جامعـــــة الإسكندريـــة كليــة الفنــون الجميلة الدراسات العليا ملخص فى حدود 1000 كلمة
لرسالة الدكتوراه المقدمة من الباحثة /لنيل درجة دكتوراه الفلسفة من قسم التصويرتخصص (تصوير عام)
وموضوعها : الأثر الفكرى للاتجاهات الفنية الحديثة على تصوير الوجه الإنسانى
الإنسان هو أكمل الأحياء فى الأرض من ناحية تكوينه الجثمانى ، كما أنه أرقاها من ناحية تكوينه الشعورى ، واستعداداته الروحية ذات الأسرار العميقة ، ومن ثم وكلَ الله إليه خلافة الأرض . فإذا تأملنا هذا الإبداع فى تكوين الإنسان ، أو إلى أى عضو من أعضائه تجسدت لنا تلك الحقيقة لقوله تعالى " وصوركم فأحسن صوركم " . فهو تكوين يجمع بين الجمال والكمال مع التنوع الغير متناهى فى درجات هذا الجمال . وإن الجمال والإعتدال والسواء ليبدو فى تكوين الإنسان الجسدى والعقلى والروحى ، متجسدا فى الوجه الإنسانى الذى يتجلى فيه هذا الجمال والإبداع الخلقى لله تبارك وتعالى . فالوجه هو وسيلة اتصالنا بالعالم من حولنا ، وأكثر المفردات قدرة على التواصل والتفاعل بين الناس , ونقل الحالات الانفعالية المختلفة , فيستطيع المصور من خلاله عكس حالته كوجه إنسانى يحمل تاريخه الخاص ويعكس حالة مجتمعه . كما يستطيع من خلاله أن يعكس علاقة المصور بالنموذج الذى يصوره . فهو مرآة صادقة تعكس لنا الحياة الداخلية لشخوصة وتفاعله مع كل ما يحيط به وما يمربه خلال مراحل العمر . فالوجه الإنسانى هو الذى يحدد هوية الإنسان , ويعطيه صوره , ويحدد ماهيته . وهو يشكل عنصرا تشكيليا قادرا على حمل الكثير من المعانى والدلالات . ومن هنا كان اهتمام الباحثة بموضوع الوجه الإنسانى ، لما له من أهمية فى حياة الإنسان عامة ، وحياة الفنان خاصة . فالوجه الإنسانى من أهم العناصر التى شغلت اهتمام الكثير من الفنانين على مر العصور. وكان تصوير الوجه الإنسانى انعكاسا للمتغيرات الفكرية فى الآونة الحديثة ، فخضع لأبعاد تشكيلية وتعبيرية اختلفت باختلاف الثقافات والفلسفات والعقائد السائدة . فالوجوه التى اعتاد المصورون تناولها فى أعمالهم هى ليست مجرد ملامح وقسمات بل هى دلالات وعلامات فى خدمة الانفعال أو الطابع الشخصى , وكأنما هى لغة ناطقة تبوح لنا بالمتغيرات والظروف المحيطة بالفنان . لذلك تقوم الباحثة بإلقاء الضوء على المعالجات المختلفة للوجه الإنسانى فى ضوء المتغيرات الفكرية كنموذج طرح جماليات تصويرية كانت بمثابة صدى لمتغيرات الفكر والفلسفة . وذلك سيكون أولا : فى الباب الأول من خلال الحقبة الأولى لنشأة الحداثة ، حيث أن ما شهده المجتمع الأوروبى الحديث من تحولات منذ عصر النهضة وحتى التسعينات من القرن الثامن عشر ، إنما شكل الحقبة الأولى من تاريخ نشأة وولادة الحداثة فى الفنون والنظرية النقدية والذوق العام . هذه الحقبة سجلت حركة تجاذب وتنابذ بين الكلاسيكية والمانيريزم وظهور الباروك والروكوكو ، واكتشاف الحضارات الشرقية وقيمها وتذوقها ، ومن ثم إعادة الاعتبار للقيم المسيحية والوسيطة بما يتلاءم مع نهوض النزعة القومية والفن القومى والمدارس القومية الأوروبية. فالنزاع ضد روح السلطة والتفاوت فى المكانة ، والمثل الأعلى لحرية الفكر وحرية الضمير وحرية الفرد ومبدأ الديمقراطية ، كل هذه إنجازات حققها القرن الخامس عشر بعد ثورات فكرية عديدة . كما اكتسب الفن أولى خيراته العلمية فى هذا القرن ، وكانت أدواته هى الرياضة والهندسة ، وعلم البصريات والميكانيكا ، ونظرية الضوء واللون ، والتشريح وعلم وظائف الأعضاء . والسعى من أجل تحرير الفنون من إملائية العقيدة الجامدة والذهنية فى العصور الوسطى ، وبالتالى إعلاء شأن الفنان فى المجتمع ومنحه حرية الإبداع والتجديد ، وما كان لذلك من تأثير على كيفية تناول ومعالجة الوجه الإنسانى . ثم يأتى القرن السادس عشر مفتتحا للحقبة التاريخية التى تعتبر بداية للعصر الحديث . والذى أدخل