إليكم يا إخواني بعض أسماء المدن والأماكن التاريخية، و عرض لأصولها..
الأندلس
يطلق المؤرخون والجغرافيون العرب كلمة الأندلس على شبه جزيرة إيبيريا (راجع: معجم البلدان لياقوت الحموي تحت كلمة الأندلس، والروض المعطار للحميدي) ، وأصبحت تطلق أيضا بعد بداية ما عرف عند الأوروبيين بحروب الاسترداد ، على كل شبه الجزيرة عدا جليقية، و ولايات جبال البرنية.
أما في الجغرافية الحديثة، فقد أصبحت كلمة الأندلس تعبر عن إحدى الولايات الأسبانية، وهي ولاية Andalucia ، والتي تقع بين ولايتي مرسية و إشبيلية.
وقد ذكر العديد من المؤرخين المسلمين أن أصل تسمية الأندلس تنسب إلى قوم سكنوا تلك البقعة من شبه الجزيرة الإيبيرية ، وهم "الأندلوش"، وذكر البعض عنهم أنهم "الأندليش" ، وعند ابن خلدون "قندلس" أو "فندلس".. وكل تلك الأسماء إنما هي إشارات من بعيد إلى تلك القبائل الجرمانية (الأوروبية المتبربرة) التي سكنت جنوب شبه جزيرة إبيريا في فترة من الفترات، وهم قبائل الوندال Wandal فعرفت تلك المنطقة باسمهم " فانداليتا Vandalita" أو " فاندالوسيا Vandalusia " أي بلاد الوندال.
مصر
* يذهب الدكتور/ عبد الحليم نورالدين ، العميد الأسبق لكلية الآثار ، وأحد أبرز علماء الآثار في العالم، أن تسمية مصر قد تكون ذات أصل مصري قديم..
فيذكر في كتابه (آثار وحضارة مصر القديمة ج1) أنه و منذ القرن الرابع عشر قبل الميلاد، وردت مسميات مصر على النحو التالي:
اللغة الأكدية = مصرى ، اللغة الآشورية = مشر ، اللغة البابلية = مصر ، اللغة الفينيقية = مصور ،اللغة العربية القديمة = مصرو ، العبرية = مصراييم.
أي أن مصر قد عرفت منذ فترة مبكرة بتسميات قريبة من كلمة مصر الحالية، أما عن الأصل المصري لتلك الكلمة – والمرجح أنه انتقل لهذه اللغات- فهو كلمة " مجر" أو " مشِر "، والتي تعني المكنون أو المُحصّن... وهي كلمة تدل علي كون مصر محمية بفضل طبيعتها ، ففي الشمال بحر ، وفي الشرق صحراء ثم بحر، وفي الجنوب جنادل (صخور كبيرة) تعوق الإبحار في النيل، أما الغرب فتوجد صحراء أخرى.. وحتى اليوم تعرف مصر لدى المصريين بأنها " المحروسة ".
أما عن تحول الكلمة إلى "مصر" ، فهو أمر من المألوف أن يحدث عندما يحدث تحول بين حروف الجيم والشين والصاد، وإليكم بعض الأمثلة :
شمس = شمش ، سمع = شمع ، إصبع = جبع
** أما عن أصل كلمة مصر من وجهة النظر العربية: فكلمة " مصر" والتي جمعها " أمصار" تعنى المدينة الكبيرة ، تقام فيها الدور والأسواق و المدارس وغيرها من المرافق العامة ( راجع المعجم الوجيز مادة م ص ر)، فهكذا كان إطلاق هذا الإسم على مصر على أساس كونها من أقدم المدنيات الباقية.
و من يعلم فربما حدث العكس ، و انتقلت كلمة مصر (البلد) إلى العربية فأصبحت دلالة على معنى المدنية، نظرا لقربها من بلاد العرب .. ولكننا بهذا نجد أنفسنا وقد عدنا إلى وجهة نظر مبنية على فكرة الدكتور/ عبد الحليم نور الدين في أن الكلمة انتقلت من مصر إلى العرب.
*** أما عن أصل الكلمة من وجهة نظر الأديان و الكتب المقدسة، فنجد الرواية التوراتية تخبرنا عن حفيد سيدنا نوح عليه السلام وهو "مصراييم" الذي سكن مصر قديما وأنجب بها ذريته.
قال عبد الله بن عمرو: لما قسم نوح عليه السلام الأرض بين ولده، جعل لحام مصر وسواحلها، والغرب وشاطئ النيل ، فلما دخلها بيصر بن حام، وبلغ العريش، قال اللهم إن كانت هذه الأرض التي وعدتنا بها على لسان نبيك نوح، وجعلتها لنا منزلا، فاصرف عنا وباءها، وطيب لنا ثراها، واجر لنا ماءها، وأنبت كلأها، وبارك لنا فيها، وتمم لنا وعدك فيها،إنك على كل شيء قدير، وإنك لا تخلف الميعاد.
