نشأةُ البكائية [ العدودة ] في مصر بقلم : درويش الأسيوطي البكائية أو [العـدودة] هي أشرف الغنـاء الشعبي ، كما كان الرثــاء أشرف أشعار العرب ، فعندما سَأل الأصمعي الإعرابي : ما بال المراثي أشرف أشعاركم ؟ !! قال الإعرابي : لأننا نقولها وقلوبنا محترقة . والعديد أو التعديد هو ذكر منـاقب الميت وتعدادها ، فالمعاجم تقول : عدد الميت : عد مناقبه ووصفها .(1) وتطلق [ العدودة ] على مفرد الغـناء الحـزين أو البكاء الغنائي الذي مارسته وتمارسه النساء ربما في معظم عالمنا العربي . وقد يظن البعض أن ترديد هذا الغناء الحزين قاصر على لحظة بعينها أو مناسبة خاصة ، ولكن هذا الظن ـ كما سنرى ـ في غير محله ، فالمرأة المصرية دائمة الترديد لهذا اللون من ألوان الغناء . فربما اقتصر ترديدها لبعض الأغاني المبهجة على ليلة الحنة ، أو ليلة الدخلة أو الطهور، أوالحج ، أو سرب الغلال … الخ، لكن كلما خلت المرأة إلى نفسها كلما فاض صدرها بمعاناتها الشخصية انعكس ذلك في صورة عديد . فهي قبل أن تبكي من مات من الأحبة تبكي حالها هي ، وما تعانيه من ضغوط عائلية ومجتمعية خانقة . قالوا شقيَّه قُلتْ من يومي قَسَّمُوا النَّوَايب طِلِعْ الكبير كومي يا مَرْت أبويا يا عُقْدة اللِّحْلاحْ ميتى تموتي وأمسك المفتاحْ والثابت لكل مهتم بهذا اللون من ألوان الإبداع الإنساني ، أن طـقوس الموت ليست بالبدعة المستحدثة ، بل إنه من السهل ردها إلى آلاف السنين . فالثابت أن المصريين القدماء ، كانوا ممن شغلوا بقضية الموت ، وكونوا حـولها فكرة مكتملة الجوانب . فالموت بالنسبة لهم لم يكن سوى غياب مؤقت ، يأتي بعده يوم ترتد الروح فيه إلى الجسد ، وتعود إلى حياتها . لذا حرص المصريون على أن يضعوا مع موتاهم ، كل ما يحتاجه الإنسان : من مأكل ومشرب وملبس وأدوات ومال أيضا . لكن المرأة وباعتبارها حجر الزاوية في العائلة المصرية ، ظلت تعد غياب أحـد أفراد عائلتها ـ وخاصة الرجــال منهم ـ مصيبة تستحـق البكاء ، وتستحق أن تهيــل التراب على رأسـها وتضع الطين على صدرها ورأسها، وتصبغ أثوابها بالنيلة والسواد . هذا ما تعده واجبا ، وهذا ما دأبت عليه المرأة المصرية طوال القرون العديدة الماضية وحتى الآن ، بصرف النظر عن العقيدة التي يعتنقها المجتمع والدين الذي يدين به . فالموت بالنسبة لها هو الوحش الذي يغتصب من بين يديها أفراد الأسرة ، ومنهم الرجل الحارس والمدافع عن العائلة ، ومنهم مصدر دخلها ومنبع فخرها ، ومنهم الولد من تعده للمستقبل ، والبنت التي تعدها لتحمل رسالة الأمومة في الحياة من بعدها . وقد حولت المرأة كل تلك المشاعر والأحـاسيس إلى أغنيـات تغنيها في لحظات الشدة ، مصاحبة لطقوسها ، وفي لحظات الوحـدة والإحساس بالفقد . وأورثتها لبنات جنسها من بعدها ، حتى أننا لا نبالغ حينما نقول أن تلك الأغنيات الحزينة لها جـذورها العـميقة في وجدان شعبنا ، وربما لها نسختها الفرعونية أيضا . يرى الدكتور عبد الحليم حفني في بحثه الرائع عن[ المراثي الشعبية] : [ أن العديد في أصله عربي ، تحول من الفصحى إلى العامية ، وظلت الأجيال تتوارث بعض ألفــاظه وتحاول الاحتفاظ بالطابع الموسيقي في هيكله العام ، من حيث