بريد الجمعة :
عبدالوهاب مطاوع
الأخطبوط القاتل
أكتب لك لأرد - في ضوء تجربتي المتواضعة - على شكاوى الأزواج، خاصة من كبار السن الذين يشكون اهمال زوجاتهم لهم وانشغالهن عنهم، ولأكشف لك جانبا من نفسية المرأة لا يعرفه أو قد يتجاهله جميع الرجال، فأنا زوجة وأم في بداية الأربعينيات وزوجي يكبرني بثلاث سنوات، وقد اخترته بعقلي اختيارا سليما يتوافر فيه القبول والاستلطاف والاقتناع به وبمستقبله واخلاقه ودينه وأهله اذ انهم اقرباء لنا.
اخترته وفضلته عن أكثر من خاطب ممتاز تقدموا إليّ في نفس الوقت بالرغم من انه لا تتوافر فيه صفات فتى الأحلام من حيث حرفة الكلام ومغازلة الفتيات وبرغم جمالي وشهادتي المرموقة وشخصيتي الجذابة التي جعلت الكثيرين يلهثون وراء خطبتي، فضلته عليهم لإحساسي بالأمان معه والاطمئنان اليه، الى جانب صفاته الأخرى، وكان كل ما طلبته منه قبل الخطبة هو ان يحبني ويغمرني بحنانه لأنني انسانة عاطفية رومانسية حالمة اتوق للحب والاشواق والعواطف واخبرته صادقة انه مادامت خطبتنا قائمة على العقل فإن لم يجد في نفسه القدرة على منحي المشاعر التي احتاجها وأتمناها فلا داعي للارتباط بيننا.
وتزوجنا بحمد الله منذ ثمانية عشر عاما ورزقنا الله بالذرية الصالحة وعشنا أياما سعيدة جدا كما مررنا ايضا بظروف صعبة للغاية، وكنت أعرف طوال الوقت انه يحبني ولكنه لايعبر عن حبه لي جيدا إلا في أوقات قليلة، فهو من هؤلاء الناس الذين لايبدو عليهم الانفعال أو الحماس او الغضب الا نادرا وهو انسان طيب جدا ورائع ويتحمل المسؤولية لأقصى درجة وان كان يسمح للناس باستغلاله ويضحى من اجلهم ولايلومهم اذا تخلوا عنه في احرج الظروف ولايغضب اذا عرفوه فقط لمصلحة عابرة، فإذا انتفت انفضوا عنه وتركوه يصارع ظروفه دون أي مساعدة الا بكلام لاينفع ولايضر، وللأسف فلقد كان أول من فعلوا ذلك معه هم أمه واخوته الذين شملهم بحبه ورعايته في كل وقت، ولن اقص عليك تفاصيل ما حدث من مشاكل مالية مدمرة انهرت امامها وكدت اصاب بالمرض، ولكني لم اتخل عنه وساعدته بكل طاقتي في حين لم يكلف أهله انفسهم حتى بالاطمئنان علينا وكأن دورهم بالنسبة لابنهم هذا هو الأخذ فقط. وفي اثناء هذه المشاكل التي امتدت لسنوات لم يقدر لي ابدا وقوفي معه ولم يتعاطف معي حين كنت امر بحالات اكتئاب وانهيار، بل كان يتركني حتى بلا كلمة ولا مواساة لنفسي تماما حتى أهدأ وأحاول انتزاع نفسي من براثن المرض النفسي ولولا وقوف أهلي بجواري لبلغ بي الانهيار اقصى مدى ليس هذا فقط بل انني كنت اذا غضبت من موقف أهله معنا وتفوهت بأي كلمة عنهم يثور علي ثورة عارمة وهو الذي لايثور أبدا ويغفر لكل الناس اي شيء- وعنده احساس دائما انني أنا المخطئة في حق اهله ويعتقد انني لا احبهم وان كل ما اقدمه من ود لهم وسؤالي عنهم ومشاركتي لهم في جميع افراحهم واحزانهم ومشاكلهم انما افعل كل ذلك رغما عني او من وراء قلبي علما بانه لايطلب مني ان افعل ذلك وانما افعله من تلقاء نفسي، وتعبت من محاولة اقناعه انني اكن لهم ودا حقيقيا وانني ان غضبت منهم احيانا فإن ذلك نتيجة لافعالهم، فان الغضب والمشاكل بين الناس احيانا شيء طبيعي، هذا برغم اني اغضب منهم داخل بيتي فقط ولا أصارحهم ابدا بانني غضبت منهم أو انهم ضايقوني بشيء واعاملهم كأن شيئا لم يكن وبرغم تخليهم عنا في ظروفنا الصعبة فلم اقاطعهم ولم اخسر احدا منهم بل احتفظت دائما بحبهم واحترامهم. ولكن المشكلة انه لايعتقد انني صادقة في مشاعري تجاههم.
