أهلا بكم فى منتدي مصر رئيسية موقع مصر اجعل جميع المنتديات مقروءة
منتدي مصر

تهنئ الإدارة جميع الأعضاء و الزوار بعيد الأضحي السعيد أعاده الله علينا باليُمن و البركات


القسم العام للتاريخ قسم عام للمواضيع التاريخية بغض النظر عن المكان و الزمان قسم شامل

تركواز 

بنفسجي وردي احمر بني اخضر 

إفتراضي

المنتدى الحالى: القسم العام للتاريخ ,الموضوع الحالي: الحياة العلمية فى مصر والشام , المنتدى الرئيسي: تاريخ مصر, نبذة من الموضوع: الحياة العلمية فى مصر والشام 521-648 هـ (1127-1250م) في سنة 521هـ ، تولى عماد الدين زنكي بن آق سنقر إمارة ...

لنك مختصر للموضوع: http://forum.egypt.com/arforum/showthread.php?t=22008


رد

الحياة العلمية فى مصر والشام

حفظ الرابط أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
 
 
 
مراقب القسم التاريخي
الصورة الرمزية محسن سعيد السيد

رد مع اقتباس
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
الدولة: قلوب احبائى
المشاركات: 2,021
28-05-2008
 
الحياة العلمية فى مصر والشام



521-648 هـ (1127-1250م)

في سنة 521هـ ، تولى عماد الدين زنكي بن آق سنقر إمارة الموصل من قبل السلطان السلجوقي الذي كانت له الكلمة العليا في البلاد التي تعترف بخلافة العباسيين ، وبدأت بولاية زنكي على الموصل حركة إحياء سياسي واجتماعي وثقافي ، في مناطق الجزيرة العراقية والشام التي كانت حتى ذلك التاريخ مفككة الأوصال مشتتة الكلمة ، ثم لم تلبث هذه الحركة الإحيائية أن انتقلت إلى مصر عقب سقوط الدولة الفاطمية ، سنة 564هـ ، أمام جيوش السلطان نور الدين محمود بن زنكي ، واستمرت هذه الحركة على نشاطها في البلدين المتحدين منذ ذلك التاريخ حتى سقوط الدولة الأيوبية في مصر ، سنة 648هـ ، لتخلفها دولة المماليك البحرية التي بدأت عهداً جديداً من الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية يختلف في بعض مظاهره عن العصر الأيوبي ويتفق معه في بعض آخر.

ومن ثم كان تحديد بحثنا عن الحياة العلمية في مصر والشام مرتبطا بهذين التاريخين : 512 – 648 هـ ، أي شاملا للعصر الذي يبدأ بولاية عماد الدين زنكي إمارة الموصل وينتهي بسقوط الدولة الأيوبية في مصر.

وقد شهدت هذه الحقبة التي تتحدث عنها تغيرات رئيسية هامة ، كان من بينها سلسلة الحروب التي دارت رحاها – في معظم مراحلها – بمصر والشام وهي الحروب التي عرفت في التاريخ باسم الحروب الصليبية كما كان منها تلك الانقلابات السياسية والثقافية التي شهدتها هاتان المنطقتان نتيجة لتدهور سلطان الفاطميين الإسماعيليين وانتعاش النفوذ السني في ظل حكم السلاجقة وأتباعهم بالشام ، ثم في ظل الأيوبيين في مصر والشام جميعاً.

وقد جاهد زنكي منذ تولى شئون الموصل لوضع حد للخلافات السياسية الإقطاعية التي مزقت الشام والجزيرة العراقية ، فنجح بحروبه المتتابعة في إيجاد نوع من الاتحاد شمل جزءاً كبيراً من هذه البلاد وأخضعها لسلطانه ، ثم جاء بعده ابنه نور الدين محمود ، 541 هـ ، فبدأ من حيث انتهى أبوه ، ونجح في توحيد الشام والجزيرة جميعاً باستثناء المناطق التي كانت في أيدي الصليبيين ، ثم مد نفوذه إلى مصر حيث نجح قائده أسد الدين شيركوه ، عم صلاح الدين الأيوبي بعد محاولات ثلاث ، في إخضاعها لسلطانه ، وفي مصر ، بعد وفاة شيركوه ظهر صلاح الدين وزيراً للعاضد الخليفة الفاطمي الشيعي وقائداً لجيوش صاحب الشام نور الدين محمود السلطان السني ، ثم لم تلبث الخلافة الفاطمية أن انهارت ، فزال بانهيارها آخر ظل للنشاط الإسماعيلي عن مصر ، واصطبغت البلاد منذئذ بالصبغة السنية في مذهبها الديني وفي نظامها السياسي.