صياغة العدودة في قوالب موسيقية و إن كانت لا تسير على نسق البحور العروضية المعروفة في الشعر العربي . لأن العديد يعتمد عـلى المقطوعة التي تتكون من بيتين يتضمنان أربع شطرات . وليس على القصائد كالشعر الفصيح . وكذلك يحاول العديد أن يعتمد على القافية كما يفعل الشعر الفصيح . لكن ضعف ثقافة المعددات فيما يبدو لم يتح لهن تحقيق التزام القافية التزاما واضحا . فاكتفين بالتقـــارب والتوافق في النغم الموسيقي مكان القافية في بعض الأحيان ، وفي الأحيان الأخرى [نجحن] في تحقيق القافية إما في نهاية الشطرين أو نهاية البيتين .] (2) وقد يرجع البعضُ التشابه الشديد بين ما تغنيه النساء في أثناء ممارستهن لطقوس الموت ، في المنطقة التي تشمل مصر والشام إلىالمصدر العربي المشترك لفن الغنــاء الباكي ، فهناك من يرى مع الدكتور عبد الحليم حفني أن فن الغنـاء الباكي قد انتقل إلى مصر مع تلك القبـائل العربية الخارجة من الجزيرة العربية قبل الفتح وبعـده . ويرى هؤلاء أن العــديد هـو امتداد شعبي لقصائد الرثاء العربية الشهيرة كما يرى كــرم الأبنودي . وسواء اتفقنا أو اختلفنا حول تلك المقولة ، فالثابت أن هناك تشابها كبيرا بين الموروث الشفهي العربي في الأقطار المجاورة لمصر ،على المستوى المضموني ، وعلى مستوى البنية لا يمكن تجـاهله . فأغنيات الأفراح تكاد تحمـل نفس القيـم والمضامين . وإذا أخذنا على سبيل المثال الأغنيات الخاصة بالحماة [ أم العريس ] التي تقال على لسان العروس في مدينة وقرى الخليل بفلسطين المحتلة وجدناها تقول : أمو يا أمو يخـلِّيلُه أمو جابت لي بَصَلْ ما بآكل بصلْ على شهر العسلْ لحَّـقتْني أمو جابت لي فقوس ما بآكل فقوس حيه بسبعْ رووس تقرصْ لي أمو (3) أليس هذا ما تقوله الأغنية المصرية : أمك يا أمك كله من أمك دبحنا العجــول عطيناها الرُّجول تاكل شالله ما تاكل يا كُلْــها البابور (4) فالمضمون شديد التشابه والإيقاع أيضا ، بل إن روح السخرية وخفة الدم تغلف النصين . وحين تبكي المرأة الفلسطينية فقيدها تقول : يا نايحه نوحي عليه نوحي فلان إمدد على اللــوحِ زقزق ياعصفور و ازعق يا غراب فلان مقتول ومرمي في الخــراب (5) كذلك تطلب النائحات من المتوفي التمهل و الانتظار . لا ترحلوا و القيض عموا لا ترحلوا حتى توكلوا منو(6) و تبرز النائحات قدرة المتوفى الحربية وفروسيته بقولهن : طلت البرودة و السبع ما طل يا بوز البارودة من الندى منْبل و بيني و بينك سلسله و وادي وأبعدت غادي ليش أبعدت غادي(7) ويردُّ البعض هذا التشابه في الغنـاء الشعبي في المناطق العربية المجاورة لمصر، إلى خضوع المنطقة للوجود و التأثير المصري . فيرى الأستاذ [ خيري شلبي ] الكاتب المصري الكبير أن مصر هي التي ابتدعت فن العديد ونشرته في جميع أنحاء المنطقة التي كانت خاضعة ذات يوم للأمبروطورية المصرية ، ويرجع هذا الاهتمام بالموت وطقوسه إلى ما ورثه المصري من عقيدة الخـلود عند المصريين القدماء من اهتمام بالجسد والحفاظ عليه .(8) ومع التسليم بأثر الوجود المـصري في تلك المناطق فلابد أن نسلم أيضا بأن الجانب الإنساني في الموروث الشعبي هو عامل مشترك بين مختلف الشعوب . أضف إلى ذلك أن منطقتنا العربية ظلت لقرون طويلة ساحة للتلاقح بين الحضارات المختلفة بشتى الأساليب والأشكال ، ولاشك أن لهذا أثره على الموروث الشعبي . [البكائية _ أو العدودة ـ فن مصري أصيل ، لا نعتقد أن شعبا آخر من شعوب العالم لديه هذا الطقس الفني الكبير. حيث يقوم الأحياء بتأبين الميت وذكر مناقبه وصفاته و محاسنه ليس بالخطب ولا قصائد الرثاء المدوية بل بتحويل المناسبة إلى غناء خالص .
