الذي تعمل به لعدة سنوات اعتذر خلالها عن عدم دخولي الامتحانات بالجامعة على ان اكمل دراستي بعد زواج شقيقتي فقبلت على الفور هذه الفكرة برغم انني كنت في المرحلة الثالثة في الجامعة ولم تبق امامي سوى سنة واحدة لانهاء الدراسة
وعلى الرغم من بعدي عن منزل والدي فاني لم انسه وكنت ازوره واحمل له الطعام والشراب والدواء وانظف له منزله مرة كل اسبوع على الاقل واحمل ملابسه المتسخة وأغسلها وارجعها له نظيفة مرتبة وكان يقدر لي ذلك جدا برغم ما بيننا من خلاف في حين انقطعت عنه شقيقاتي بسبب طردنا من المنزل.
وفكرت في ارجاع والدتي مرة اخرى الى مصر قبل سفري لكني خشيت ان تحدث مشكلات بينها وبين والدي خلال غيابي ففضلت بقاءها مع شقيقتي الوسطى واصلحت بين شقيقتي الكبرى والصغرى وارجعت الاخيرة الى منزل اختها لتستقر معها لحين زواجها.
وسافرت بالفعل وما هي الا ايام قليلة مكثتها في منزل شقيقتي الوسطى حتى اكرمني الله عز وجل على يد شقيقتي بعمل باحدى المؤسسات الصغيرة رحبت به وطلبت من صاحب العمل تدبير مسكن لي مع الموظفين الاخرين ايضا لاهرب من اقامتي مع شقيقتي وزوجها وازدادت المشكلات كثيرا بين شقيقتي وزوجها حتى اضطررت ذات مرة الى ان ارحل بوالدتي بعيدا عنهما بعد ان اتهم زوج شقيقتي والدتي بأنها السبب فيما يحدث من مشكلات بينه وبين زوجته واعدت والدتي الى مصر واكملت عاما في الغربة بصعوبة ورجعت لمصر لازوج شقيقتي الصغرى بعد ان ساعدتها شقيقتي الوسطى بمبلغ من المال دون علم زوجها وتزوجت شقيقتي الصغرى بعد ان تحملت الكثير من الديون على عاتقي واستعددت لسدادها من عائد عملي وقبل ان ارجع لعملي بايام رشحت شقيقتي الكبرى ابنة الجيران لكي ارتبط بها قبل سفري فتقدمت لخطبتها ووجدتها فتاة غاية في الجمال والادب والكمال والاحترام والالتزام وعقدت النية على الارتباط بها برغم قسوة احوالى المادية وبعد سفري مباشرة علمت بوفاة والدي الذي اشتد به المرض في الفترة الاخيرة وحزنت كثيرا على والدي وتألمت لفراقه وكان عزائي الوحيد هو انني قد وقفت بجانبه طوال حياته وحتى مماته واقامت والدتي لدى شقيقتي الكبرى بعد وفاة والدي وتحملت انا نفقاتها ونفقات شقيقتي الكبرى ورحت اسدد الديون التي تراكمت عليّ بسبب زواج شقيقتي الصغرى ومرت اربع سنوات وانا اعمل بكل جهد واخلاص واتنقل من عمل الى عمل اخر بحثا عن الافضل وعن الراتب الاعلى حتى اتمكن من الالتزام بما عليّ من مصاريف تجاه اسرتي وتجاه زواجي الذي طالت مدة الاعداد له كثيرا، ونجحت بعد هذه السنوات الأربعة في أن أتزود بما استطعت ان اشتريه من اثاث واجهزة وشقة متواضعة وارسلت بعد زواجي مباشرة الى زوجتي فلحقت بي فكانت بشير السعد بالنسبة لي وانتقلت الى عمل جديد أفضل وازداد راتبي ولم تمض إلا أشهر قليلة حتى بشرتني زوجتي بأنها تننتظر مولودنا الأول، وبعد أيام جاءت البشرى أيضا بأنني اصبحت مديرا في عملي متجاوزا بعملي واخلاصي وامانتي من هم أقدم مني بكثير في العمل واستقبلت أول مولودة لنا وكانت أجمل طفلة رأتها عيناي ولم أجد أصدق من اسم جهاد لكي اطلقه عليها لأنه يعكس ظروف حياتي، وشعرت بالسعادة والرضا، لكن الكدر لم يلبث أن تسرب الي مع خبر طلاق شقيقتي الكبرى فقد احتدمت المشكلات بينها وبين زوجها وانتهى الأمر بطلاقها وتقدم اليها آخر رغبت هي في الزواج منه واعترضت عليه فلم تأبه لمعارضتي برغم وقوفي معها وبجوارها هي وأولادها طوال خمسة عشر عاما منذ بداية زواجها وحتى طلاقها وكانت هذه نقطة فاصلة بيني وبينها وما هي إلا سنة أخرى وجاءني خبر طلاق شقيقتي الصغرى التي ضحيت بكل شيء من أجل زواجها وقد فرطت هي فيه بكل سهولة وطلبت الطلاق من زوجها بعد ثلاث سنوات فقط من زوجهما لاختلاف الطباع.