لكن الوحدة التي نجح هؤلاء الرجال الثلاثة في تحقيقها بين مصر والشام لم تسلم من الأخطار التي تهددتها في شكل الحملات الصليبية المتتابعة لتأكيد سلطان أوروبا على الأراضي المقدسة وللقضاء على قوة مصر التي حملت العبء الأكبر في مقاومة هذه الحملات الصليبية ، وكان لاتحاد القوى في مصر والشام ، برغم بعض المنازعات الداخلية ، فضل كبير في فشل هذه الحملات التي لم تحقق من أهدافها عندئذ إلا القليل.

وفي حديثنا عن الحياة العلمية في هذه الحقبة يحسن أن نبدأ بما ذكره ابن جبير في (الرحلة) من أنه رأى في دمشق وحدها ، أثناء زيارته لها نحو ، عشرين مدرسة ، كما رأى في حلب خمس مدارس . ويذكر ابن الشحنة في كتابه " الدر المنتخب " من مدارس حلب عدداً جاوز الخمسين ، أنشئت جميعاً بين سنتي 516 ، 665 ، ودمشق وحلب العاصمتان الرئيسيتان للشام في هذه الحقبة من التاريخ ، وهذان المثلان يكفيان في الدلالة على مدى الاهتمام بالإحياء العلمي في هذا العصر الذي نتحدث عنه ، غير أنه يحسن أن تضيف إلى هذا أن عدداً كبيراً من الزوايا والمساجد كان يؤدي وظيفة المدرسة في هذا العصر على نطاق واسع أيضاً .

وقد أنشئت أول مدرسة في دمشق في عهد الأتابك (طغتكين) الذي تولى إمارتها سنة 497هـ لكن دمشق لم تفز بالشهرة الفائقة التي اكتسبتها في ميدان النشاط العلمي إلا منذ عهد السلطان نور الدين محمود الذي اتخذها عاصمة لملكه سنة 549 هـ . ولعل السر في هذا أن المدة التي انقضت بين تأسيس أول مدرسة بدمشق واستيلاء نور الدين عليها ، حفلت بالنزاع المتصل بين أمراء المسلمين بالشام ، أو بينهم وبين الفرنج والصليبين ؛ وهو النزاع المرير الذي لم يدع فرصة لأي إصلاح علمي أو اجتماعي ، رغم توفر النية لدى بعض الأمراء.

والمدرسة كمركز للنشاط العلمي السني تدين بوجودها لأسرة السلاجقة ، ومن المسلم به أن المدرسة ظهرت في صور مختلفة قبل ظهور السلاجقة بزمن في منطقة خراسان ، وفي غيرها من الأقاليم الشرقية بصفة عامة ، إلا أن أول من أنشأ المدرسة بنظامها الكامل الذي عرفت به في بلاد العراق والشام ومصر كان نظام الملك وزير السلاجقة المتوفى سنة 485 هـ ، وهو مؤسس المدارس النظامية المعروفة . وقد ذكرنا من قبل أن أول مدرسة أنشئت في دمشق سنة 497هـ

ولم يكن ظهور المدارس في مصر والشام بهذه الكثرة الملحوظة في العصر الذي نتحدث عنه إلا مظهراً من مظاهر رد الفعل لتدهور الدعاية الشيعية الإسماعيلية التي فقدت سيطرتها أولا في بلاد الشام ، لانحسار سلطة الفاطميين عنها ، ثم انهارت أخيراً في مصر بعد سقوط الخلافة الفاطمية أمام جيوش الفتح النوري ، ثم من بعده بجهود صلاح الدين.

والاستعراض التفصيلي للمواد التي كانت تدرس في هذه المدارس خير دليل على صحة هذه الدعوى التي ذهبنا إليها.