ما ذكرته هنا هو مشكلتي الثانية اما مشكلتي الأولى فهو انه في احيان كثيرة وعلى مدى سنوات زواجنا كان على فترات ينصرف عني ويتجاهل مشاعري واحتياجي اليه ويريد مني دائما ان اقدر ظروفه وان حاولت التقرب اليه افاجأ بعدم رغبته أو بادعائه التعب أو بعدم قدرته على الاستجابة لي فأخجل من نفسي واكاد اذوب خجلا ثم يأتي بعد ذلك يلومني لأنني لا اشجعه ولا أتودد اليه ويلومني على صوتي العالي احيانا مع الأولاد مثل كل الامهات ويتهمني احيانا اتهامات تمس كرامتي كأنثى واتهامات كثيرة جرحت مشاعري وآذتني.
وبعد ان كنت طيلة سنوات زواجنا وبحكم طبيعتي وشخصيتي احب الزينة والملابس الانيقة والعطور في البيت وحجرة النوم اصبحت اخجل منها، واصبحت امر اغلب الوقت بحالات اكتئاب الواحدة تلو الاخرى بسبب اهماله لي وعدم تقديره واتهاماته لي، وامر اغلب الوقت بحالات شديدة من الحرمان العاطفي - وكففت عن محاولات مناقشته أو افهامه لاحتياجي اليه أو اشعاره بمدى ما يسببه لي من حزن واكتئاب وحرمان برغم انني اراعي الله في ماله وفي نفسي وفي بيته وابنائه الذين اربيهم على الخلق والدين والعلم.
كففت عن المحاولات بعد ان تعبت ويئست وروضت نفسي خلال عدة سنوات على ان اتقبل نظام حياتنا الذي فرضه عليّ ولكي اخفف عن نفسي وطأة الحرمان فإني لا اشجعه بشيء واتركه حتى يشعر باحتياجه إلى فأبادله مشاعره بصدق وأقول لنفسي ان ما بيننا من اقتناع وتفاهم وبيت وأبناء اهم من اي مشاعر أو احتياجات.
وبرغم ذلك فمازال كل ما افعله لايرضيه ويتهمني بأنني لا أشجعه كما كان الحال زمان بالمرح والكلام والضحك ويتهمني بانني السبب في عدم التجديد في حياتنا وانني لا اشجعه على الخروج والتنزه أو ممارسة الرياضة او المشي معا علما بأنه مشغول في عمله 7 أيام في الاسبوع طيلة النهار والليل.