لقد كان حلم حياتي ان ادخل بيت كل شقيقة من شقيقاتي فأقابل فيه بالترحاب والفرحة فإذا بي أحرم من دخول بيت شقيقتي الوسطى لسنوات اظنها ستطول واحرم من دخول بيت شقيقتي الصغرى بسبب طلاقها وتتزوج شقيقتي الكبرى على غير ارادتي، وترفض أن تنقطع لأبنائها بعد طلاقها، كما كنت اريد، لقد خيبت كل شقيقاتي أملي فيهن جميعا ووالدتي لا حول ولا قوة لها ولا تستطيع ان تؤثر على أي واحدة منهن بل انني أجدها في كثير من الاحيان متعاطفة معهن بسبب أو بدون سبب بدعوى انهن فتيات لا أحد لهن.
وفي وسط هذه الأحزان لاحت نقطة ضوء جديدة حين اخبرتني زوجتي انها حامل في طفلنا الثاني وطرت من الفرحة بالخبر السعيد، وجاءت اللحظة الموعودة فإذا بطفلنا يجيء الى الحياة بثقب في القلب ولا يعيش سوى يوم واحد ويتوفاه الله ثالث أيام عيد الفطر المبارك واخفيت على زوجتي الخبر خلال فترة وجودها بالمستشفى بعد العملية القيصرية التي اجريت لها وتحملت مرارة الصدمة بمفردي، وخرجت زوجتي من المستشفى واخبرتها بالخبر الحزين وكان ما كان منها وازدادت الاحزان بالمنزل حتى اصبحت الضغوط عليّ وكأنها جبال فأصبت بحالة نفسية سيئة للغاية شعرت معها بالاكتئاب والحزن العميق وخضعت للعلاج النفسي ومازلت حتى كتابة هذه السطور لقد اطلت عليك كثيرا، ولكن هذه الكلمات التي سطرتها لك مجرد سطور من حياتي التي تحتاج الى مجلدات لكي اكتبها مفصلة دون اختصار فكل سطر فيها اظن انه يحمل من مشاعر الحزن والعناء والمشقة بل والمرارة الكثير.
ان الكلمات ستظل عاجزة عن التعبير عما يجيش في الصدر من مشاعر واحاسيس فمشواري الآن مع الحياة الذي امتد ثلاثة وثلاثين عاما كانت منه ثلاثة عشر عاما اظنها كلها عناد ومشقة ومرارة حتى الآن ولم يتخللها سوى لحظات سعادة وهناء قليلة.
انني أشعر انني اضعت حياتي كلها دون فائدة فأسرتي لا أجد فيها ما كنت احلم به من لم الشمل وحسن علاقة شقيقاتي بي وحسن تذكرهن لما ضحيت من أجلهن.
والحالة النفسية التي امر بها حاليا لا توصف فقد أصبحت الدنيا مظلمة في وجهي الى أبعد الحدود، ولا أعرف ما إذا كنت محقا في كل هذا أم انني قد ضخمت الأمر كثيرا، انني في أمس الحاجة الى ردك لعلي أجد فيه البلسم الشافي لحالتي ولحالة كثيرين اظنهم عاشوا نفس ظروفي.
ولكاتب هذه الرسالة أقول: لو استرجع كل إنسان أحزانه القديمة، وكل ما شهدته رحلة حياته من عناء وآلام وغدر وجحود وفشل وهزائم وانكسارات وتجمد عند موقف الرثاء للنفس هذا وحده دون أن يتجاوزه للإحساس بالرضا عن صلابته التي مكنته من اجتياز كل تلك الأهوال والصعوبات حتى بلغ لحظة التأمل هذه لرشح الإنسان نفسه على الفور للاكتئاب المرضي، ولضعفت استجابته لمؤثرات الحياة الايجابية وأفسد على نفسه الاوقات الثمينة التي يحق له فيها ان يستشعر الأمان بعد طول العناء بل وتعذر أيضا على الكثيرين ان يرددوا كلمة شاعر شيلي الكبير بابلو نيرودا حين كتب مذكرته وروى ما شهدته حياته من لحظات السعادة والألم والانتصارات والهزائم فاختتمها بقوله: اشهد انني قد عشت!
يقصد انه قد عاش حياة حافلة هو راض عنها مهما حملته اليه الرياح خلالها وما استطاع كثيرون كذلك ان يقولوا ما قاله الفيلسوف الألماني حين استرجع وهو في مرض الموت رحلة حياته بكل ما شهدته من احداث واحزان وانتصارات وصراعات ثم تمتم.
قائلا: هذا حسن!
ذلك ان الحياة لم تكن ابدا ترنيمة بهيجة من بدايتها حتى نهايتها وانما كانت وسوف تظل مزيجا متعادلا السعادة والشقاء فإذا كان هناك مَنْ لا يتعادل مزيج الحياة لديهم فتكون احزانهم طويلة وافراحهم قليلة، فهؤلاء هم من نطلق عليهم تعبير ابطال الحياة لانهم يقودون غالبا سفينة العمر وسط بحر هائج مضطرب بالصعاب والعقبات، ويغالبون اقدارهم ويكافحون كفاحا مريرا من أجل البقاء غير ان هؤلاء أيضا هم أحق البشر بأن يعتزوا بصلابتهم وصمودهم أمام اعتى التحديات دون ان يفقدوا تفاؤلهم بالغد الأفضل، وايمانهم بأنفسهم وبحقهم العادل في أن ينالوا ذات يوم السعادة وكل طيبات الحياة.