ذلك أن مواد الدراسة في هذه الحقبة كانت تختلف من مدرسة إلى أخرى تبعاً لاختلاف أعمار الطلاب ولاختلاف المذاهب التي أنشئت من أجلها ، ولكنها مع هذا كانت تتفق جميعاً في أمر واحد هو تجنب الدراسة الفلسفية والمنطقية ، ولعل ذلك يرجع إلى أن المذهب الشيعي الإسماعيلي بصفة خاصة كان يعتمد في دعايته ، السرية والعلنية إلى جانب العاطفة الروحية ، على الجدل المنطقي وعلى الأسس الفلسفية والرياضية إلى حد كبير ، وبهذا كانت المواد التي تدرس في معظم مدارس الشام ومصر في هذا العصر الذي تتعرض له تتركز حول القرآن والحديث والمذاهب الفقهية الرئيسية الأربعة ، وكان اختلاف هذه المذاهب في بعض المسائل الفرعية سببا في تجميع هذه المسائل الخلافية في دراسات خاصة ، عرفت باسم (علم الخلاف) وقد برع فيها كثير من علماء هذا العصر ، وبخاصة من علماء الشافعية.

وفي (رحلة) ابن جبير ، وفي غيرها ، نجد حديثاً عن المدارس التي أنشئت للصبيان خاصة ، ويسميها ابن جبير أحيانا بالمكاتب ، وهدف هذه المدارس أن يحفظ بها الصبيان القرآن الكريم تلقينا ؛ أما القراءة والكتابة فكانت تعلم للصبيان في دراسة الشعر والأدب التي كانت تعتبر في هذه المرحلة مواد مساعدة ، وإنما كان القرآن يعلم تلقينا صيانة له عن التحريف والتصحيف ، وكانت المساجد ، كما يقول ابن جبير ، مكاناً آخر لتعليم القرآن لهؤلاء الصبيان الذين كانوا يفدون إلى المساجد لهذا الغرض ، وكان لهؤلاء التلاميذ ، ولمقرئيهم مرتبات خاصة يستحقونها في مقابل تدريس القرآن ودراسته .

وكانت دراسة القراءات المختلفة للقرآن تأتي في المرحلة التالية من الأهمية بالنسبة لحفظه ؛ حتى إن كثيراً من العلماء اشتهروا بين رجال هذا العصر بإتقانهم لها ، ومن هؤلاء علم الدين السخاوي ( المتوفى سنة 643) الذي اشتهر بها حتى كان الناس يجتمعون حوله ليقرءوا القرآن عليه بقراءته في المسجد وفي الطريق بينه وبين منزله بسفح جبل قاسيون ، فلا يصح لأحد منهم نوبة إلا بعد أمد طويل (. وفي كتب التراجم التي تتحدث عن الشخصيات العلمية لهذا العصر كثير من أمثال الشيخ السخاوي.

ويجئ بعد القرآن وقراءاته علم الحديث ورجاله ، وقد ظهر هذا العلم بمؤسسات خاصة أخذ كل منها اسم (دار الحديث) تمييزا لها من بقية المدارس ، وأول دار للحديث بدمشق أسست أيام السلطان نور الدين محمود ، ثم تبع من جاء بعده مثاله ، ومن هؤلاء صلاح الدين الأيوبي ، والملك الكامل محمد ، والملك الأشرف موسى والملك الصالح نجم الدين أيوب.

ويلي هاتين المادتين الرئيستين في الأهمية الدراسات الفقهية بمذاهبها الأربعة الرئيسية ، أما قواعد اللغة العربية والدراسات الأدبية والتاريخية فلم تكن إلا من المواد المساعدة التي تمهد للدراسات الدينية العميقة التي تتمثل في دراسة القرآن وقراءاته والحديث ورجاله ثم في دراسة الفقه ومسائل الخلاف.

ومن بين المذاهب الفقهية الأربعة يحتل مذهب الشافعي مكان الصدارة ، وبخاصة في عصر الأيوبيين ذلك رغم أن نور الدين محمودا ، الذي بدأ الاهتمام الجدي بالنشاط العلمي السني ، وكان يعتنق مذهب الحنفية ، وفي تتبعنا للنشاط العلمي الذي اتخذ طريقه من الشام إلى مصر في أواخر عهد نور الدين نجده يصطبغ بالصبغة الشافعية ، فقد عزل صلاح الدين قضاة الشيعة بعد سقوط دولة الفاطميين مباشرة ، وعين الشيخ صدر الدين عبد الله بن درباس الشافعي في منصب قاضي القضاة ، وعين هذا الشيخ بدوره نوابه في الأقسام الإدارية بمصر من رجال الفقه الشافعي ، ثم لم يلبث صلاح الدين أن اتخذ خطوة أخرى في هذا الصدد عندما أسس مدرسة للشافعية بجوار قبة الإمام الشافعي وأتبعها بأخوات لها في جهات أخرى ، ومن ثم لم يكن في الدولة الأيوبية بمصر كثير ذكر لمذهب أبي حنيفة وأحمد بن حنبل

