بسم الله الرحمن الرحيم
_____________
العبقرية هي التغلب على العادات وتحطيم قيودها، والغباء والبلادة هما في السير في طريق العادات حتى يتحول الإنسان مع مرور الوقت إلى آلة يعمل وفق برنامج محدد لا يحيد عنه فيتبلد إحساسه وتموت انفعالاته وتخبو مشاعره ولا يعود لديه ما يمكن أن يشارك به الأحياء في عالمهم! يقول رولو ماي: "إن مشكلة الناس الرئيسية في العقد الوسيط من القرن العشرين هي مشكلة التيه، ولا أعني بقولي هذا فقط أن كثيرًا من الناس لا يعرفون ماذا يريدون. . وإنما هم كذلك في الغالب ليست لديهم فكرة واضحة بما يحسون"، وهذا ما يفرز العادة، فيصير الإنسان محكومًا بقانون الحياة من حوله، فيضيع في الزحام ويموت من قبل الممات، فلا يبقى له كيان يصارع من أجله. .!
ترى ما الدافع وراء اقتحام الشجاع ميدان القتال يبحث عن الموت في عقر داره؟ لماذا كان الصحابة الكرام ومن بعدهم ممن سار على طريقتهم لا يهابون قوة الموت ولا تؤثر فيهم سطوته، يحرصون عليه كما يحرص الجبان على الحياة؟ لأنهم لم يستسلموا إلى الحياة، ولم يعبأوا بالملذات والنعيم الدنيوي، ولم ينساقوا وراء العادات والتقاليد، فخرجت حياتهم عن المألوف، وسمت إلى الأفق الأرحب تبحث عما لا تقدر عليه القيود الحيوانية، فملكوا الدنيا وهم أبعد الناس عن شهواتها ووارف ظلالها فلم تستطع الحياة أن تثبت أقدامهم في موضع الحبس الحقير، قال أبو أيوب الأنصاري: نزلت فينا معشر الأنصار { وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}، وذلك أن الله تعالى لما أعز دينه ونصر رسوله قلنا فيما بيننا: إنا قد تركنا أهلنا وأموالنا حتى فشا الإسلام ونصر الله نبيه، فلو رجعنا إلى أهلينا وأموالنا فأقمنا فيها فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله تعالى {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}، فالتهلكة الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد، فما زال أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى كان آخر غزوة شارك فيها بقسطنطينية في زمن معاوية فتوفي هناك ودفن في أصل سور القسطنطينية.
إن العادة هي سر عبودية الإنسان لنفسه وأهوائه وشهواته، والرجل الحر يأبى أن تمتلكه العادات. . ولذلك تجده في حالة مستمرة من العمل والتفكير والبحث عن الجديد وتطهير نفسه من شوائب الأفكار المتوارثة، والتي لا تقوم على دليل صحيح من النقل ولا دليل صريح من العقل إلا أن قائلها فلان أو علان، ولأجل أن يصبح الإنسان حرًا بعيدًا عن القيود الأرضية جاءت آيات القرءان الكريم تحث على التفكر والاعتبار والنظر والسير في الأرض، وهذه حالة إن قام بها الإنسان لم يكن في حياته متسع لرتابة الحياة وبلادة الروتين وذل العادة. لو تأملنا قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق"، لعرفنا أن هذا الدين الحنيف عمل على تحديث النفس البشرية والرقي بها؛ حتى لا تكون أسيرة العادات و الملزات والراحه والكسل.
إن هذا الحديث العظيم يعطينا فهما عميقـًا للنفس البشرية، ويوضح لنا طرق علاج اصعب مشاكلها، فالذين يعانون اليوم من عادات ذميمة تاكل أعمارهم وتقضي على أوقاتهم وتفسد علاقاتهم يبحثون عن العلاج في كل مكان حتى إذا عادوا إلى بيوتهم عادوا بكميه كبيره من أدوية تخدر الجسد وتغيب العقل وتتناول الداء من أطرافه دون أن تتعمق لتصل إلى الجذور. . .
هذا الحديث الكريم، يحدثنا عن قاعدة نفسية مهمة لمن يريد تغيير عاداته الذميمة، ألا وهي: كثرة التحدث عنها مع النفس، وتصور الحال بعد التطهر منها، حتى تكون صورة الخلاص متمثلة في النفس في حال يقظتها ومنامها، فإذا ما أقدمت على العادة تفعلها أصابها ما يصيب الإنسان يمسك سلكًا مكشوفًا يصعق بتياره الكهربائي. . فلا يزال هذا حاله حتى يقلع عن عادته، وينقلب كارهًا لها ولمن يمارسها.
لقد جاء الإسلام الكريم يفتح آفاق الحياة للمؤمنين، ويمنعهم من أن يكونوا أبناء اللحظة الراهنة مهما كانت هذه اللحظة، ويوجه أبصارهم وأنفسهم وعقولهم الي المستقبل، فإذا أحبوا ذلك الواقع الذي يعيشونه دفع بهم إلى التفكر في بدايته ونهايته ولأي شيء خلق وكيف خلق؟ قال تعالى: { أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ }، وقال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}.
وقال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ* الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار}.
وقال تعالى: {إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ* وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ* وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}.
وفي الموطأ عن يحيى بن سعيد قال: إن عيسى ابن مريم ـ عليه السلام ـ لقي خنزيرًا على الطريق فقال له: انفذ بسلام، فقيل له: أتقول هذا للخنزير؟ فقال عيسى: إني أكره أن أعود لساني النطق بالسوء.
لا مجال في الإسلام لما يقف حجر عثرة في طريق إعمار الأرض وبناء الحضارة، ولو كان شيئا تنزع إليه النفس وتخلد إلى سكينته الكاذبة، الإسلام دين فكرة وعقيدة وعمل وعبادة، يرفض القيود ويكسر الأغلال ويحطم العادات، وينصر الحرية ويؤيد الانطلاق ويطور الفكر، ويقوي البناء:
الحُرّ من خرق العادات مُنْتَهِجاً
نهج الصواب ولو ضدّ الجماعات
ومن إذا خَذَل الناس الحقيقة عن
جهل أقام لها في الناس رايات
ولم يَخَف في أتّباع الحق لائمةً
و لو أتَته بحـدّ المَشرَفِيّات
وعامل الناس بالإنصاف مُدَّرعا
ثوب الأخوّة من نسج المساواة
أغبىَ البريّة أرفاهم لعادتـه
و أعقل الناس خرّاق لعـادات
__________________
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ
-
الهي لا تعذبني، فاني---مقر بالذي قد كان مني
فما لي حيلة، الا رجائي لعفوك--- ان عفوت، وحسن ظني
وكم من زلة لي في الخطايا---وانت علي ذو فضل ومن
اذا فكرت في ندمي عليها---عضضت اناملي، وقرعت سني
اجن بزهرة الدنيا جنونا---واقطع طول عمري بالتمني
ولو اني صدقت الزهد عنها---قلبت لاهلها ظهر المجن
يظن الناس بي خيرا، واني---لشر الخلق، ان لم تعف عني
-