والحقيقة انني اصبحت لا اجد ما اقوله له ولا اشعر حتى بحماس لأن أسأله عن شيء يهمني وأصبح كل منا يقضي مشاويره وحده فلا يطلب مني مصاحبته ولا ارافقه على الخروج ان عرض على ذلك لأنها تبدو لي دعوة غير مخلصة واصبح كل منا ينام في طرف الفراش بعيدا عن الآخر، وفقدت حتى القدرة على محاولة تغيير ذلك - مع العلم انه يعتقد انه يبذل كل الجهد لانجاح حياتنا لمجرد انه في فترات متباعدة يدعوني ببرود وبلا اي انفعال للخروج معه أو لمجرد انه يدخل علينا محملا بالفاكهة ولوازم البيت احيانا او لمجرد تبادل علاقتنا الطبيعية حسب الظروف، واخيرا فإنني اتصور انه اذا تقدم بنا العمر فسوف انصرف عنه تماماً واقضي وقتي مع اهلي وصديقاتي بعد ان اطمئن على أبنائي، ولن تكون لدي القدرة على أن اقضي الوقت معه وأبادله احتياجاته واحترمها بعد ان عودني على غير ذلك واتصور انني سأهمله عندما يحتاج اليّ كما اهملني في شبابه وصحته وقوته.
فهل يدرك الازواج الذين يشكون اهمال زوجاتهم لهم في الكبر انهم هم الذين غرسوا بذور هذا الاهمال لدى زوجاتهم في الصغر؟.
ولكاتبة هذه الرسالة اقول: كان الأديب الفرنسي بلزاك يقول: يجب ان يكافح الزواج أخطبوطا يلتهم كل شيء هو اخطبوط التعود!.
وهذا صحيح فالتعود على شيء قد يفقده بعض بهجته لدى صاحبه.. وقد يشعره بأنه لايحتاج لأن يبذل جهدا اضافيا للحفاظ عليه.. وبعث الحيوية فيه لانه قد ألفه.. وأمن الخوف من احتمال فقده.
والانسان يحتاج دائما الى قدر من الخوف الايجابي على من يحب.. لأن هذا الخوف يدفعه للحرص عليه.. والاهتمام بأمره.. واشعاره بحاجته اليه من حين لآخر، وآفة بعض شركاء الحياة انهم قد يتعاملون بطول العهد مع شركائهم وكأنهم قضية مسلم بها وليس هناك مبرر لبذل المزيد من الجهد للحرص عليهم بعد ان ارتبطت حياتهم بهم ارتباطا وثيقا واصبح المصير واحدا.. غير ان الافضل دائما هو الا يستسلم شريك الحياة- رجلا كان أو امرأة- إلى هذا الاخطبوط الذي يكسب الانسان شيئا من الجمود العاطفي تجاه شريكه.. ويفقده الرغبة في تجديد علاقته به وبعث الحرارة فيها كلما خمد أوار لهيبها.. فالعلاقة الزوجية بل والعلاقة الانسانية بين اي طرفين بصفة عامة كمدفأة الحائط التقليدية تحتاج لأن يغذيها المرء دائما بالمزيد من قطع الخشب لكي يظل لهيبها متراقصا متأججا، وكما ان هناك كسلا عقليا قد يدفع الانسان الى الا يجهد عقله بالأعمال الذهنية التي تحتاج الى التفكير العميق والتحليل والاستنباط وصفاء الرؤية، فهناك ايضا نوع من الكسل العاطفي اذا استسلم المرء له ولم يخدره فانه يخمد همته عن محاولة بعث الحرارة في علاقاته بشريكه وعن بذل العرق لتجديدها.. وتغذية لهيبها كل حين.. فيفتر اللهب تدريجيا وينطفىء ويحتاج اشعاله مرة اخرى الى جهد جهيد. فإذا كنت ياسيدتي تعين اهمية ذلك فواصلي بلا كلل تغذية علاقتك بزوجك بالمزيد والمزيد من قطع الخشب.. ولا تستسلمي لليأس بدعوى أنه لايبذل جهدا مماثلا وانما حثيه على ان يشاركك الجهد والحرص على بقاء هذا اللهب متأججا للمصلحة المشتركة لكما معا ولصالح ابنائكما ايضا.. وطالبيه بألا يكتفي بالتعبير الصامت عن الحب وبادري انت كذلك بتقديم المثل له.. ليكتسب منك هذه السمة الايجابية ويعتادها كما اعتاد من قبل نمط حياته معك.
وبالجهد المتواصل يمكن اذكاء النار من الصخر كما يقول الفيلسوف الالماني نيتشه.. والسلام