ومنذ بدأ الاهتمام في الشام بإنشاء المدارس في عهد نور الدين محمود أقبل أصحابه وأمراء جيشه على التنافس في إنشائها ، وتابعهم على ذلك أصحاب الشام ومصر ، ومن اتصل بهم ، في عصر الدولة الأيوبية ، وكانت هذه المدارس موزعة بين المذاهب الأربعة الرئيسية وإن اختلف الإقبال عليها من مذهب إلى آخر فكان مذهب الشافعي في مرتبة الصدارة يليه مذهب أبي حنيفة ثم المذهب المالكي ، بينما كان لمذهب ابن حنبل المكانة الأخيرة ، إذ لم يقبل كثير من السلاطين أو الأمراء أو العلماء على تشجيعه بدرجة كافية ، بل كان بعضهم يقاوم انتشاره ونشاط علمائه ، ويؤيد أتباع المدرسة الشافعية في معاداتهم له ، ولعل السر في هذا أن رجال المذهب الحنبلي كانوا يحاولون في هذه الفترة النظرة إلى المسائل الشرعية نظرة تحليلية تعليلية ، ويردون شبهات المناظرين من المناطقة بحجج جدلية مشابهة تمشيا معهم في أسلوب مناظرتهم ، بينما كان الشافعية ، بزعامة إمامهم الأكبر ابن عساكر المحدث ، يلجئون إلى الحديث دائماً ويشككون في عقيدة الحنابلة وفي مقاصدهم.

ولعل السر في تقدم الشافعية على الحنيفة كذلك أن نور الدين الحنفي المذهب وقف من المذاهب الأربعة موقفا محايدا وشجع العلماء جميعا على مواصلة جهودهم العلمية ، ووجه كثيراً من جهده وماله لدراسة الحديث خاصة ، فأنشأ له مدرسة خاصة عرفت باسم دار الحديث النسورية ، كما قدم ابن عساكر المحدث الشافعي الكبير في مجلسه على سائر الأمراء والعلماء حتى كان ابن عساكر يضرب المثل بجلال مجلس نور الدين ووقاره وتعظيمه للعلم والعلماء ، ثم جاء بعد نور الدين خلفاؤه الذين حكموا مصر والشام باسم الأمراء الأيوبيين ومعظمهم من الشافعية المتعصبين لمذهبهم ، وفي مقدمة هؤلاء صلاح الدين الأيوبي ، وأخوه الملك العادل سيف الدين ، ثم الملك الكامل موسى بن الملك العادل ، ومما يدل على موقف الأيوبيين من الشافعية تأييدا ومناصرة أن أحد علماء الحنيفة كتب كتابا في الفقه سماه (النوري في شرح القدوري) وتعرض فيه لبعض رجال الحديث من الشافعية ، وبلغ خبر الكتاب صلاح الدين فاستدعى مؤلفه يوم جمعة في مسجد دمشق وطلب منه كتابه وأمر " بغسله " في ميضاة المسجد

ودليل آخر أن المعظم عيسى صاحب دمشق ، ابن الملك العادل ، اعتنق المذهب الحنفي واهتم بدراسته والتخصص فيه ، فبلغ أمره والده الذي حاول أن يسترده إلى مذهب الشافعي ، فغضب المعظم وكلم أباه ومن حضر مجلسه من العلماء بلهجة يتحدث أبو المحاسن ، صاحب النجوم الزاهرة ، عنها " بأن السكوت عن ذكرها أليق " ، وذكر مؤلف " شفاء القلوب " أن مما قاله المعظم لأبيه حينئذ " أما ترضون أن يكون فيكم واحد مسلم ".

ومما يدل على أن مذهب ابن حنبل كان لا يجد تعضيدا كافيا من الحكوميين أو من العلماء أن أبا شامة مدح أستاذه زين الأمناء ابن عساكر بأنه " كان لا يمر قرب صفوف الحنابلة حتى لا يأثموا بسبهم له " ، ويعلل أبو شامة هذا صراحة بالبغض العنيف الذي يكنه الحنابلة للشافعية ذلك البغض الذي كان متبادلا بين الفريقين ، حتى إن زكى الدين بن رواحة أنشأ مدرستين في حلب ودمشق وأباح الدراسة فيهما لكل من رغب الاستزادة في العلم على ألا يدخلها مسيحي أو يهودي أو حنبلي

ولكن سيطرة الشافعية والحنفية على الحياة العلمية لم يمنعا تطور مذهبي المالكية والحنبلية ، بل شجعتها هذه السيطرة على المناضلة لمحاولة التقدم والرقي ، فنجحا إلى حد كبير ، وأمكنهما بذلك تقنين بعض قواعد الفقه الإسلامي المتعلقة بنظم الحكم السياسة فيما بعد ، وبخاصة جهود الفقيه والمصلح الاجتماعي الإمام ابن تيمية .