وجعلها " بيصر" لابنه " مصر" وسماها به. (راجع: فضائل مصر و أخبارها لابن زولاق).
الفسطاط
كانت سُنة الفاتحين أن يبنوا المدن الجديدة كدليل على قدرتهم، أو لأسباب أمنية.
أما بالنسبة للفسطاط أولى المدائن التي أنشأها المسلمين في مصر وإفريقيا، فعلى ما يبدو أن إنشائها (بداية من 21هجرية) قد جاء كبديل عن الإسكندرية، بإيعاز من خليفة المسلمين عمر بن الخطاب الذي، لم يقبل أن يكون بينه وبين ولاته ماء .. كالنيل في مصر الذي كان بينه وبين الإسكندرية في حالة إذا ما أراد القدوم.
فكان سبب التحول إلى الفسطاط هو نفسه سبب تحول سعد بن أبي وقاص من مدائن كسرى إلى الكوفة، ولربما لم يكن عمر رضي الله عنه يريد للمسلمين أن يرثوا مدن قوم كانوا في نعيم وترف وهزموا بسبب ذلك، فيرث المسلمون خيبتهم.
أما بالنسبة للفظ الفسطاط ، فهناك ثلاثة آراء :
1- أن أصل الكلمة عربي بمعنى المدينة، وينضح ذلك من كون البصرة قد تسمت بنفس الاسم، بالإضافة إلى ما يوضحه لنا الحديث الشريف من معنى الكلمة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " عليكم بالجماعة فإن يد الله على الفسطاط" صدق رسول الله.
والفسطاط هنا بمعنى المدينة التي بها مجتمع من الناس.
2 – أن الكلمة قد جاءت بمرادف آخر، بمعنى الخيمة، ولذلك رواية تاريخية (راجع : القلقشندى، صبح الأعشى) والتي تذكر أن عمرو بن العاص كان قد ترك فسطاطه (خيمته) في ذلك الموضع، وعندما أراد التوجه للإسكندرية بعد فتح حصن بابليون، إذ وجد يماما قد فرخ ، فقال عمرو " لقد تحرم منا بحرم" ، وأقر فسطاطه كما هو، ولما عاد المسلمون من الإسكندرية ، قالوا أين ننزل؟ قال: الفسطاط ، أي فسطاطه الذي كان خلفه.
3- أما البعض الآخر من الباحثين فيذهب إلى أن للكلمة أصل لاتيني من كلمة Fossatum اللاتينية ،أي العسكر أو الحصن أو الخندق الذي كان عند بابليون ثم حرفه العرب إلى فسطاط بعد ذلك.
القاهرة
أنشأت على عهد الفاطميين، وبعد فتح القائد الفاطمي جوهر الصقلي لمصر.
أما عن التسمية فنجد قصة طريفة كتلك القصص التي تقترن ببناء المدن.. وتذكر:
أن جوهرا نظر إلى السهل الرملي الواقع شمالي الفسطاط، فاختط فيه مدينته، وأحاطها بسياج من الأعمدة الخشبية، و أوصلها جميعها بالحبال، التي تتدلى منها أجراسا، قصد بها أن تدق جميعا في لحظة واحدة، عندما تُعطى الإشارة بذلك، لكي تكون إيذانا ببدء العمل ووضع الأساس.
وقد كان ذلك انتظارا لقدوم كوكب ميمون ، فيكون البدء في وضع أساس المدينة متزامنا مع ظهوره.
وفجأة .. يأت غراب ليقف فوق أحد الحبال .. فتحدث الأجراس صوتا .. فيبدأ العمال في العمل، قبل أن يظهر الكوكب الذي انتظره الفلكيين.
ويتصادف ذلك مع ظهور كوكب المريخ، والمعروف بقاهر الفلك، فتسمى المدينة الجديدة بالقاهرة.
ويزيد البعض أن المعز – بعد قراءاته الخاصة للطالع – قد أقر هذا الاسم. (راجع : النجوم الزاهرة لابن تغري بردي ، السلوك للمقريزي )
وكما ترون أن القصة عجيبة بعض الشيء.
ويذكر لنا مؤرخون (راجع : النجوم الزاهرة لابن تغري بردي ، الخطط للمقريزي ) أن التسمية ترجع إلى المعز لدين الله الفاطمي، الذي سماها القاهرة بعد فتح مصر بأربعة سنوات، وذلك بعد أن كانت قد سميت في البداية بالمنصورية.
ويبدو أن التسمية قد كانت في رأس المعز منذ البداية ..
فقد روي عن المعز أنه قال لجوهر القائد قبل خروجه لمصر في حشد من شيوخ قبيلة (كتامة) البربرية : والله لو خرج جوهر هذا وحده لفتح مصر، لتدخلن مصر بالأردية من غير حرب، ولتنزلن في خرابات ابن طولون، وتبني مدينة تسمى القاهرة، تقهر الدنيا. (راجع : اتعاظ الحنفا ، الخطط للمقريزي)..
وإلى لقاء حول مزيد من المعلومات الخاصة بهذا الموضوع..:2