هو ليس مجرد غناء ، بل هو أرقى ألوان الغنــاء على الإطلاق ، لأنه يخاطب قطعة شـديدة الخصوصية والعمومية معا في النفس البشرية ، منطقة الفقد . فاذا يفقد الإنسان عزيزا لديه فإن عـواطفه كلها تتجمع في هذه المنطقة لتفجر منها المشاعر الإيجابية العظيمة ، أعني المشاعر التي تعيد للإنسان إنسانيته أو تعيد الإنسان إلى إنسانيته . فإن كان الإحساس بالفقد هو دافع لهذا الغناء ، فإن الغناء سرعان ما يضعك أمام الفقد نفسه ، فسواء كنت فقدت أحدا أو على وشك أن تفقد أحدا أو لم تفقد على الإطـلاق فإنك لابد أن تشعر [ وأنت تستمع لهذا الغناء ] بمشـاعر الفاقد . تعيش لحظة الفقد ، فتنتفض مشاعرك أسى وحرقة ، تشارك الفاقد حزنه وأساه و لوعته ، حتى ولو كنت ـ لا سمح الله ـ غليــظ الحس فإن هذا الغناء الحزين الملتاع يرقق أحاسيسك يغـنيها بمشاعر العزاء والتراحم والتواد. وهو فن و أي فن ، له خبراؤه وفنانوه الأفذاذ . قد تخصصت فيه النساء لأنهن أيقظ شعورا بالفقد من الرجال ، ليس لأن المرأة كائن ضعيف وإنما لأنها كائن شديد الرقة . المرأة التي جبلت على شدة الإحساس بوجود الإبن والأب والحــبيب هي الأم في النهاية ، وعندها لكل فقيد مقومات خاصة ، وذكريات خاصة ، ومسببات حزن خاصة . الابن له بكائية والزوج له بكائية وكذلك الشاب والعريس والشيخ الكبير رب العائلة . لكل فقيد من هؤلاء قناع خاص تقام من أجله المندبة ] (9) ويخص الأدب الشعبي [ الوفاة ] بمكان عَلَّهُ يفوق ما يفرده للزواج والميلاد ، وتبلغ البكائيات الجنائزية درجة من التجويد والصنعة الشعرية ومن ابتداع المعنى وطرافته ما ليست تبلغه أغاني المناسبات العائلية السارة .(10) وجدير بالتأكيد ما يلاحظه الدارس من انفراد المرأة دون الرجل بهذا اللون من ألوان الغناء الشعبي ، فقد يشارك الرجل المرأة في أغنيات العمل أو أغاني الحج ، لكنها تنفرد بأهازيج المهد والعديد . [ للمزيد في الموضوع : راجع : أشكال العديد في صعيد مصر للمؤلف ـ سلسلة مكتبة الدراسات الشعبية ـ هيئة قصور الثقافة ـ مصر ] هوامش : (1) المنجد في اللغة والأعلام – المادة (2) المراثي الشعبية ـ العديد ـ الدكتور عبد الحليم حفني _ هيئة الكتاب _ مصر ، فن الحزن – كرم الأبنودي – سلسلة مكتبة الدراسات الشعبية . هيئة قصور الثقافة (3) من التراث الشعبي الفلسطيني – غادة سميح الشريف – بحث غير منشور _ نشر على شبكة الإنترنت . (4) الفرح _ طقوس ونصوص الفرح الشعبي في صعيد مصر – درويش الأسيوطي . (5)من التراث الشعبي الفلسطيني – مصدر سابق . (6) المصدر السابق . (7) المصدر السابق . (8) مقدمة كتاب [ فن الحزن ] تقديم خيري شلبي . مصدر سابق (9) المصدر السابق (10)الأدب الشعبي . أحمد رشدي صالح – مكتبة الأسرة .