وكان لدراسة الطب في هذه المرحلة نصيب ملحوظ فكان الطلاب ينقلون دروسه النظرية ويقومون بتمريناتهم العملية في البيمارستانات ، حيث كان المرضى يعالجون من غير أجر ، وكان البيمارستان النوري بدمشق في مقدمة هذه المؤسسات الصحية العلمية نشاطا في هذه الحقيقة ، ومن بعده بيمارستان صرخد ، ثم بيمارستان القاهرة ، ومن أظهر أطباء هذا العصر ابن أبي أصيبعة الذي تلقى دراسته العلمية في صرخد والقاهرة وترك كتابا خاصا في طبقات الأطباء سماه "عيون الأنباء".

ويمكن أن نقول : إن هذا النشاط العلمي يدين بوجوده لعوامل ثلاثة متعاونة ، أولها كثرة المدارس وتنوعها ، وثانيها الهيئة الحاكمة من سلاطين وأمراء ، وأتباع للأمراء والسلاطين ، وسيدات الأسر الحاكمة ، وثالثها جماعة العلماء.

وقد تحدثنا من قبل عن العامل الأول.

أما العامل الثاني فإننا نجد أن رجال الحكم والسلطة ومن اتصل بهم ، كانوا يتنافسون في إنشاء المدارس ، وبعضهم كان يبادر إلى هذا فور توليه منصبه الجديد ، يجعله عربونا لدى قومه على حسن السياسة التي سيتبعها في إدارة شؤونهم ورعاية صوالحهم ، ولسيدات هذا العصر فضل كبير في تأسيس الكثير من المدارس ، ونذكر منهم على سبيل المثال ، الخاتون عصمة الدين زوجة السلطان نور الدين محمود ثم من بعده زوجة السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب فقد أنشأت مدرسة فخمة في دمشق عرفت باسم المدرسة العصمية ، ومن أتباع السلاطين نذكر قايماز صارم الدين ، أحد مماليك السلطان صلاح الدين ، الذي أنشأ مدرسة باسمه بجوار منزله ، كما أنشا عدة ربط للصوفية في دمشق وفي غيرها من مدن الشام.

ومن العلماء نذكر القاضي شرف الدين بن أبى عصروان الذي أنشأ مدرسة باسمه تواجه منزله بدمشق أيضا ، والقاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني الذي أنشأ مدرسة في القاهرة للشافعية والمالكية ، وألحق بها مكتبة بلغت عدة كتبها مائة ألف كتاب.

وفي كتاب الدارس في تاريخ المدارس للنعيمي ، وفي كتب التراجم كذلك ، أمثلة لا تحصى للتدليل على هذه القضية.

ولم يقتصر اهتمام الهيئة الحاكمة ، ومن اتصل بها ، بحركة الإحياء العلمي على مجرد إنشاء المدارس ، وإنما كانوا يتخيرون لهذه المدارس أفضل الأساتذة وأتقاهم وأكثرهم قبولا لدى المتعلمين عامة ، بل كانت بعض المدارس تنشأ خاصة لعالم بعينه اشتهر بعلمه أو بمكانته بين الناس ، فقد أنشأ ناصر الدين القيمري مدرسة خاصة للأستاذ على بن محمود الكردي ، وقرر عند إنشائها أن يتولى شئونها بعد وفاة الشيخ الكردي أولاده وذريته.

ومن قبل أنشأ السلطان نور الدين محمود دار الحديث النسورية للحافظ أبي القاسم هبة الله بن عساكر الكبير محدث دمشق (الذي توفى سنة 571هـ).



وإنشاء مدرسة ما كان يعني في نفس الوقت تخصيص أوقاف بعينها يصرف إيرادها في إدارة هذه المدرسة وفي دفع مرتبات المدرسين والمعيدين وفي حاجات الطلاب الذين كانوا في أغلب الأحيان يقيمون بالمدرسة ، ويتغذون فيها ، ويحصلون منها على أدوات الكتابة والدرس ، بل كان من بين العلماء والطلبة من يتزوج ويقيم مع زوجه وأسرته في المدرسة التي التحق بها مدرسا أو طالبا .