الخلق الفنى فى محيط النشاط الفكرى ، ومن هنا بدأ التركيز على شخصية الفنان ، وتأكد الإحساس بأن العمل الفنى هو ثمرة موهبته ونتاج عبقريته . ولقد أتخذ هذا العصر لنفسه نموذجاً للشخصية الإنسانية ، حيث اختفاء التوتر بين الصفات الروحية والجسمية فى تصوير الأشخاص ، والمساواة بين الجمال الجسمى والقوى الروحية ، وتلك الحرية التى تتحرك بها . ثم ظهرالمانرزم بوصفه تعبيرا عن التعارص بين الاتجاهات الروحية والحسية لذلك العصر ، حيث لا تنطوى المثل العليا الشكلية الجديدة على زهد فى مباهج الجمال الجسمى ، وانما تصور الجسم وهو يكافح من أجل التعبير عن العقل. ولقد انفردت فينسيا خلال القرن السادس عشر بمميزات خاصة جعلت لفنها التشكيلى فلسفته واتجاهاته المميزة عن فنون ايطاليا فى هذا القرن ، وأصبح اللون والملمس من أهم مميزات الفن الفينيسى الذى فتح الآفاق للفن الحديث ، وجعل للتصوير لغته المميزة التى يسودها اللون كعنصر مسيطر ، والذى يتضح فى تصوير " تتسيان " للأشخاص . ولقد تمثل وجه اسبانيا المميز فى القرن السادس عشر فى عبقرية " الجريكو " ، فأعماله تشير إلى مساهمة اسبانيا فى صنع العبقرية الإنسانية فى الفن . فقد أضفى على شخوصه من أعماق نفسه ظلالاً من الأبدية ، وطوع اللون ليكون أداة تعبيرية خالصة عن المضمون النفسى الدفين لأعماله ، وأصبحت الأشخاص عنده رموزاً لمعان وعقائد وأحاسيس فى عالم يسود فيه الشهداء والقديسيون وتسكنه أرواح غريبة توحى بها نبضات اللون وأعماقه . واستطاع أن يودع روحه وتأملاته ملامح الوجوه التى يرسمها . وللقرن السابع عشر سمات عامة وخصائص أثرت فى اتجاهات الفن التشكيلى فى هذا العصر ، ووسعت من نطاق الرؤيا وأضافت إلى تجارب الإنسان فى مضمار الفنون أشياء جديدة . ففى هذا القرن أصبح الفرد يتخذ كيانه كمحور للأشياء ، وتركز البحث حول الإنسان. وكما كان الإنسان محور الفلسفة والعلم كان أيضاً محور الفن ، ومن هنا كان العصر عصرالصورة الشخصية فى تعبيراتها المختلفة التى تمثل سياحة الفنان فى العوالم الخارجية والداخلية للإنسان ، نرى ذلك فى لوحات فان دايك وفرانزهالز . كما نراها عند فيلاسكييث . ثم نتعمق الرؤيا الداخلية عند رامبرانت . وفى القرن الثامن عشر ازدهرت فلسفة التنوير في فرنسا وألمانيا بوصفها انعكاسا لنجاح العلم الحديث الباهر . فتصهر عقلانية العلم وتجريبيته معاً في إطار إيمانها الطاغي بالتقدم البشرى . كما أن " البهجة " كانت من المتسلطات الكلية على العصر . فلقد كان الجرى وراء البهجة الدنيوية حق يحل محل فكرة الواجب ‘ وعنت التمرد على الزهد المسيحى والأخرويات ، والذى تمثل فى فن الروكوكو وأعمال " واتو " الذى كان يصور أشخاصه فى المناظر الاجتماعية البهيجة . ولكن فى النصف الثانى من القرن الثامن عشر ‘ ظهر تمرد على " البهجة " ‘ ورفض ترف الروكوكو ‘ ودعوة الى العودة الى البساطة وفضائل حياة البيت والأسرة كما فى أعمال " شاردان " ، والواجب الوطنى ممثلا فى فن العصر الثورى وأعمال " دافيد " . أما الحقبة الثانية والمتطورة من الحداثة ومن تطور ميكانيزم العلاقة بين الفن الحديث والنقد والذوق العام فيتناولها الباب الثانى ، حيث بدأت مع المعركة الرومانسية فى عشرينات القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن الفشرين ، أى شمل التبدلات الثورية على مسرح القيم والجمهور والمعارف وجميع ميادين الحياة الشخصية والاجتماعية والسياسية . ودور هذه المتغيرات والأحداث فى تكوين المدارس الفنية الحديثة بدءا من الانطباعية وحتى السريالية ، والأثرالفكرى لكل مدرسة على تناول الوجه الإنسانى . فقد أحدثت الفلسفة والفكر فى هذه الحقبة تغيرا هاما فى معالجة شكل الوجه الإنسانى فى اللوحة التصويرية , ساهم فى إثبات عدم وجود طبيعة محددة أو ماهية ثابتة للإنسان . ثم يأتى الباب الثالث فيتناول التجرية العملية للباحثة .