وأنت يا صديقي واحد من هؤلاء بغير جدال، فلقد ابليت بلاء حسنا في صراعك المرير مع الحياة.
وبدأت ملاحتك الصعبة في بحر الحياة وسط أصعب الظروف حتى لتنطبق عليك كلمة أمير القصة انطون تشكيوف حين قال عن نفسه: في طفولتي.. لم تكن لي طفولة!
وكل ما في الأمر هو أنك تمر الآن بحالة ضعف نفسي طارئة بسبب حزنك على وفاة وليدك وحداد زوجتك عليه والجو الثقيل الذي يخيم على حياتك العائلية حاليا والجسم البشري إذا ضعف سهل غزوه بالأمراض، وكذلك النفس فإنها حين تضعف يسهل غزوها بالاكتئاب والاحزان والشعور بالاجحاف وافتقاد التقدير.
والحزن على فراق الاعزاء أمر طبيعي ولكل حزن من احزان الحياة فترة حضانة يرعى خلالها الإنسان حزنه، ويتحمل لهيبه صابرا الى أن يهدأ ويخمد، ويستقر لكنه إذا طالت فترة الحزن هذه عن المعدل الطبيعي وبغير ان تخف حدته أو يستعيد الإنسان تفاعله مع الحياة فإنه يتحول الى اكتئاب مرضي يتطلب علاجا نفسيا متخصصا، واحسب ان هذا هو ما تواجهه الآن، ولو أنك حاولت ان تنظر الى الجانب الآخر من الصورة لرأيت انك قد خضت معركة بطولية من أجل البقاء والصمود أنت وأسرتك وبلغت سفينتك في النهاية مرفأ الأمان، واستقرت أحوالك المادية بعد طول العناء واستقلت كل شقيقة من شقيقاتك بحياة.. وتزوجت أنت ونعمت بالسعادة والوفاق مع شريكة حياتك وبإنجاب طفلة جميلة ستكون رحلتك في الحياة أقل عناء من رحلتك معها بإذن الله، ورحل والدك عن الدنيا وهو عنك راض.
كما أن شقيقاتك جميعاً وعلى خلاف ما يبدو لك في الظاهر لابد أنهن يقدرن لك صراعك مع الحياة منذ الصغر لحماية أسرتهن من الضياع ويحملن لك بالضرورة أنبل المشاعر، لكن عرفانهن لك بما قدمت لهن ولأسرتك لا يقتضي منهن أبداً كما تتصور أن يتنازلن لك أنت عن حقهن في اختيار حياتهن وهن الراشدات القادرات على اتخاذ قراراتهن المصيرية لأنفسهن، كما أنهن جميعاً يكبرنك في السن فإذا اعترضت على اختيار إحداهن لشريك حياتها ولم تقتنع برأيك ومضت إلى الارتباط به، فليس في ذلك جحود لك أو تمرد عليك حتى ولو أثبتت تجربتها معه فيما بعد بُعد نظرك لأنه مجرد اختلاف في وجهات النظر وزاوية الرؤية لا ينبغي له أن يفسد للود بينكما قضية، ولا شأن له بأفكار سابق عطائك لها وإذا أرادت أخرى الزواج مرة ثانية بعد انهيار زواجها الأول ورغبت أنت في أن تعزف عن الزواج لكي تتفرغ لأبنائها من زواجها السابق فلا يعني ذلك أيضاً أن تستشعر المرارة تجاهها والجحود من جانبها، لأنها أعلم باحتياجها الإنساني للزواج، وأقدر على تقدير احتمالها للصبر على الوحدة منك.
ولست في النهاية تملك لهن إلا النصيحة والمشورة المخلصة، عملن بها أم لم يعملن.. ومن واجبك أن تستمر في أداء دور الأخ الأكبر لهن حتى ولو كن يكبرنك جميعاً لأنك رجل الأسرة من بعد أبيك فتجاوز عما تعتبره جحوداً من جانبهن لكفاحك المرير من أجل الأسرة وتضحياتك لها، وتقبل ماتسمح به طبيعة كل منهن وثق بأنك حين تفصل بين وفائهن لك وما تتصوره أنت أن من واجبهن أن تكون لك الكلمة العليا في مصائرهن، سوف تتفتح لك قلوب شقيقاتك على مصاريعها، وسوف تلقى في بيوتهن كل الترحيب والاحتفاء والعرفان، فلا تفسد على نفسك أوقاتك باجترار الأحزان القديمة، توهم جحود الشقيقات.. واعلم دائماً أن جنة الأرض هي في اطمئنان القلب والنفس وراحة البال واستشعار الرضا عما قدمه الإنسان للحياة حتى ولو كان ما ناله منها مازال قليلاً.. أو أقل القليل.. وشكراً