ومما يدل على وفرة الأوقاف المخصصة للمدارس ، ما ذكره ابن جبير في (الرحلة) عن مدينة دمشق التي استغرقت الأوقاف معظم أسواقها ومنشآتها ، وتوزعتها المساجد والمدارس والربط ، وفي وصفه لإحدى المدارس الحنفية بحلب يقول : " ويتصل به (بجامع قلعة حلب) من الجانب الغربي مدرسة للحنفية تناسب الجامع حسنا وإتقان صنعة ، فيها في الحسن روضة تجاور أخرى ، وهذه المدرسة من أحفل ما شاهدناه من المدارس بناء وغرابة صنعة ، ومن أطرف ما يلحظ فيها أن جدارها القبلي مفتح كله بيوتا وغرفا لها طيقان يتصل بعضها ببعض ، وقد امتد بطول الجدار عريش كرم مثمر عنباً ، فحصل لكل من تلك الطيقان قسطها من ذلك العنب متدليا أمامها ، فيمد الساكن فيها يده ، ويجتنيه متكئا دون كلفة ولا مشقة" .

ولم يقتصر مورد هذه المدارس على الأوقاف الكثيرة التي كانت تخصص لها ، بل كان للعلماء إقطاعات خاصة يمنحها لهم الأمراء ومرتبات تصرف لهم من خزانة الدولة ، ويذكر القاضي الفاضل في إحدى رسائله إلى السلطان صلاح الدين الأيوبي "أن أرزاق أرباب العمائم في دولته ، إقطاعا وراتبا يتجاوز مائتي ألف دينار ، وربما وصل ثلاثمائة ألف شهادة لله"
ومن مظاهر اهتمام الهيئة الحاكمة بالنشاط العلمي ما نقرؤه من أن السلاطين أنفسهم كانوا يهتمون بالأخذ بنصيب من الثقافة بالقدر الذي تمكنهم منه ظروفهم ، فكان صلاح الدين يتلقى دروس الحديث من القاضي بهاء الدين بن شداد ، حتى وهو في ميدان القتال ، كما حاول أن يحفظ القرآن الكريم عندما وجد فسحة من الوقت ، وبدأ هذا فعلا ، ولكننا لا نعلم مقدار نجاح هذه المحاولة ؛ وفي الإسكندرية اعتاد أن يحضر دروس الحافظ السلفي مع من يصحبه من أولاده ورجال دولته ، واهتم العادل سيف الدين بثقافة أولاده حتى قيل : إن ابنه الكامل استطاع أن يحصل على إجازات علمية كثيرة من علماء عصره عن جدارة واستحقاق .

كما قيل : إنه استطاع أن يعلق على صحيح مسلم علميا "بكلام مليح" . والكامل هذا هو الذي اعتاد أن يعقد ندوة علمية دورية مساء كل خميس يتناظر فيها العلماء ويتجادلون ، ويشاركهم الكامل في جدلهم ومناظراتهم أما المعظم عيسى صاحب دمشق ، وشقيق الملك الكامل ، فقد درس الفقه على مذهب أبي حنيفة في عناية وعمق ، وقد سبق أن ذكرنا رده على والده الملك العادل حينما حاول أن يصرفه إلى دراسة الفقه الشافعي ، ويذكر سبط ابن الجوزي أن المعظم هذا اختار مجموعة من العلماء وكلفهم بدراسة مسائل الفقه الحنفي لإفراد القضايا التي اختص بها الإمام أبو حنيفة ، وتلك التي تنسب إلى كل من صاحبيه محمد وأبي يوسف ، وكانت نتيجة هذه المحاولة كتابا جديدا في الفقه الحنفي ، سمي التذكرة ، في عشر مجلدات ، فدرس المعظم هذا الكتاب بعناية ، وكتب بخط يده على كل مجلد منه عبارة تدل على أنه حفظ ما فيه جميعه ، فلفت هذا نظر سبط ابن الجوزي فقال للمعظم : "إن أعظم العلماء حفظا لا يستطيع أن يدعي أنه حفظ أكثر من كتاب القدوري ، وأنت تذكر أنك حفظت كتاب التذكرة جميعه !! إنني أخشى أن يؤخذ هذا عليك" فتحداه المعظم عيسى أن يجمع له من أراد من العلماء ليختبروا حفظه لهذا الكتاب وقال : "إن الألفاظ لا تهم ، وإنما الذي يهم هو ما تعنيه هذه الألفاظ"(

واهتم المعظم كذلك بقواعد اللغة العربية ، فحفظ كتاب المفصل للزمخشري ؛ وكان يشجع على الحفظ والدراسة بما يقدمه من مكافآت مالية ، فمن ذلك قوله : "من حفظ الجامع الكبير للكرماني أعطيته مائة دينار ، ومن حفظ الإفصاح لأبي علي في النحو أعطيته مائتين ، فحفظهما جماعة ووفى لهم
وعندما كتب سبط ابن الجوزي ترجمة المعظم عيسى في حوادث سنة 624 قال : "وفي هذه السنة ظهرت وفاة المعظم عيسى الملك الفقيه النحوي اللغوي ... " إلخ.

ولأمراء الأيوبيين نشاط آخر في ميدان المعرفة ذلكم هو التأليف والتصنيف ، فقد كتب المعظم عيسى كتابا في الفقه الحنفي ، كما نظم مجموعة قيمة من الأشعار جمعها في ديوان خاص ، وألف الناصر داود كتابه "الفوائد الحلبية في الفرائد الناصرية"، وخصص فيه فصلاً تحدث فيه عن أصل الأسرة الأيوبية ، وينقسم هذا الكتاب قسمين : أولهما يشمل الرسائل والمكاتبات التي وجهها الناصر داود إلى بعض الشخصيات الرسمية وغيرها ، وثانيهما يحتوي على الأشعار التي أنشأها مؤلفة في عشرة أبواب . وكتب المنصور محمد صاحب حماة كتابا عن تاريخ حماة والشخصيات التي زارتها أو استقرت فيها ، ويقع هذا الكتاب في جزأين ، وقد سماه صاحبه : "المضمار في التواريخ"

وهكذا نجد أمراء الأيوبيين يسهمون في حركة الإحياء العلمي بطريق مباشرة بالتأليف والدراسة إلى جانب ما ذكرناه من قبل من مظاهر اهتمامهم بهذه النهضة.



 
 
 
 
اميرة البحر
الصورة الرمزية wilson2003

رد مع اقتباس
 
تاريخ التسجيل: Feb 2008
المشاركات: 4,611
28-05-2008
 
موضوع جميل فعلا
ومعلومات قيمة
تسلم علي تعبك واختيارك للموضوع
تقبل مروري
اميره البحر
__________________
 
 
 
 
مصرى صاحب مكان
الصورة الرمزية ABOORA

رد مع اقتباس
 
تاريخ التسجيل: Jun 2007
الدولة: in love island
العمر: 17
المشاركات: 13,399
29-05-2008
 
[align=center]
شكرا استاذ محسن
موضوع قيم فعلا
جزاك الله كل خير
[/align]
__________________
The hardest thing to do .. is to be near to someone
you know you will not have ..

with all my love

ABOORA

 
 
 
 
مصرى مشارك

رد مع اقتباس
 
تاريخ التسجيل: Dec 2007
الدولة: الجزائر
المشاركات: 102
30-05-2008
 
السلام عليكم ورحمة الله..جزاك الله خيرا على الموضوع الطيب
بارك الله فيك على المجهود..لا تبخل علينا بجديدك اخوك يوسف
 
 
 
 
مصري مميز
الصورة الرمزية أمير غرناطة

رد مع اقتباس
 
تاريخ التسجيل: Dec 2007
الدولة: الرياض
المشاركات: 2,133
15-06-2008
 
 Egypt.Com - منتديات مصر
__________________

وفاي من طبـع أبـوي أكتسبتـه
و طبع السماحة من خوالي خذيته !
طبعي كذا مـا هـو دور و لعبتـه
الطيب شي داخل الـروح بيتـه !
و الكره من دفتر حياتـي شطبتـه
و حكمة زماني من شراني شريتـه
 
 
 
رد

لنك مختصر للموضوع: http://forum.egypt.com/arforum/showthread.php?t=22008



مواقع النشر

العبارات الدلالية
الحياة, العلمية, مصر, والشام


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود BB متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع إلى



 
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138 139 140 141 142 143 144 145 146 147 148 149 150 151 152 153 154 155 156 157 158 159 160 161 162 163 164 165 166 167 168 169 170 171 172 173 174 175 176 177 178 179 180 181 182 183 184 185 186 187 188 189 190 191 192 193 194 195 196 197 198 199 200 201 202 203 204 205 206 207 208 209 210 211 212 213 214 215 216 217 218 219 220 221 222 223 224 225 226 227 228 229 230 231 232 233 234 235 236 237 238 239 240 241 242 243 244 245 246 247 248 249 250 251 252 253 254 255 256 257 258 259 260 261 262 263 264 265 266 267 268 269 270 271 272 273 274 275 276 277 278 279 280 281 282 283 284 285 286 287 288 289 290 291 292 293 294 295 296 297 298 299 300 301 302 303 304 305 306 307 308 309 310 311 312 313 314 315 316 317 318 319 320 321 322 323 324 325 326 327 328 329 330 331 332 333 334 335 336 337 338 339 340 341 342 343 344 345 346 347 348 349 350 351 352 353 354 355 356 357 358 359 360 361 362 363 364 365 366 367 368 369 370 371 372 373 374 375 376 377 378 379 380 381 382 383 384 385 386 387 388 389 390 391 392 393 394 395 396 397 398 399 400 401 402 403 404 405 406 407 408 409 410 411 412 413 414 415 416 417 418 419 420 421 422 423 424 425 426 427 428 429 430 431 432 433 434 435 436 437 438 439 440 441 442 443 444 445 446 447 448 449 450 451 452 453 454 455 456 457 458 459 460 461 462 463 464 465 466 467 468 469 470 471 472 473 474 475 476 477 478 479 480 481 482 483 484 485 486 487 488 489 490 491 492 493 494 495 496 497 498 499 500 501 502 503 504 505 506 507 508 509 510 511 512 513 514 515 516 517 518 519 520 521 522 523 524 525 526 527 528 529 530 531 532 533 534 535 536 537 538 539 540 541 542 543 544 545 546 547 548 549 550 551 552 553 554 555 556 557 558 559 560 561 562 563 564 565 566 567 568 569 570 571 572 573 574 575 576 577 578 579 580 581 582 583 584 585 586 587 588 589 590 591 592 593 594 595 596 597 598 599 600 601 602 603 604 605 606 607 608 609 610 611 612 613 614 615 616 617 618 619 620 621 622 623 624 625 626 627 628 629 630 631 632 633 634 635 636 637 638 639 640 641 642 643 644 645 646 647 648 649 650 651 652 653 654 655 656 657 658 659 660 661 662 663 664 665 666 667 668 669 670 671 672 673 674 675 676 677 678 679 680 681 682 683 684 685 686 687 688 689 690 691 692 693 694 695 696 697 698 699 700 701 702 703 704 705 706 707 708 709 710 711 712 713 714 715 716 717 718 719 720 721 722 723 724 725 726 727 728 729 730 731 732 733 734 735 736 737 738 739 740 741 742 743 744 745 746 747 748 749 750 751 752 753 754 755 756 757 758 759 760 761 762 763 764 765 766 767 768 769 770 771 772 773 774 775 776 777 778 779 780 781 782 783 784 785 786 787 788 789 790 791 792 793 794 795 796 797 798 799 800 801 802 803 804 805 806 807 808 809 810 811 812 813 814 815 816 817 818 819 820 821 822 823 824 825 826 827 828 829 830 831 832 833 834 835 836 837 838 839 840 841 842 843 844 845 846 847 848 849 850 851 852 853 854 855 856 857 858 859 860 861 862 863 864 865 866 867 868 869 870 871 872 873 874 875 876 877 878 879 880 881 882 883 884 885 886 887 888 889 890 891 892 893 894 895 896 897 898 899 900 901 902 903 904 905 906 907 908 909 910 911 912 913 914 915 916 917 918 919 920 921 922 923 924 925 926 927 928 929 930 931 932 933 934 935 936 937 938 939 940 941 942 943 944 945 946 947 948 949 950 951 952 953 954 955 956 957 958 959 960 961 962 963 964 965 966 967 968 969 970 971 972 973 974 975 976 977 978 979 980 981 982 983 984 985 986 987 988 989 990 991 992 993 994 995 996 997 998 999 1000 1001 1002 1003 1004 1005 1006 1007 1008 1009 1010 1011 1012 1013 1014 1015 1016 1017 1018 1019 1020 1021 1022 1023 1024 1025 1026 1027 1028 1029 1030 1031 1032 1033 1034 1035 1036 1037 1038 1039 1040 1041 1042 1043 1044 1045 1046 1047 1048 1049 1050 1051 1052 1053 1054 1055 1056 1057 1058 1059 1060 1061 1062 1063 1064 1065 1066